الكتب الممنوعة: محاولة الرقابة على العقل

thumbnail_Untitled
thumbnail_Untitled

كريم الزغيّر

عمان - ما تزال قوائم كتب تحمل أسماء كتاب محددين “تمنع” تحت ذرائع مسها بـ”التابو: الجنس، السياسية، الدين”، برغم أن الكتاب الالكتروني بدأ يحتل مكانة واسعة بين القراء، لسهولة الحصول عليه من المواقع الالكترونية المعنية بالكتب، ما يحد من طوق المنع الرسمي للكتب المحرمة.
وسوى ذلك، فإن حقائب المسافرين الذين يستطيعون تهريب الكتب الممنوعة، تمكن أيضا من تداولها وعلى نطاق واسع، عبر جلب نسخ منها، واستنساخها، لمن يرغبون. لكن ذلك ليس حلا، فالكتاب ليس من “ممنوعات”، ليهرّب أو يُخبأ في حقيبة.
كثير من أصحاب المكتبات لديهم “كتب سوداء”، يحاولون أن يبتعدوا عن أعين الرقابة، لكن مثقفين وكتابا لا تقنعهم مبررات المنع الرسمية، ناهيك عن أن أدباء وكتابا منعت كتبهم من التوزيع أو من العرض في معارض الكتب، بمجرد اتصال هاتفي ودون أي مسوغ قانوني.
عليه، يطالب مثقفون ومعنيون بنشر ثقافة القراءة، أو فاعلون في مجال حقوق الانسان، بضرورة أن يكون الرقيب على الكتب (إذا كان لا بد من وجوده) مثقفا أو قارئا، أو متمكنا من أدواته المعرفية، لتمكن من تفسير محتويات الكتب الواقعة تحت طائلة المنع، ضمن سياقاتها الموضوعية “فالرقيب، ينتقي من الرواية أو الكتاب عبارة أو كلمة، قد يمنع الكتاب بسببها”، برغم نفي المدير العام للمكتبة الوطنية الدكتور نضال عياصرة لـ”المنع”.
“الكتب خبز المثقف”، وحاجة إنسانية للتزود بالمعرفة، كما أنها ليست قضيةً رفاه لفئة دون غيرها.
“الغد” ترصد في هذا التقرير أسباب منع بعض الكتب، والجهات التي تحول دون حرية تداولها، وتستكشف هذا العالم الذي يضع كتبا في القائمة السوداء، ويحرم القراء والمكتبات منها، بينما نحن على مشارف انهاء الربع الاول من القرن الـ21.
أزبكية عمان.. نبض للمثقّفين والقراء
يرجع تاريخ تأسيس الأزبكية الى الزوايا النقشبندية، وسميت كذلك، نسبة الى مؤسس الطريقة النقشبندية الشيخ محمد بهاء الدين نقشبند البخاري، فوق أرض اشتراها لإيواء الغرباء، وإطعام الفقراء من مسلمي بخارى وجاوة وتركستان العام 1616. وأضيف إليها فيما بعد، غرف نوم تولاها الشيخ حسن بن الشيـخ محمـد الصالـح الأزبكي 1731، وتقع في حارة الواد قرب زوايا الحرم الشمالية الغربية، وعلى بعد بضعة أمتار من باب الغوانمة.
ويؤمها اليوم زوار من مختلف انحاء العالم الاسلامي، وفيها مكتبة تراثية عريقة، كما ونشأ على أسوار قصر مقدم أزبك العتيق في القاهرة، حي الأزبكيّة الذي تحول الى نقطة يتجمع فيها باعة الكتب القديمة والمستعملة، لتصبح معلما من معالم القاهرة اسياحية والثقافية.
من هنا استقت أزبكية عمان اسمها، وفكرتها في جعل الكتاب مرتبطا بجذر تارايخي عريق، يقول حسين ياسين من مؤسسي أزبكية عمان لـ”الغد”، وقد كان يدرس اللغة الانجليزية للطلبة في منازلهم (خصوصي) ثم انتقل الى بعدها للعمل في احدى مكتبات عمان.
لم يستمر في عمله؛ فأسس “بسطة كتب” نقلها الى محل صغير، ثم وبتعاون بعض الاصدقاء، اتجه الى تأسيس ازبكية عمان، التي أضحت اليوم معلما من معالم عمان الثقافية.
يقول إن الكتب “عشقي، وقد رأيت أن أؤسس مكتبة لبيعها في عمان، تجمع بين الكتب المستعملة والقديمة والحديثة”، لافتا الى أن الامر تعدى فكرة الكتاب القديم والجديد الى بناء مشروع ثقافي، أسنده الاصدقاء، يعنى ببيع الكتاب بسعر زهيد.
لم يفكر ياسين بمساحة محددة لتعميم فكرة الكتاب زهيد الثمن، ولم ينظر لما يثار حول الكتب الممنوعة، كحاجز يحرمه من الاستمرار بمهمته، وكان يبيع ما يحصل عليه من كتب، ليؤسس مكتبة، أصبحت معلما ثقافيا محليا.
بدأ مشروع الازبكية في العام 2011 واستمر الى اليوم، وخلال هذه الفترة اقام عشرات المعارض، وزود مكتبات اشخاص كثيرين بالكتب، في مختلف الألوان والمعارف، دون أن يضع حدا لشروط بيع الكتاب، وكما يقول “كان يهمني أن تتنشر عادة القراءة بين الناس، ولا يهمني ما اذا كان الكتاب ممنوعا او مسموحا بتداوله. المهم أن الناس يجحب أن تقرأ، وأن تحصل على الكتاب دون عناء، وبسعر مناسب”.
لم تكن الأزبكية إلّا نتيجةً لجهد متعاقب من المعارض التي أقيمت في جاليريا رأس العين وشارع الثقافة وفي جامعات عديدة، وأندية ومدارس وشوارع، وفضاءات كثيرة، جعلت من الكتاب ظاهرة واقامة معارضه احتفالية.

اضافة اعلان


كتب في الأدراج.. ذهنية عرفية
وحول منع الكتب، يقول ياسين، إنه لم يعد مؤثرا، ولم تعد شكاوى المنع تجد، فالعالم اصبح مفتوحا، وما يمنع من كتب في الاردن، لا يمنع في بلد آخر، لذا، فإن فكرة المنع هذه للكتب، أصبحت غير فاعلة.
تستطيع عبر مواقع الكتب في الانترنت الحصول على اي كتاب يعتقد بعض الرسميين بأنه ممنوع، وغير متاح، بل على العكس، كل كتاب يمنع يصبح الاكثر تداولا ومبيعا، ما يعني أن هذه العقلية للمنع، يجب ان تتوقف.
في العام 2012 ، وخلال لقاء شبابي مع جلالة الملك عبدالله الثاني، أجاب جلالته على سؤال لأحد الشباب عن دور دائرة المطبوعات وقصص منعها للكتب، حينها، بأن كتاب فرصتنا الاخيرة لجلالته، قد منع وحجز في المطار، وقال جلالته “لا أعرف كيف يفكرون، لدينا مشكلة في العقلية”.
ويصف ياسين ذهنية المنع بأنّها “ذهنية عرفية”، وكي نحقّق الحرية الثقافيّة يجب أن تكون الرقابة ذاتية، أو أن يكونَ الرقيب مثقفًا.
الباحث وعضو رابطة الكتاب الأردنيين عبدالله حمودة يرى أن “الأصل حرية الحصول على الكتب والمطبوعات، وعلى المتضرّر اللجوء إلى القضاء”، بهذه القاعدة الثقافية بدأ حمودة حديثه لـ”الغد”.
وفي مكتبه الذي تزدحم فيه رفوف الكتب، يقول حمودة “إن الحرية الثقافية، أهم مكونات المجتمع، لأنّها تصوغ العقل الإنساني، لذلك، فإن الأصل هو توفيرها للجمهور، وإذا كان هنالك من متضرّر، فعليه الاحتكام إلى القضاء ليقول كلمته”.
وكشف “منع في السّنوات بين 1955 و1978 نحو 1248 كتابًا كما هو مثبت بالوثائق، وما تزال بعض الكتب تمنع حتى اليوم. صحيح أن آلاف العناوين يسمح بها، ولكن المنع أيضًا قائم في الاعوام الأخيرة”.
ويلفت حمود الى أن عملية المنع، تستند على “التابو”، ففي المحرم السياسي هناك أخذ وعطاء لدى الرقيب، ولكنّ التشدّد أكثر يتم في المحرم الديني، أما الجنس فيقول لك الرقيب: هل ترغب بأن يطلع أولادك على مثل هذه الأشياء؟.
ويوضح أن الرقابة حاليا تختلف عن الماضي، اذ انتقلت الى معارض الكتب الوطنية والدولية، بحيث يستوجب تقديم أسماء الكتب وعناوينها قبل اقامة اي معرض، وفي ضوء ذلك، يجري المنع والسماح بدخول هذا الكتاب أو ذاك للمعرض.
“علينا دائما أن نحتكم للقضاء، فهو الفيصل” يقول رئيس رابطة الكتّاب والأدباء الأردنيين سعد الدين شاهين، فالرقابة لن تتمكن من ضبط كل شيء، ويصف الثقافة بـ”السيل العارم، وهذا السيل يحمل الحصى والشوائب، وأيضًا الماء العذب، وعلى القارئ أن يختار من أين ينهل”.
ويقول “الرقابة الذاتية هي الأفضل، بخاصة وأنّنا في زمن الانفتاح، وسهولة الوصول للمعلومة، وطرق الحصول على الكتب متعدّدة”، لذا أرى أن المنع للكتب يحتاج لنتوقف عند جدواه، لذا أرى أن القضاء هو الفيصل وأي اختلاف أو خلاف بشأن قضية كتاب ما، يمكن حسمه عبر القضاء الأردني، والذي هو مثال للنزاهة والعدالة.
هناك من يرى ان “الرقابة ضرورة أمنية”، اذ اعتبر صاحب دار الجليل للنشر كامل السعدي، أَن الواقع الحالي يختلف عن الماضي، فمنع الكتب ومصادرتها تتلاشى، ولكنّ الرقيبَ قد “يضطر” لمنع كتب هنا أو هناك، لما يتستتر في طياتها من اساءات أو امتهان للديانات والشعوب.
السعدي لم يمانع الرقابة، مبررا ذلك بقوله “أنا مع الرقابة كضرورة للحفاظ على المجتمع، بخاصة وأننا نمر بظروف حساسة في المنطقة العربية، والكتب الممنوعة أصبحت نسبتها قليلة، والعناوين التي كانت تمنع، صارت اليوم متوفرة”.
الروائية كفى الزعبي تقول أن روايتها “شمس بيضاء باردة منعت لفترة شهرين، بسبب اقتباس من ملحمة جلجامش السومرية، وهذا الاقتباس صنّفته لجنة تقييم الرواية كخرق للتابوه الديني”.
وتقول الزعبي “في الاقتباس المكوّن من ثلاثة أسطر، هنالك وصف للحظة لقاء انكيدو” أحد أبطال الملحمة، بالبغي التي أرسلتها الآلهة كي تؤنسه، بعد أن كان وحشًا يعيش بين الوحوش”.
وتبين “ان لجنة القراءة للرواية عدت هذا المشهد جنسيا، لا يتناسب مع المعايير الأخلاقيّة، بالرغم مِن أَن ملحمةَ جلجامش تُباع في المكتبات”.
لم تتمكّن أجزاء أخرى من الرواية من النجاة من قلم الرقيب، اذ تبين الزعبي، أن “هنالك ضيق أفق ثقافي يهمين على مقيمين ورقباء على الأعمال الأدبية والثقافية”.
المدير العام للمكتبة الوطنية نضال العياصرة نفى أن يكون هنالك منع للكتب، وأي منع تكون أسبابه واضحة كالاساءة للبلاد ورموزها، أو الاساءة للديانات السماوية وغيرها، كما أن هناك كتب تمنع لانها تتعرض للمس بالدول العربية.
العياصرة يقول “المنع لا يتم دون مبرّرات للكتب، فبعد دراستها من قبل لجنة مختصّة من الأكاديميين، يتقرر ما اذا كانت تتناسب مع المعايير الدينية والأخلاقية والاجتماعية، ولا تتعارض مع دائرة الإفتاء، بخاصة الكتب ذات العلاقة بالدين الإسلامي، وأمّا فيما يتعلّق بالتاريخ المسيحي واللاهوتي فإنها تتم بالتوافق مع الكنيسة، وذلك حرصا على احترام تعددية المجتمع الأردني.
كما يجري المنع وفق العياصرة، على تلك الكتب التي تحتشد بأخطاء إملائية ونحوية، والتي تستند على معلومات من مواقع إلكترونية، وليست من مصادر علمية وأكاديمية موثوقة، وكتب أخرى فيها عبارات إيحائية جنسية، وهذا لا يليق بالمجتمع الأردني وأخلاقه وعاداته وأعرافه.
يقول “لا نتدخل بالنشر أو طباعة الكتاب. يستطيع أي باحث أو كاتب نشر كتابه، الممنوع خارج الأردن، ولكن إذا ما تعارض مع المعايير الخاصة بنا، فإنّنا لا نمنحه رقم إيداع فقط”.
أما بالنسبة لمعارض الكتب فالمكتبة الوطنية لا تتدخل بها، لانها ليست ضمن اختصاصها، وهذه مهمة اتحاد الناشرين، وفق العياصرة.
في هذا النطاق، يمكن أن تذهب الى بعض المكتبات، وما ان يلمس صاحب المكتبة اهتماماتك الفكرية حتى يُباغتك بسؤال: أتريد كتبا ممنوعة، وهنا تبدأ لعبة : لماذا على صاحب المكتبة أن يذهب إلى مكان “ مجهول “ كي يحضر كتابًا، ما الذي يحول دون أن يكون هذا الكتاب مع الكتب التي على رفوف الحائط؟”.
تسأل صاحب المكتبة عن هذا السلوك المُريب ، فيجيبك: بعض الكتب لا يسمح بها، وهي كتب سياسية ودينية، وبعضها يتضمن عبارات تعتبر غير أخلاقية أو بداخلها إيحاءات تستثير القرّاء.