المخدرات في الأردن: كرة من لهب تحرق فلذات أكبادنا

Untitled-1
Untitled-1

مصون شقير *

طالعتنا إحدى الصحف اليومية قبل أيام بتصريح مهم لمدير مكافحة المخدرات العميد أنور الطراونة أعلن خلال ورشة عمل عقدت بإدارة مكافحة المخدرات بأن عدد قضايا المخدرات المضبوطة في الأردن العام 2018 فاقت 18 ألف قضية، مقارنة مع حوالي 13 ألفا ضبطت العام 2017، أي بزيادة نسبتها حوالي 32 ٪ خلال عام واحد، وأضاف بأن معظم المواد المخدرة التي ضبطت كانت لغايات تهريبها إلى دول مجاورة، وأنه تم في العام الماضي ضبط 25 ألف متهم بترويج وتعاطي المخدرات كان منهم 20 ألف متهم بالتعاطي.اضافة اعلان
وللتعرف على مدى تفاقم مشكلة المخدرات في الأردن فإن من المفيد الرجوع إلى تصريح سابق لإدارة مكافحة المخدرات في العام 2009، أشارت فيه إلى أن عدد القضايا المضبوطة العام 2008 كان حوالي 2809 قضايا، وبمقارنة هذا العدد مع العدد المعلن عنه للعام 2018 فقد زادت نسبة قضايا المخدرات المضبوطة خلال عشر سنين حوالي 600 ٪، وهي نسبة زيادة لا ينبغي التقليل من شأنها ولا ينفع فيها استمرار القول بأن الأردن ما يزال بلد ممر وليس مقرا للمخدرات.
وإذا كنا نقدر جهود إدارة مكافحة المخدرات في التصدي لهذه الآفة الخطيرة، ونترحم على أرواح الشهداء التي فقدت أثناء تأدية الواجب، وندرك بنفس الوقت حجم التحديات المتزايدة التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة ومنها ارتفاع نسب البطالة بين الشباب وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية وأهمها الأسرة في إرساء القيم الاجتماعية والدينية لصالح الشبكات الاجتماعية، وغياب البرامج الحكومية التي يمكن من خلالها استغلال طاقات الشباب في أنشطة منتجة تكرس احساسهم بالمشاركة في صنع القرار، وانتشار الفوضى في دول مجاورة للأردن ما شجع عصابات المخدرات على زيادة حجم أعمال التهريب، وتطور التقنيات التي تستخدمها العصابات في ترويج وتهريب المخدرات وبخاصة من خلال المنتديات الالكترونية التي يرتادها الشباب، واتجاه هذه العصابات إلى تخليق مخدرات من مواد محلية عالية السمية وبتكلفة بسيطة يسهل تروجيها وبيعها (مخدر الجوكر)، لكن ذلك كله يجب أن يمنعنا من المطالبة بضرورة مراجعة منظومة السياسات والخطط التنفيذية الموضوعة ومدى شمولها وترابطها من أجل تحقيق الغايات المرجوة في الوقاية والعلاج من المخدرات.
وعلى ذلك، فإنه من المتعذر الحديث عن جدوى الجهود المبذولة بمكافحة المخدرات بدون وجود سياسة اقتصادية تعمل على خفض نسب الفقر ومعدلات البطالة، وفي هذا السياق فإننا نريد أن نبدي تفاؤلا في خطط الحكومة فيما يتصل بتوفير ثلاثين ألف فرصة عمل اضافية للأردنيين خلال العامين القادمين على الوجه الذي ورد في وثيقتها المعنونة بـ"أولويات عمل الحكومة"، لكننا بنفس الوقت فإننا نتوقع البدء الفوري بتنفيذ هذه الخطط لتوفير ما يمكن ان يتيسر حالياً من هذه الفرص، وكذلك تسريع تنفيذ برنامج خدمة وطن وتوجيهه إلى الشباب الذين يقطنون في المناطق المهمشة.
وفي اطار مواز فان هناك حاجة لإدماج الشباب في عملية صنع القرار ونقلهم من دائرة الاقصاء والتهميش - التي تدفع باتجاه الانحراف - إلي دائرة الفعل والمشاركة من خلال استقطابهم في أنشطة سياسية تحت مظلة الأحزاب وأنشطة ثقافية تحت مظلة أندية الشباب، والواقع أن الجهود المبذولة على هذه الصعد ما تزال خجولة وبطيئة وغير محسوسة.
وأما عن السياسات الاجتماعية المتعلقة بإعادة الاعتبار لدور الأسرة بعملية التنشئة الاجتماعية، فإنه وفي اطار واجبات وزارة التنمية الاجتماية برعاية الأسرة، فالمطلوب منها تطوير عمل مراكز تنمية المجتمع المحلي المنتشرة في مناطق مختلفة من المملكة، لتأخذ على عاتقها وبالتشبيك الكامل مع مؤسسات المجتمع المدني ايجاد البرامج التوعوية الموجهة الى الاسر المستفيدة حول أساليب التنشئة الاجتماعية، وتقديم برامج تدريبية تساعد الأسر التي يبتلى أحد أفرادها بآفة تعاطي المخدرات على كيفية التعامل مع مثل هذه الحالة وفي مساعدته على تجاوز هذه المحنة، وبنفس الوقت توفير خدمات الارشاد النفسي والاجتماعي المجاني في هذه المراكز، لأن الاحباط واليأس وقلة ذات اليد في ظل غياب التدخل المناسب يمكن أن يؤدوا كذلك إلى إدمان المخدرات.
كذلك هنالك الكثير من الجهود ما تزال مطلوبة من وزارة التربية والتعليم، فعلى الرغم مما نشر عن الدور الذي تشارك فيه هذه الوزارة بمكافحة المخدرات وسبل الوقاية منها، فإن هنالك أولياء أمور لطلبة ملتحقين في مدارس مختلفة لم يسمعوا من أبنائهم أية إشارة إلى انشطة مدرسية بهذا الخصوص.
كما أن الاختراق القيمي الذي تتيحه العولمة وبالتزامن مع تآكل المخزون الروحي للأمة يهيئ المناخ لانحرافات عدة، لذلك فإن المطلوب بناء هوية تغذيها الخصوصيات المحلية بكل روافدها الايجابية والتي يمكن ألا تتعارض مع القيم الاخلاقية والانسانية العالمية المشتركة التي تثمنها جميع المجتمعات البشرية وهي الجهود التي ما تزال غائبة حتى هذه اللحظة.
ثم هنالك حاجة لمراجعة السياسة التشريعية بخصوص جرائم المخدرات، وذلك باجراء دراسة موضوعية ومعمقة لقانون المخدرات والمؤثرات العقلية الساري المفعول لتقييم مدى فاعلية هذا القانون في تحقيق الردع المطلوب ومعالجة مشكلة المخدرات ونشير بهذا الخصوص إلى تجربة جمهورية الصين الشعبية التي اتبعت سياسة عقابية متشددة مقترنة بحملات توعية شكلت رافعة للجهود الحكومية في المكافحة، فتمكنت في السنوات الأخيرة من القضاء على جريمة تعاطي المخدرات رغم أن تعدادها السكاني حسب آخر الاحصائيات وصل إلى حوالي مليار و400 مليون نسمة، وفي هذا السياق فإننا نتساءل عن الغياب الجاد لدور اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات والتي انشأت بموجب المادة (31) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والتي لم نسمع عن جهودها على هذا الصعيد.
كذلك ينبغي مراجعة النظم العقابية المتبعة بمراكز الاصلاح والتأهيل لتقييم مدى نجاحها في تهذيب سلوك الجاني وتأهيله نفسياً وتثقيفه دينياً ورعياته اجتماعيا وتدريبه مهنيا من أجل اعادة دمجه في المجتمع، وهنا نجد المفارقة في قانون العفو العام الذي تساهل في شمول معظم جرائم التعاطي والحيازة بالعفو العام دون التثبت من أن مرتكبي هذه الجرائم قد خضعوا للتأهيل المناسب الذي يمكنهم من العودة إلى أحضان المجتمع، الأمر الذي نعتقد بأنه قد أهدر جهود إدارة مكافحة المخدرات على هذا الصعيد.
واخيراً يمكن القول بأن جرائم المخدرات في ازدياد، وتبدو ادارة مكافحة المخدرات كأنها اللاعب الرئيسي في هذه المهمة المعقدة، ولذلك فلا بد من بناء استراتيجية وطنية تستند إلى رؤية شمولية وتترجم في برامج تنفيذية متكاملة تخضع لمؤشرات قياس أداء، وتراجع سنوياً على نحو يمكن معه تحديد مدى التقدم في الجهود المبذولة في مكافحة المخدرات ومدى الحاجة إلى مراجعة السياسات والبرامج التنفيذية الموضوعة لهذه الغاية.

  • محامية اردنية