الصين تحاور العرب وتذكرهم بطريق الحرير

الصين (تعبيرية)
الصين (تعبيرية)

سليمان قبيلات

عمان- تختار الصين في خطابها مع العرب، لغة تطرب سامعيها وتخجلهم في آن، مذكرة إياهم بانهم أمة واحدة كانت ترتبط ببلاد التنين بطريق الحرير الذي تعمل بكين اليوم لتجسيد فكرته العابرة للقرون في سياق اندفاعتها وانفتاحها على المنطقة.
استبقت الصين زيارة رئيسها الى المنطقة الاسبوع قبل الماضي بتنظيم منتدى حواري اعلامي، في القاهرة ساده خطاب بنبرة عاطفية، سرعان ما تبددها الوقائع العيانية من "اننا لسنا أمّة بل بلدان مشتتة الرؤى والاهداف إن وجدت"، كما ذهب زميل عربي في مداخلة صادمة في الحوار.
ففي مقابل خطاب صيني تولاه متحدثون مفوهون من بينهم قيادي بمستوى وزير، استدعى في مقاربته التاريخ في عجالة ليخلص الى أن هموما ورؤى كثيرة في التنمية المستقلة تجمع الامتين العربية والصينية، انبرى متحدثون عرب يعرضون رؤى لم تكن عميقة في الغالب عن وسائل اعلام محلية، لا يبدو انها تصنع رايا عاما بقدر ما تمثل حكومات هي في الواقع ابعد ما تكون عن الخطاب المتحرر من هيمنة الغرب الاعلامية والسياسية.
التقط المحاورون الصينيون، مواجع الاعلام العربي، فذهبوا الى صياغة مقاربة تدعو في مضامينها وسائل الاعلام العربية للخروج من كونها ناطقة بالعربية الى تبني قضايا أمة تراها بكين جارا لصيقا ومستحقا لحسن الجوار والعون ومد يد الصداقة.
بث بعض المتحدثين العرب هموما معبرة عن واقع حال عربي لا يسر الصديق الصيني العارف مسبقا بالمشكلات الجمة التي يعيشها هذا الإعلام، خصوصا ما يتصل بغياب الهدف والرؤية، الامر الذي يحيل المنابر الاعلامية العربية الى مجرد ناقل لخبر الوكالات الغربية بكل ما فيه من رسائل موجهة ضد العرب والصين.
لكن لا شيء يحول واندفاعة الصين الكبيرة نحو المنطقة العربية، التي تعمل بكين لكي تكون شريكا جاذبا لها بدفع من قواسم كثيرة. اليوم توسع الصين انفتاحها على العرب عبر تجارتها وانموذجها التنموي واذرعها الديبلوماسية لبناء شبكة من العلاقات العميقة معهم، وسط تحديات ليس اقلها هيمنة المنتج والوعي الغربيين في المنطقة.
قال زميل عربي، بما معناه ان "الصين تدعونا الى وحدة تبدو اطروحة رومانسية ازاء واقع التمزيق الذي نعيش. انها ترى فينا تجسيدا لامة واحدة بأهداف جديرة بالقتال على الساحة الدولية. مخجل ان لا تكون انت أمام محاور يقدم نفسه صديقا لك. مخجل ان تبقى في نظره صورة زاهية كما هي في التاريخ، فيما واقعك مغاير تماما" .
يقول زميل عربي آخر، إن حوارا واعيا مع الصين لا بد له أن يتوقف أمام حقيقة "أنك لكي تحاور عملاقا ذا توجه سلمي وإنساني، لا مفر من معرفة أن هذا العملاق يتقدم بخطوات جبارة تؤكدها البيانات الرسمية والوقائع العيانية، إذ أن مدينة صينية نامية مثل "ي وو" المتشكلة للتو، تسمى "جنة السلع الصغيرة" التي تغزو منطقتنا، بعدما كانت حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي قرية صغيرةـ، تعتمد على الصناعات التقليدية المحلية، لكنها مذّذاك تحولت إلى أكبر سوق للبضائع التجارية في العالم، وأول مركز لتداول وعرض السلع الاستهلاكية، وذلك بعد أن قرر سكانها تبني استراتيجية تطوير صناعتهم المحلية". واضاف بدهشة: لاحظ تعبير "قرر سكانها" الذي يعني ان هناك ثقافة جمعية جادة تجعل التعبير مستساغا، متسائلا :" متى يقرر اهل بلدة عربية ناشئة ان ينقلوا بلدتهم إلى رحاب العالمية بابداعاتهم التي تنم عن ثقافتهم؟! لا بل متى يقرر أي من البلدان العربية أن يكون منتجا للتفوق الذي يعد الطريق الوحيد لاثبات الذات في هذا العالم ؟!
تؤكد البيانات الرسمية الصينية، ان صادرات مدينة "ي وو" بلغت نحو 25 مليار دولار في 2014، مسجلة ارتفاعا بنحو 30 % عن العام الذي سبقه. وتلفت البيانات إلى ان دولة الإمارات العربية المتحدة استوردت سلعا من مدينة "ي وو" بنحو 1.1 مليار دولار، والعراق بنحو مليار دولار".
ولأن المنظم الصيني حدد مسبقا ساعات قصيرة لحوار إعلامي بهدف تعزيز العلاقات مع العرب ، فلم يكن من بد الا ان تختزل بعض اوراق العمل ، خصوصا احداها التي تمحورت حول الافاق المستقبلية (نظريا) للعلاقات العربية الصينية.
الورقة إيّاها، اعتبرت انه "لا بد من مأسسة الحوار العربي- الصيني ليس في ما يخص الماضي فحسب، بل في مسعى لوصل ما انقطع من عرى بفعل غياب العرب اولا واخيرا، فهم اصحاب قضية متشعبة في عالم تهيمن عليه قوى استعمارية لم ينلهم منها سوى الصد والرفض، بينما كانت الصين وما تزال امة صديقة يعتمد تعميق العلاقات معها على العرب خصوصا، اذ انها لم تكن يوما في موقف المعادي من قضايا العرب وخصوصا القضية الفلسطينية، فضلا عن اهمية انموذج الصين التنموي الجذاب".
والحال هذه؛ ترى الورقة، مؤسفا واقع حال غالبية المثقفين العرب جهلهم بالحضارة الصينية، الامر الذي ينسحب على نسبة كبيرة من المثقفين الصينيين جهلهم بالحضارة العربية وجذورها العميقة في التاريخ السومري والأشوري والبابلي وحضارة وادي النيل، فضلاً عن الحضارة العربية- الإسلامية".
هذا واقع، لمفكرين عرب، فيه رأي فارق، يتناول الجانب الثقافي في الحوار بين العرب والصين، لافتين الى انه "إذا كانت العلاقات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والعلمية بين البلدان العربية وبين الصين، قد شهدت تقدّماً كبيراً في السنوات الثلاثين الأخيرة، لاسيّما بعد حركة الإصلاح والإنفتاح الصينية وبعد المتغيّرات الكبيرة في الوضع الدولي، فإن الحوار يصبح ضرورة ثقافية ومعرفية، مثلما هو ضرورة كيانية تتعلق بالعلاقات والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة التي يمكن أن تنجم عنها، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعلمياً وتاريخياً"، حسب الورقة.
على أن ورقة أخرى، نحت منحى "طبقيا" لافتة الى ان "لسان حال الفقراء العرب يقول "شكرا للصين" التي ابدعت "صنع في الصين"، ذلك أن نظرة متفحصة لطبيعة المستوردات العربية من الصين "تكشف ان بلداننا تستورد منتجات رخيصة  الثمن". وقالت ان "الامر لا يعدو كونه انعكاسا للقوة الشرائية للغالبية العظمى من الجمهور العربي". ورات هذه الورقة، ان الفقراء ومحدودي الدخل هم من يجب ان يتوجه اليهم الاعلام في خضم معركته التنويرية، واضاءاته على تجارب الشعوب والامم الناجحة، وخصوصا ما يتصل بالتجربة الصينية الفريدة في التنمية (الراسمالية الشعبية)، إن جازت التسمية.
وساقت الورقة مزيدا من دواعي الحوار، فقالت "لان الامتين العربية والصينية تتقاطعان في المعاناة من الهيمنة السياسية والاقتصادية الاجنبية. ولان الامتين العربية والصينية اجتمعتا عبر الزمن في تلاق إنساني عميق، لم يشهد تاريخه لحظة صدام أو تناقض،  فان هاتين الامتين معنيتان حيويا بالبحث معمقا في ايجاد مساحات تلاق للإعلام الذي يجب ان ينهض بدوره التنويري في تعزيز هذه الروابط" .
وتورد الورقة ملاحظات جديرة بالتوقف، لافتة إلى أن الإعلام " الموضوعي والمهني " يتصدى للحدث الآني في مسعاه للتأثير في الرأي العام؛ لذا ينبغي له أن يضع نصب عينيه ابتداء عدم المساس بأسس وثوابت الثقافة القومية والمصالح الحيوية لاي أمة أو شعب ما ، باستثناء الصراع العربي الصهيوني وتجسيده اسرائيل .
وقالت إن وقفة تفحص سريع لمضامين خطاب منابر الإعلام العربي (صحافة مطبوعة. فضائيات. مواقع الكترونية) حيال احتجاجات الايغور الصينيين، وكيفية تناولها في الاعلام العربي، تؤكد ان "الإعلام العربي هو محض ناقل لما يضخه الإعلام الغربي، وهو بذلك يردد بشكل اصم الرسالة الإعلامية الغربية ذات المغزى الاستعماري والتفتيتي للدول والأمم التي تسعى لاشغال حيزها الحضاري تحت الشمس".
وقال معد الورقة :"انا اذكر كيف شنّ الاعلام الغربي حملة مسعورة على الصين بزعم الدفاع عن حقوق الانسان والاقليات" . تبعا لهذه النقطة، "تسجل الورقة غيابا صينيا عن الاعلام العربي ، فمن شأن ذلك عرض وجهة النظر الصينية، والدفاع عنها على الاقل في المنابر الإعلامية العربية الكبرى والمؤثرة (الفضائيات العربية . الصحف الكبرى . دور السفراء الصينيين في العواصم العربية والكتابة في اليوميات العربية).
وقالت إن الاعلام العربي، لا يولي أهمية للمساندة الصينية التقليدية لقضية العرب (فلسطين)، وكذلك دعم بكين للأقطار العربية في إيجاد سبل مناسبة للتنمية.
وتساءت الورقة، عن سبب احجام الصين عن لعب دور أكبر في العلاقات الدولية، اذ تتشبث بكين بدور متواضع بحجة أنها دولة نامية؟ كذلك رات الورقة انه لابد من تسليط الضوء وفق منهجية إعلامية (حملات) على البحث في كيفية دمقرطة العلاقات الدولية، وابراز اهميتها، في ايجاد عالم متعدد الاقطاب لتتفرغ امم وشعوب البلدان النامية لمهمة التنمية ورفض منطق الحروب وتفتيت البلدان التي لا تروق سياساتها للغرب.
ورقة اخرى، ذهبت الى ما يجب ان يتعلمه العرب من الصين، مؤكدة أن العرب دولا ومؤسسات وافرادا معنيون  باقتفاء اثر الصين في اشاعة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجعلها ثقاقة شعبية مما يسهم في استقرار البلدان العربية سياسياً.
وينتج الحوار مع ممثلي بلد عملاق مثل الصين، دافعية للتوقف عند اسباب الجموح الصيني الذي يبهر العالم، ويترافق بخطاب متواضع تعتمده الصين رسميا وشعبيا في تقديم ذاتها.
ومن بين أكثر الاسئلة الحاحا حول الاسس الدافعة للطفرة الصينية، يتفق مفكرون عرب على نقطتين تعدان الاساس الذي نهضت عليه هذه الاندفاعة الصينية. يتوقف المفكرون عند وجود سلطة وطنية تعبر بشكل حقيقي عن طموحات الشعب الصيني وتراهن على جدية هذا الشعب في انجاز خطط التطوير الكبيرة. فسلطة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين لم تستغرق كثيرا في الايديولوجيا ومتاعبها ، ونحت منحى مختلفا جذريا عن الشكل السوفييتي في بناء الاشتراكية. فالاشتراكية الصينية كما يرى المفكرون استطاعات ان تتعايش مع اشكال عديدة من انماط الانتاج التي ادت الى ما يمكن وصفه باقتصاديات الرأسمالية الشعبية. بكلمة صار الانتاج والابتكار مهنة شعبية.
يقول مفكر عربي عن معنى قيم الجدية والالتزام المتأصلة في الثقافة الشعبية الصينية وفي عموم منطقة شرق آسيا وجنوبها الشرقي:" تلعب الفلسفة الكونفوشيوسية، التي تركز على علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، دورا عميق التاثير في تعليم الفرد كيفية تطبيق قواعد النظام العام. وقد أولت اهتماما متميّزا بالتعليم دون تمييز وذلك قبل نحو 2500 عام، كما أعطت اهتماماً بالعائلة ودورها في بناء المجتمع بتأكيد احترام السلالة والدعوة إلى التفاهم والتعاون الأسري، وبقدر كون العائلة مستقرّة فسيكون المجتمع مستقرّاً.
الكونفوشيوسية قدرت الكفاءة والاجتهاد، على ما يقول المفكر، الذي يوضح  أن هذه الفلسفة لم تكتف بالدعوة فقط بل في التأكد من انعكاس تعاليمها في الروح الشعبية . ففلسفة كونفوشيوس تقدر جهود الإنسان في تحقيق التفوق ، وهي تتخذ من وضع مصلحة الدولة فوق المصلحة الشخصية، بؤرة محورية في تعاليمها.
اليوم تستلهم الصين من فلسفتها العظيمة مبادئ تبني على اساسها حاضرها ،معتمدة على فكرة التركيز على الانسان التي تعد عماد الفلسفتين  الكونفوشيوسية والبوذية. فالحقيقة في البوذية اما بيضاء او سوداء ولا مكان للرمادية فيها، اذ عمل بوذا على نشر الوعي بين الناس وزرع النقاء في نفوس البشر، وصبّ جلّ اهتمامه على هذه الحقيقة.
و"في الاساس ، لم يتحدّث بوذا عن الله وصفاته الحميدة، كما لم يتطرّق إلى الجنّة، وترك كل ذلك إلى الإنسان كي يكشف عنه بنفسه حتى لا يسلبه إرادته ويفقد معنى الذات "الأنا"، ولم يشأ أن يزرع في الرأس فكرة "الأخذ " (أخذت زوجة ، أخذت بيتاً، أخذت قيلولة....) بل إتّخذتُ زوجاً واتّخذت سُنّةَ من النوم وهكذا، ويدعو بوذا إلى روحانية لها نكهة خاصة، نكهة اللاّ "عالم آخر" واللاّ " عالم دنيوي" هي روحانية يقظة، فترى وتسمع بقدر ما تكون واعياً، وإنه بقدر ما تكون مُدركاً للحقيقة، بقدر ما تكون منسجماً مع نفسك وتصبح أكثر وعياً".
الوعي هو الذي يمنحك الوجود واللاّوعي يمحوه ويزيله، وهكذا فإن رسالة الفلسفة البوذية هي الدعوة لإدراك الوعي، فبالوعي تولد من جديد... " تولد نقياً طاهراً، تولد من دون " الأنا"، تولد مستعدّاً لتكون حرًّا وليس عبداً" وعلى هذا الأساس، فإنها تدعو لقتل الشهوات والتخلّي عن الغرائز إلى "النيرفانا" حتى لا تكون عبداً لشهوتك وغرائزك، وهذه الكلمة تعني بالهندية إطفاء الشمعة (قتل الرغبات والغرائز)، أي إطفاء النيران ليختفي اللهيب، وهو ما يعتبره مكمن الجمال، لأنّ الرغبات والغرائز، هي مصدر التعاسة وسبب العذاب والشقاء.
زميل عربي يخلص إلى التساؤل بوحي من فلسفة بوذا : ترى متى يعرف العرب مصدر شقائهم؟! ليرد عليه آخر بأسى : ليت للبراق عيناً فترىَ!

اضافة اعلان

[email protected]