الخوف من إدماجهم بـ"الروضات" يفاقم عزلة "أطفال التوحد"

حنان الكسواني

عمان - توقفت دورة الزمن عند أسرة الطفل زيد، منذ اكتشاف إصابته بمرض التوحد، الذي استسلم للعزلة بعيدا عن العالم الخارجي، برغم محاولاته التعبير عن احتياجاته بطريقته الخاصة حتى يلفت نظر الآخرين بأنه كائن بشري موجود.

اضافة اعلان


وتكشف عينا زيد، عما يتمتع به من حيوية؛ إذ يعبث بأي شيء حوله، ويمارس ألعابا خطرة بالنسبة لمن هم في عمره، ويتقافز هنا وهناك، فيما تحاول أمه الثلاثينية جاهدة، إلحاق ابنها البالغ من العمر 6 أعوام في رياض الأطفال، بلا جدوى، بسبب الرفض المجتمعي لقبول طفل من ذوي اضطراب التوحد بين ابنائهم.


ورغم ان هذه الاسرة من ذوي الدخل المحدود، لكنها حاولت جاهدة ان تضع ابنها في روضة أطفال خاصة قرب منزلها في جبل النزهة، غير ان محاولاتها باءت بالفشل بعد ان كشفت إدارة الروضة لها بأن سبب رفضها يتمحور حول "عدم جاهزية معلماتها ومرافقها للتعامل مع حالة ابنها، إلى جانب خوفها من أهالي الطلبة الذين لن يتقبلوا طفلا متوحدا بين أبنائهم".


ولم تشفع تقارير زيد الطبية الرسمية في ادماجه برياض الأطفال، حيث اشارت إلى أن نسبة ذكائه تصل الى 56 %، وبأنه " لا يميز الأخطار والأحداث، ولديه افراط في الحركة والنشاط، ولا يستخدم الحفاظات، ويعبر عن احتياجاته بالإشارة".


وزيد واحد من بين عشرات الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد في الأردن، الذين يصعب حصر أعدادهم بدقة نظرا لطبيعة مرضهم، في حين أن تقارير أميركية تقدر الإصابات عموما بواقع حالة واحدة من بين كل 44 مولودا حيا على أرضها، فيما ذهبت تقديرات منظمات صحية اممية إلى أن معدل انتشار التوحد غير معروف في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، غير أن هناك "طفلا يعاني من بين كل 100 طفل من التوحد".


وتتفاقم حالة زيد في ظل ظروف عائلية ومعيشية صعبة، وهو ما انعكس على سلوكه بشكل عام، حيث ينفر ممن يقتربون منه أو يلمسونه، ويصاب بحالة هستيرية حين يقترب منه أحد، فيضرب رأسه ويغمض عينيه، ويندفع نحو أمه، ويختبئ خلف ثوبها كما لو أنه يبحث عن الأمان والهدوء والحنان.


ولا يقتصر شبح الرفض المجتمعي على مرحلة رياض الأطفال، بل يطال بعض الحضانات الخاصة، ومنها حضانات في منطقة مرج الحمام، حيث رفضت مجموعة من الأهالي وجود طفل من ذوي الإعاقة الذهنية يبلغ عمره 4 سنوات بين اطفالهم.


وفي ظل نقص معلومات حول أسباب إصابة الأطفال باضطراب التوحد، سواء كانت بيئية او وراثية، وحقوقه في الرعاية الصحية والنفسية، أصرت احدى الأمهات على موقفها بعدم قبول طفل توحد في تلك الحضانة، بعدما لاحظت ان ابنتها تقلد سلوكيات طفل التوحد الحركية، بحسب قولها لـ"الغد".


وبشكل عام، تجهل بعض الأمهات أهمية دمج ذوي الإعاقة الذهنية مع اقرانهم، والفوائد الإيجابية المتحصلة للطرفين، ما دفع أما عشرينية إلى التحريض على بعض الأمهات، عبر تقديم شكوى شفهية الى إدارة الروضة تطالب بعزل أحد أطفال التوحد عن أقرانه، لكن الشكوى لم تلق آذانا صاغية، حسبما قالت.


وتكشف سلوكيات بعض أمهات الأطفال العاديين عن هشاشة المعلومات حول اضطراب طيف التوحد واعراضه، حيث أوضح عضو لجنة اعتماد مراكز التربية الخاصة ومراكز التوحد في الأردن الدكتور رائد الشيخ ذيب أن المشكلة الحقيقية تكمن في عملية الدمج العشوائي لأطفال اضطراب التوحد في برامج التعليم لمرحلة الطفولة المبكرة والإلزامية، مؤكدا لـ"الغد" أن من المحال أن ينجح الدمج من دون تخطيط.


واشار ذيب، وهو أستاذ جامعي متخصص بالتربية الخاصة في جامعات اردنية وعربية، إلى أنه في حال قبول دور رياض أطفال القطاعين الحكومي والخاص لأطفال التوحد فلا بد من التخطيط المسبق، من حيث اختيار الصف المناسب له، والكادر التعليمي المتخصص.


وشدد على أهمية عقد اجتماع مسبق مع جميع الأهالي من أجل مصلحة أطفالهم، وتعليمهم كيفية تقبل الآخر، مع التركيز على وجود فروق فردية بين الأطفال وتعزيز أهمية التعاون بين افراد المجتمع، على اعتبار أن من حق طفل التوحد التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والنفسية.


وفي تجربة مختلفة حول قصص أطفال التوحد، تقول مديرة احدى الحضانات الخاصة في ضاحية الرشيد انتصار عبد السلام لـ"الغد"، إن "بعض الاسر لا تبلغ إدارات رياض الأطفال عن أمراض أطفالهم، ومن ضمنهم أطفال التوحد، غير ان خبرتي الطويلة في السلك التربوي في مدارس حكومية وخاصة كشفت لي، مثلا، ان الطفل ليث (3 أعوام) لديه سمات التوحد المبكرة".


وتقول عبد السلام إن "سلوكيات ليث لم تكن عنيفة، بل كان يفضل أن يجلس وحيدا لساعات طويلة يراقب لعبته بصمت، ويرفض الذهاب الى دورة المياه او حتى تناول طعامه مع الآخرين"، منحية باللائمة على أسرة ليث "لإخفائها سر عزلته عن الآخرين".


"خوف اسرة ليث من عدم تقبل معلمات الحضانة لابنها لم يكن مبررا"، بحسب عبد السلام التي اوضحت أطفال التوحد يحصلون على تدخلات نفسية واجتماعية مسندة بالبينات في الوقت المناسب، وتؤدي إلى تحسين قدرتهم على التواصل الفعال والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين، وهذا ما طبقته مع الطفل كرم.


وفي السياق ذاته، أوصت دراسة أكاديمية للباحث الأردني صالح الزيود بعنوان "العلامات التحذيرية المبكرة لاضطراب طيف التوحد في مرحلة رياض الأطفال من وجهة نظر المعلمات"، بضرورة "التعامل بمهنية وفعالية مع الأهل الذين قد يميلون إلى رفض أو إنكار هذه العلامات، وعقد ندوات متخصصة وورش تدريبية تطبيقية للمعلمين، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد لتدريبهم".


وترى المعلمة المتخصصة في العلوم التربوية سحر حجاوي، أن "عملية دمج أطفال التوحد في رياض الأطفال هي احدى الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لتنمية مهاراتهم المستهدفة، وتعديل سلوكهم غير المرغوب فيه اجتماعيا".


وأضافت حجاوي التي تعاملت مع عدة حالات تعاني اضطراب التوحد في إحدى المدارس الخاصة غير الدامجة: " إن عملية الاندماج مع اقرانهم العاديين في رياض الأطفال يساعدهم في الاندماج في المجتمع في مراحل متقدمة"، لافتة إلى ان بعض المعلمات كن يرفضن التعامل مع المتوحدين لعدم الاختصاص او لضيق الوقت".


وفي وقت تعاني فيه والدة مرام (اسم مستعار) من نقص المعلومات عن المؤسسات المعنية بأطفال التوحد، التي تقدم العلاج الوظيفي او اللغوي والادماج المجتمعي، ينصب تفكيرها حول كيفية حماية طفلتها (5 أعوام) من نظرة الآخرين، او حماية الطفلة نفسها صحيا ونفسيا من آثار المرض.


والمشكلة أن دخل الاب لا يمكّن هذه الاسرة من إرسال طفلتها إلى مركز يكفل له معاملة سليمة، ويدرب الوالدين على التعامل مع حالة ابنتهما، وربما يزداد عبء تقديم الرعاية، وكذلك السلوكيات المجتمعية ومستويات الدعم المقدم من الهيئات المحلية والوطنية، والتي تعد عوامل مهمة تحدد جودة حياة المصابين بالتوحد.


بدورها، نشطت الجمعية الأردنية للتوحد، عبر صفحتها الإلكترونية على "فيس بوك"، في شهر رمضان المبارك، بإطلاق حملة تبرع لكفالة طفل فقير ويتيم من ذوي اضطرابات التوحد لتحقيق حلمهم بتعليم دامج، قائلة: "تعاني عوائلهم من تدني مستوى الدخل وعدم توفير التعليم اللازم وجلسات التأهيل والعلاح لأطفالهم، ومن شأن التبرع أن يساهم في توفير التعليم لهم كبقية الأطفال".

إقرأ المزيد :