السبيل إلى النصر

د. هاشم غرايبة

المؤمن الحق يحسن الظن بالله تعالى، ورغم سواد هذا الليل الذي طال أمده، فهو مطمئن الى وعد الله بأنه لن يتخلى عن عباده المؤمنين، وأنه تعالى ما أنزل هذا الدين ليهزم. اضافة اعلان
لكن من لا يؤمن بالله واليوم الأخر ينكر ذلك، فيقول إن المسلمين في ذل وهوان، ومنذ قرن لم تقم لهم قائمة، في المقابل، الكفار هم من يملكون ناصية العلم والتقدم، ويسومونهم العذاب، وبذلك يستنتج أن الله وفقهم وتخلى عن المسلمين.
طبعا أقوال هؤلاء ليست جديدة، فقد قال المكذبون الأولون بالرسالات أكثر من قولهم: "إِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [العنكبوت:53].
إن مقاييس البشر محدودة أبعادها ولا يمكن لها أن تحيط بالمعايير الإلهية في الزمن والمسافات، فشتان ما بين وحدات القياس البشرية والإلهية.
ففي حساب الوقت: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ " [الحج:47]، أما في المسافات فالأمر خارق لقدرة البشر، فأحدث مجرة تم اكتشافها استلزم الضوء الصادر عنها 13.1 مليار سنة حتى وصل إلينا.
فإذا كان الله محيطا بكل ما نعرفه وما لانعرفه من هذا الكون، فما الذي يمثله بضعة مستكبرين ولو بلغوا، ملياري كافر يعيشون على كوكب لا يعدو حجمه بالنسبة للكون حبة رمل في صحراء شاسعة، وإذا كان عمر أقدم إنسان اكتشف الى الآن 3.8 مليون سنة، فما الذي تمثله مائة أو مائتين من السنين في أقدار الله التي سبقت الوجود واستمرت الى ما وراء الأزل؟
لا يدرك أغلب الناس حكمة تصاريف الله في خلقه، ومن يتدبرون الأحداث ويربطون المقدمات بالنتائج يدركون الحكمة العميقة من وراء كل حدث، وهؤلاء هم الحكماء.
لتقريب الصورة لنتخيل أن شخصا لديه ثلاثة أبناء على مقاعد الدراسة، أحدهم مُجِدٌّ مجتهد فهو متفوق لا يحتاج الى متابعة من والده لذا يتركه واثقا منه راضيا عنه، الثاني تحصيله جيد إذا تابعه والده دائما وذكره بواجباته، وإن تركه قصّر وتراجع تحصيله، لذا فهو الوحيد الذي سيستأثر بجهد المتابعة الحثيثة، أما الثالث فهو يعاني من بلادة عقلية فلا يفلح في فهم مسألة ولو قضى الليل بطوله بتدريسه، لذا يتركه لأنه ميؤوس منه.
الولد الأول يمثل الفئة الصالحة المؤمنة التي تؤمن عن فهم واقتناع وتعبد الله عن محبة فلا تحتاج من يحثها على ذلك ، فتركهم الله واعدا إياهم بنيل الدرجات العُلا إن استقاموا على ذلك، الثالث هم المكابرون الكفرة الفجرة، تركهم أيضا لكن متوعدا إياهم بسوء المنقلب إن بقوا على حالهم ، وأما الثاني فيمثل عامة المؤمنين (الأمة)، يحتاجون الى تذكير دائم وحث على الطاعات لأنها تُجِدُّ حينا وتكسل حينا، فهو يتابعها على الدوام لأنه يأمل فيها خيرا، إن اجتهدت كافأها بالنصر، وإن تقاعست سلط عليها الظلمة ممن لا يخافه ولا يرحمها تنبيها لها.
ومثلما أن الوالد لا يفرق بين الثلاثة في القوت والمأوى، فالله العادل الرحيم لا يفرق بين خلقه في الأرزاق ولا في خضوعهم للسنن الكونية فهم محكومون على السواء بقاعدة من جَدَّ وجد، ولله المثل الأعلى.
إن الله يقسم لكل الكائنات الحية أرزاقها ومنها البشر، ولا يحابي أحدا لتقواه ولا يحرم عاصيا لفجوره، لأن ذلك من السنن الكونية، وهي مجموعة من القوانين والقواعد الثابتة أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية، قد خلقها الحق سبحانه لتنظم وتحكم حركة الكون والحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، وتنظم ناموسية التغيير، وتتحكم بالدورات الحضارية، ومن خلال ملاحظتها والفهم المقارن يستطيع الفلاسفة والمفكرون تحليل أسباب سقوط الحضارات واستقراء عوامل النهوض الحضاري.
فالسنن الكونية يشترك فيها المسلم والكافر، وتنطبق حتما على الصالح والطالح، فمن أكل عاش، ومن امتنع عن الأكل لم يعش..من تداوى شفي بإذن الله ومن لم يتداوى لم يُشفَ.
لكن هنالك سننا ربانية اختص الله بها المسلمين فقط، وهي:
الأولى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا" [الطلاق:2].
الثانية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [محمد:7].
لكن لكي يستفيد المسلم من هذه الميزة التفضيلية (الوعد الرباني) يجب عليه أن يأخذ أولا بالأسباب، أي أسباب السنن الكونية ثم أسباب السنن الربانية، فمثلا لتحقيق النصر يلزمه الإجراءات التالية :
1 – الأسباب الكونية: وهي الإخلاص في النية ويتمثل ببذل الجهد في الإعداد والتدريب وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ" [الأنفال:60]، ونلاحظ هنا قوله تعالى (ما استطعتم) ولم يقل القوة الغالبة ، أي اشترط بذل قصارى الجهد ولو لم تكن القوة مكافئة للعدو .
2 – الأخذ بالأسباب الربانية وهي أن ينصروا الله أي الإلتزام بمباديء الدين وهي التقوى ووحدة الصفّ وعدم التنازع .
وبناءً على ذلك: فإن حاربت دولة كافرة أخرى مثلها ستنتصر أيهما تتفوق بالأخذ بالأسباب الكونية، أما إن كانت مع دولة مؤمنة وأخذت تلك المؤمنة بالنوعين من الأسباب فالغلبة لها مؤكداً ولو لم تتفوق في الأسباب الكونية.
إن للسنن الكونية خصائص ثلاث:
الثبات: أي لا تتبدل ولا تتغير " فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً" [فاطر:43].
والعموم: أي أنها تشمل كل البشر دون استثناء وبلا محاباة.
والاطّراد: أي التكرار أينما وجدت الظروف المناسبة مكانا وزمانا وأشخاصا وأفكارا.
لقد جاء القرآن الكريم برؤية علمية للتاريخ والاجتماع، أي أن هذه السنن مطردة، ليست علاقة عشوائية، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي وعلمي، لأن أهم ما يميز القانون العلمي الخاضع للاستقراء والملاحظة والتجربة عن الإفتراضات هو الاطراد والتتبع وعدم التخلف، والحكمة من ذلك هو أن تنضبط الموازين، وتستقر معالم الحكم على الأشياء والأحداث والوقائع والأفراد والأمم والتاريخ والحضارات، فبات قيام العلم أمرا ممكنا في الأمور العلمية والعملية الإنسانية والتجريبية على حد سواء ؛ إذ لو تغيرت السنن والنواميس من مكان إلى آخر أو من زمان إلى آخر لما قامت حقائق ثابتة وعلوم راسخة ننطلق منها لتحقيق التقدم والحضارة. وإلا كان الأمر فوضى وعبثا ولعبا، وهو ليس كذلك قطعا وجزما" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا" [المؤمنون:115].