الضمور: لا تفاوض على إصلاح التعليم العالي

أمين عام وزارة التعليم العالي هاني الضمور خلال مؤتمر صحفي أمس.-(تصوير: أسامة الرفاعي)
أمين عام وزارة التعليم العالي هاني الضمور خلال مؤتمر صحفي أمس.-(تصوير: أسامة الرفاعي)

تيسير النعيمات

عمان- أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن "لا تفاوض" على إصلاح التعليم العالي الواضح والمدعم بأرقام وحقائق ودراسات بينت ما يعانيه هذا القطاع من خلل ومشاكل، وما يجب أن يتبع من حلول.اضافة اعلان
وشددت الوزارة على أن "قرار رفع الحد الأدنى لمعدلات القبول، هو من صلاحيات مجلس التعليم العالي لا أي جهة غيره".
جاء ذلك على لسان أمين عام الوزارة الدكتور هاني الضمور في مؤتمر صحفي عقده في مبنى الوزارة أمس.
وبين الضمور أن أي إصلاح يلاقي إما قبولا أو مقاومة، مؤكدا في الوقت نفسه أن المجلس، لا ينكر رأي أحد، ويجتهد لما هو في مصلحة التعليم العالي في ضوء تحديات لا يمكن تجاهلها.
ويأتي عقد المؤتمر الصحفي عقب احتجاجات من لجنة التربية النيابية على قرار المجلس، برفع الحد الأدنى لمعدلات القبول في الجامعات الرسمية والخاصة، ما دفع برئيس الوزراء للتصريح بأن تنفيذ القرار معلق بانتظار نتائج امتحان الثانوية العامة (التوجيهي).
وقال الضمور إن "تشخيص أوضاع التعليم العالي وعلاجها واضحان، لكن استمرار التعامل بالمسكنات يضر بالاقتصاد الوطني وبمستوى التعليم العالي".
وشدد على أنه مع وجود الحقائق العلمية والدراسات والاستراتيجيات والتوصيات المدعمة بالارقام، فلا مجال للاجتهاد والتلكؤ، إذ قررنا البدء بخطوات اصلاح هذا القطاع.
وقال الضمور إن "العالم يتجه للتعليم التقني والمهني والتطبيقي، بينما نتوسع نحن في التعليم الاكاديمي والتخصصات الراكدة والمشبعة، ما جعل كليات مجتمع تغلق ابوابها في الأعوام الماضية".
ولفت الى ان ذلك آذى الاقتصاد الوطني ويزيد من البطالة، مؤكدا ان الهدف هو زيادة التوجه نحو التعليم التقني، محذرا من ان رفض هذا التوجه سيوصلنا الى مرحلة حرجة.
واشار الضمور الى توجه لإنشاء جامعة بالتعاون مع اليابان للتعليم المهني، فضلا عن الجامعة الصينية للتعليم التقني والأردنية الألمانية والبلقاء للعلوم التطبيقية.
وبشأن المكارم الملكية في القبول الجامعي، بين أنها جاءت لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية، وإلا مساس بها، باستثناء إجراءات تنظيمية تخص المكرمة لأبناء البادية والمدارس الأقل حظا بالتشاور مع الجهة المشرفة عليها.
واعتبر الضمور أن ثمة حالة تخبط في القرارات المتعلقة بالتعليم العالي في الأعوام العشر الماضية، "بعضها نتيجة ظروف موضوعية بسبب الأوضاع في الدول المجاورة كالعراق وسورية ومصر واليمن، التي كانت تستقطب أردنيين للدراسة فيها، وتخفف بالتالي عبئا عن الجامعات الأردنية، فضلا عن نتائج امتحان التوجيهي والعدد الكبير من الحاصلين على علامات مرتفعة جدا في هذا الامتحان".
وأكد أن الوقوف بوجه خطط إصلاح وتطوير قطاع التعليم العالي في الأردن، يؤدي بلا أدنى شك لتسارع خطى انهيار هذا القطاع ودفعه نحو الهاوية.
ولفت الضمور إلى أن "المعضلة الكبرى التي يواجهها صانع القرار لهذا القطاع، تكمن في هوس الالتحاق بالتعليم الجامعي، لدى غالبية خريجي المرحلة الثانوية، ومن ورائهم ذويهم، وكل ذلك منطلق من اعتقاد بأن الحاصل على الشهادة الجامعية يؤمن مستقبله، ويُعبد طريقه نحو النجاح".
وبين ان لغة الأرقام التي تعكس الواقع في قطاع التعليم العالي وسوق العمل، توحي بصورة مغايرة لما تهدف اليه الأسرة الأردنية، فعدد الملتحقين بالجامعات في العام الجامعي (2014/2015) بلغ 300 ألف تقريباً، وسيرتفع الى 450 ألف طالب وطالبة تقريباًَ العام 2025.
واشار الى ان جُلّ هؤلاء الطلبة ملتحقون في تخصصات جامعية تقليدية، "وهذه التخصصات تقول لغة الأرقام أيضاً في ديوان الخدمة المدنية بأنها تخصصات راكدة أو مشبعة، وتقول هذه اللغة كذلك في أن عدد طالبي التوظيف في الديوان يبلغ 300 ألف خريج، ويشكل حملة الشهادة الجامعية الأولى 76 % من هؤلاء الخريجين، بينما يشكل الباقي حملة شهادة الدبلوم الجامعي المتوسط".
وانفقت الأسر الأردنية 3 مليارات دينار على تعليم هؤلاء المتعطلين عن العمل حالياً، ويضاف إليها خسارة 4.5 مليار دينار تحت بند ما يُسمى بالعائد المالي الضائع، والذي كان يمكن تحقيقه فيما لو التحق هؤلاء الطلبة بعمل منتج طوال فترة دراستهم لتخصصات غير مطلوبة في سوق العمل"، وفق الضمور.
وشدد على أن المعطيات السابقة تقودنا للاستنتاج بأن انفاقاً مالياً كبيراً جداً في مجتمع فقير بإمكانياته المالية وموارده الطبيعية، لا بد أن يقود إلى نتائج كارثية على كافة الصُعد.
وبين أن الحقائق الواردة سابقا، تؤكد بأن أعداد المتعطلين عن العمل ستزداد مع مرور الوقت إذا بقي قطاع التعليم العالي يراوح مكانه دون اصلاح وتطوير.
وأشار الضمور الى ان  قطاع الإنتاج والاقتصاد والصناعة، يستطيع توفير فرص حقيقية للالتحاق بسوق العمل، ولكنه يحتاج  إلى نوعية أخرى من الإعداد والتدريب والتأهيل والتعليم.
وزاد أن سوق العمل التقليدي لا يمكن له أن يوفر سنوياً فرص عمل لأكثر من 10 % من طالبي التوظيف في ديوان الخدمة المدنية، وهذا بحد ذاته، يشكل قنبلة موقوتة مزروعة في صدور أبنائنا وذويهم من مرارة الانتظار لفرصة عمل، والحسرة على ما أنفقوه من أموال.
وأشار الضمور الى أن المصيبة الأكبر تكمن في أن قطاع التعليم العالي، والجامعي منه بشكل خاص، ما يزال يسير بوتيرته العالية في تخريج طلبة في تخصصات راكدة أو مشبعة، وكأنه يمارس دوراً غير مقصود بـ"رفد النار بالحطب"، وهذا الوضع له علاقة وثيقة بنسبة الفقر والبطالة التي يُعاني منها الأردن.
وقال ان نسبة الطلبة الملتحقين بالتعليم الجامعي المتوسط 10 % من عدد الطلبة الناجحين في الثانوية العامة، بينما يلتحق 90 % من هؤلاء في برامج الجامعات الأردنية، ومعظمها برامج تعليمية تقليدية، وهي تمنح شهادات جامعية في تخصصات راكدة أو مشبعة في سوق العمل.
وبين الضمور أن المقارنة بين واقع التعليم العالي في الأردن مع الدول المتقدمة صناعياً واقتصادياً، وبخاصة الدول ذات الموارد الطبيعية النادرة والمحدودة، تبين أن هرم التعليم العالي مقلوبٌ أردنيا مقارنة بالهرم التعليمي لهذه الدول، فالهرم التعليمي فيها يتطلب أن يكون عدد التقنيين العاملين في قطاع الإنتاج والصناعة خمسة أمثال عدد المهندسين تقريباً.
وقال "يتطلب التقدم في الأردن والمحافظة على أمنه واستقراره، ضرورة تحقيق توازن لهرمه التعليمي، وإعادته للوضع الطبيعي، ويمكن تحقيق ذلك باعتماد آليات تدفع نحو تحقيق توازن بين أعداد الطلبة الملتحقين في التخصصات التقليدية بالجامعات، والملتحقين في تخصصات تقنية، سواءً في مستوى التعليم الجامعي المتوسط أو العالي العادي".
واشار الى أن قطاع التعليم الجامعي المتوسط، والذي يفترض به أن يقدم تعليماً تقنياً صرفاً، يشهد ضموراً حاداً ليس في أعداد الطلبة الملتحقين به، بل وفي عدد الكليات الجامعية التي تقدمه.
ولفت الضمور الى ان هناك خمس كليات أغلقت أبوابها في الأعوام الأخيرة لقلة عدد الملتحقين بها، وهناك عشر كليات تسير حالياً نحو الإغلاق.
وأشار الضمور إلى إن خلاصة الاستراتيجيات المتعلقة بقطاع التعليم العالي، وكذلك مخرجات المؤتمرات التربوية الوطنية المتعاقبة، وتوصيات المختصين والتربويين والندوات المنعقدة منذ أكثر من 10 أعوام، تنادي بإعادة النظر في واقع التعليم العالي، وإصلاح محاوره جميعاً.
وتُشكل أسس القبول في الجامعات محوراً دائم الحضور في كافة النشاطات والتوصيات والاقتراحات والمطالبات لإعادة النظر فيها، وضرورة تطويرها.
وقال الضمور إن المطالبات بتعديل أسس القبول في الجامعات، لم تعد كلمة السر في إصلاح مسيرة قطاع التعليم العالي، فهي بحاجة لإجراءات جراحية علاجية عاجلة.
وأشار إلى أن الأعداد المتزايدة من الطلبة الملتحقين في التخصصات التقليدية للجامعات، وطبيعة سوق العمل المتغيرة في متطلباتها وأعداد المؤهلين لها، تدفع نحو تعديل أسس القبول لتتوافق وتتناغم مخرجات قطاع التعليم العالي مع متطلبات التنمية.
وبين الضمور أن اللجنة المكلفة بإعادة النظر في أسس القبول لم تتطرق، حتى أنها لم تفكر بإجراء أي تعديل على نصوص التخصيصات المحددة بالمكارم الملكية السامية الأربع، والمخصصة لأبناء العاملين في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والمعلمين العاملين بوزارة التربية والتعليم، والعشائر في البادية والمدارس ذات الظروف الخاصة، المخيمات. وقد تركت هذا الأمر لصاحب الجلالة الهاشمية، الذي منح بإراداته الملكية السامية هذه التخصيصات.
ومن خلال عمل اللجنة المتفحص والقارئ بتمعن للتخصيصات الواردة في هذه الأسس، اكتشف عبر واقع الاحصائيات عن عملية القبول للأعوام العشر الماضية، فالقارئ السطحي لأسس القبول يحكم من الوهلة الأولى أن القبول في الجامعات الأردنية الرسمية تتجاوز فيه التخصيصات نسبة 80 % من المقاعد الجامعية، أي أن نسبة الاستثناء بمصطلحه تشكل هذه النسبة، وبالتالي فإن القبول التنافسي لا يشكل أكثر من 20 % بأي حال من الأحوال.
ولكن الحقيقة الرقمية الموثقة لهذه النسبة من واقع نتائج عملية القبول الموحد، تؤكد بأن نسبة التخصيص أو الاستثناء لجميع الشرائح المتضمنة في القوائم الصادرة عن هذه العملية، تراوحت في الأعوام العشر الأخيرة بين 8.8 % عام (2012/2013)،
و15.9 % عام (2008/2009).
وتُقدم هذه الحقائق معلومات مثيرة أخرى، بحيث أن نسبة التخصيص الاستثنائية لطلبة المكرمة الملكية السامية للقوات المسلحة تراوحت بين 6.9 % عام (2012/2013)،
و12 % عام (2014/2015)، بينما نسبة التخصيص النظرية هي 20 %.
وإذا ما أخذت بيانات قبول طلبة المكرمة لأبناء المعلمين نجد أن هذه النسبة تراوحت بين 0.1 % عام (2012/2013)، و2.3 % عام (2008/2009) مع أن نسبة التخصيص النظري هي 5 %، بحسب الضمور.
وعند النظر لنسبة الاستثناء في تخصيصي أوائل المحافظات، وأوائل الألوية والتي تقترب الأعداد المخصصة نظرياً لهما من
 17 %، نجد أن النسبة الحقيقية لهاتين الفئتين تراوحت بين 0.3 % عام (2013/2014)، 0.9 % عام (2010/2011).
أما نسبة الاستثناء لتخصيص أوائل المدارس والتي تقترب الأعداد المخصصة نظرياً له من  8 %، نجد أن النسبة الحقيقية لهذه الفئة تراوحت بين 0.13 % عام (2014/2015)، و1.3 % عام (2011/2012).
أما بالنسبة للتخصيص المتعلق بأبناء الشهداء والذي حُدد بـ150 مقعدا سنوياً في الجامعات العشر، نجد أن عدد المستفيدين يتراوح بين طالبين فقط عام (2014/2015)، و14 طالبا عام (2013/2014).
وقال الضمور انه وعبر القراءات الفاحصة للمعلومات السابقة، ارتأت اللجنة أن أسس القبول في المرحلة الأولى، يجب أن تكون تجميلية بحيث تعكس التخصيصات الواقع الفعلي لأعداد الطلبة المستفيدين منها، وبالتالي فإن الهدف الأساس في هذه المرحلة، هي في سحب البساط من تحت المنادين دوماً بتعديل أسس القبول دون النظر لآثارها الحقيقية من منطلق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
وكذلك من منطلق تحقيق الأمن الاجتماعي، وعدم تحميل أسس القبول أي ترتيبات وكلف سياسية على مكونات المجتمع، وبخاصة أولئك الذين يشعرون بأن أسس القبول في صيغتها الحالية تُحابي فئة محدودة من أبناء المجتمع، مقابل الفئة الأوسع من مكوناته.
وقال الضمور ان "لغة الأرقام تتحدث مرة أخرى من واقع نتائج القبول للعام الماضي (2014/2015)، بأن عدد الطلبة المتأثرين سلباً من تعديل الحد الادنى لمعدل القبول، بلغ في كافة تخصيصات القبول 528 طالباً وطالبة، أي 2 % من مجموع المقبولين في البرنامج العادي في الجامعات. وأكد أن قرار رفع الحدود الدنيا لمعدلات الالتحاق في الجامعات بمقدار 5 علامات، سيؤدي لتحسين مدخلات الجامعات، والتي تواجه سيلاً من أعداد الطلبة الراغبين للالتحاق ببرامجها، والتي هي تقليدية بمعظمها.
وتبين إحصائية الطلبة الناجحين في الثانوية للعام الدراسي (2013/2014) ومعدلاتهم ضمن شريحة (65 % - 69.9 %) أن عدد الطلبة المتأثرين سلباً من القرار لو صدر في العام الماضي يبلغ 1441 طالباً وطالبة.
وقال الضمور إن مثل هذا القرار سيحقق نتائج مرجوّة إضافية، إذ قد يدفع بعدد لا يستهان به من هؤلاء الطلبة، للالتحاق في برامج التعليم التقني بكليات المجتمع، مع أن باب الالتحاق في التعليم الجامعي ما يزال متاحاً أمامهم في الجامعات الأردنية الرسمية الواقعة في الأطراف، وكذلك في الجامعات الأردنية الخاصة.