"الموت الدماغي" لمرضى ينتشل مصابي الفشل الكلوي من بئر المعاناة

الطفلة إخلاص خلال إحدى عمليات غسل الكلى في مستشفى قبل عدة سنوات.-(أرشيفية)
الطفلة إخلاص خلال إحدى عمليات غسل الكلى في مستشفى قبل عدة سنوات.-(أرشيفية)

حنان الكسواني

عمان - رن هاتف منزل الشابة اخلاص مريان ليزف لها خبرا انتظرته 11 عاما، لم تتمالك نفسها حين أخبرها الطرف الثاني بأن دورها حان لإجراء عملية زراعة كلية في مستشفى الأمير حمزة، لتطابق زمرة دمها مع المتبرع.

اضافة اعلان


والدها الخمسيني محمد مريان لم يتمكن من حبس دموعه او كتم صرخاته “الجنونية”، من لهفته على ابنته فلم يفكر، ان يسأل إدارة المستشفى عن تفاصيل المتبرع أو كيف توفر هذا العضو الحيوي الذي سينهي معاناة اخلاص التي أصيبت بالفشل الكلوي، حين كان عمرها لا يتجاوز السنين الست.


ما بين مصدق ومكذب للخبر، ضم المتقاعد العسكري ابنته الى صدره بقوة ولملم أوراقها وتقاريرها الطبية وحزم حقيبتها متوجها فورا من بلدة النعيمة في محافظة اربد الكبرى الى العاصمة عمان، وشريط ذكريات مؤلم استذكر كيف انعكس ألما على كل افراد الاسرة والاقارب، الذين رغبوا بالتبرع لها، غير ان تطابق انسجتهم وزمرة الدم لم تتطابق مع الطفلة اخلاص.


كانت إخلاص تنسج أحلاما، كل يوم بسماع خبر أنها تمكنت من الحصول على فرصة زراعة كلية تنهي معاناتها، وتخفف آلامها، وما تلبث أن تعود للواقع ولسباتها، يلفها حزن يشق صدرها، ويكتم أنفاسها ويمزق قلبها.


أخبروني من المتبرع الذي اصبح جزء من جسده في جسد ابنتي وأنقذ حياتها؟ سؤال وجهه والد اخلاص الى رئيس اختصاصي الكلى في مستشفى حمزة الدكتور خالد زايد الذي أبلغه بأن شابا أردنيا توفي دماغيا، وقررت أسرته ان تنفذ وصيته بأن تتبرع بكامل اعضائة كـ”صدقة جارية “ لإنقاذ حياة غيره.


ويكبر مريان بحسب حديثه لـ”الغد”، موقف والد ووالدة الشاب المتوفى، والذين رغم صدمة إبلاغهما أن فلذة كبدهما الثلاثيني، توفي وما تبع ذلك من حزن عميق، لم يفارقهما، وتخيل كيف كان قرارهما صعبا رغم جرحهما العميق الذي ما يزال ينزف على فقدان ابنهما الذي أصيب بجلطة دماغية داهمته فجأة، ومع ذلك نفذا وصيته، وآثرا أن يبلسما بعضا من ألمهما في رؤية أعضاء ابنهما الغالية تنبض حياة في أجساد ستة معذبين أحياء بعد التبرع بالقلب والكبد وقرنيات عينيه وكليتيه”.


والد اخلاص دعا الى حملة شعبية مستمره للتشجيع على التبرع بالأعضاء من المتوفين دماغيا بشكل خاص”
اليافعة اخلاص التي أثارت قضيتها الرأي العام على مدار الأعوام الماضية وذكرت تفاصيل قصتها آنذاك “الغد” اصطدمت بعراقيل قانونية على رأسها قانون الانتفاع بأعضاء الجسم الأردني الذي يمنع التبرع خارج إطار أسرتها وأقاربها، حتى لو تبرع لها أي شخص حي “كصدقة جارية” غير ان هذه الطريقة ستزج جميع الاطراف في دائرة “شبهة اتجار بالبشر تحت بند نزع الأعضاء”.


ولدت إخلاص بـ”تشوه” خلقي (ضمور) في كليتيها، وتعاني منذ سنين فشل كلوي مزمن كانت تتلقى بسببه 3 جلسات غسيل كلى عن طريق الدم أسبوعيا، وكانت بحاجه إلى إجراء زراعة كلى، حسب التقرير الطبي الصادر من مستشفى الملكة رانيا العبدالله للأطفال.


التقرير الرسمي ذاته، يؤكد أن زمرة دمها غير مطابقة لنوع دم والديها، وقد تم فحص عدد من أقاربها ووجدت زمر دمهم كذلك غير متطابقة.


عملية الزرع أجريت لإخلاص قبل ستة أشهر، ولغاية الآن ما تزال في”معزل طبي اجباري” بمنزلها تحسبا من رفض جسمها للعضو الجديد أو تسلل فيروس يضعف من مناعتها، إلا أنها بحسب تعبيرها “سعيدة كثير” لتخلصها من آلام العملية عبر جهاز غسيل الكلى الاصطناعي الذي كان يشبك خراطيم بجسدها ثلاث مرات أسبوعيا، ناهيك عن 20 دقيقة مسافة كانت تقطعها اخلاص من بلدة النعيمة في إربد إلى مستشفى الأميرة هيا العسكري في عجلون، كلماتها المبعثرة ونبرة صوتها المتهدج جسدت الفرح، ما بعد الحزن، وهي تصف لـ”الغد” بالقول “ما حدا يتخيل أني أظل 4 ساعات، وأنا على سرير في المستشفى، وبشوف دمي يخرج من جسمي ويعود مرة أخرى، بدلا من أدرس أو حتى أرسم أحلامي بأن أتخرج من الجامعه طبيبة أطفال”.


ولم تختلف تفاصيل عملية زراعة الكلى لشابة أخرى ثلاثينية وتدعى “صباح” عن الطفلة اخلاص، فكلتاهما كانتا محظوظتين بزراعة كلى من متوفين دماغيا أجاز قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان وتعديلاته والذي وبموجبه تم تشكيل لجنة الموت الدماغي الذي يعتبر ساعة وفاة الشخص على ساعة توقيع اعضاء اللجنة على التقرير بمشاركة طبيب شرعي ينتدبه وزير الصحة.


صباح استفادت من كلى امرأه أميركية (62 عاما) جاءت في زيارة للأردن مع ابنتها وتوفيت دماغيا، وبقيت في احدى المستشفيات الخاصة فترة قبل أن تقرر ابنتها التبرع بجميع أعضائها قبل عودتها الى بلادها لإنقاذ حياه آخرين.


ويظل التبرع بالأعضاء محكوما بالقانون والتعليمات و”ليس بحسن النوايا أو الواسطات”، كما يقول الدكتور زايد الذي يعول كثيرا على رفع نسب التبرع بالأعضاء، لتتم زيادة عمليات زراعة الأعضاء في الأردن.


اخلاص وصباح، فتاتان أجريت لهما عمليتا زرع كلى من بين 23 شخصا آخرين أجريت لهم عمليات مماثلة في مستشفى الأمير حمزة العام الماضي من متوفين دماغيا.


مؤسس جمعية الشهيد عمر هاشم المجالي للتبرع بالقرنيات ومساندة المتضررين من حوداث السير العميد المتقاعد هاشم المجالي، قال لـ”الغد” لو تبرع 20 % من المتوفين دماغيا بسبب حوادث السير بقرنياتهم وكلياتهم، لأنقذت حياة آخرين، ووفرت على اقتصاد الدولة مبالغ طائلة، جراء عمليات غسيل الكلي.


واقترح المجالي” أن تسجل مديرية الاحوال المدينة في حال اصدار اي وثيقه رسمية (احوال، دفتر عائلة، جواز سفر.. الخ)، وصية لمن يرغب في التبرع باعضائه بعد وفاته كصدقة جارية”، مؤكدا أن “الوصية لدى الأهل تحترم بعد الوفاه”.


ويجلس مرضى الفشل الكلوي مع الأجهزة بمعدل 60 ساعة شهريا أثناء عملية الغسيل بمعدل من 4-5 ساعات متواصلة، موزعة على 3 أيام أسبوعيا؛ فيضيع من وقتهم حوالي 720 ساعة سنويا. بيد أن إنهاء معاناتهم تتمثل بزراعة كلية طبيعية من متبرع قريب من الدرجة الأولى حتى الرابعة وأحيانا الخامسة.


وما يزال 170 طفلا في الأردن (دون 18 عاما) مصابين بالفشل الكلوي، والحل زراعة من قريب أو من حالة موت دماغي، وفقا لمنشورات الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء التي يترأسها سمو الأمير رعد بن زيد، بينما قدر التقرير السنوي لشعبة السجل الوطني للفشل الكلوي لعام 2020 ان عدد مرضى الفشل الكلوي للاعمار ما بين 10-20 بلغ 270 شخصا.

إقرأ المزيد :