بلاتر.. ربان سفينة تركها في بحر هائج

رئيس الاتحاد الدولي المستقيل جوزيف بلاتر يغادر قاعة المؤتمرات الصحفية في مقر الفيفا أول من أمس - (أ ف ب)
رئيس الاتحاد الدولي المستقيل جوزيف بلاتر يغادر قاعة المؤتمرات الصحفية في مقر الفيفا أول من أمس - (أ ف ب)

لندن - "من أوقع به؟ من وجه له الضربة؟‭‭ ‬‬ماذا حدث في تلك الفترة؟" تساءل غريغ دايك رئيس الاتحاد الانجليزي لكرة القدم وهو يتأمل في سقوط جوزيف بلاتر الذي أعلن استقالته من رئاسة الاتحاد الدولي (الفيفا) أول من أمس الثلاثاء.اضافة اعلان
وربما طرح آخرون الأسئلة بشكل مختلف لكنها كانت ما تزال على ألسنة الجميع.
ومع احتفال جزء من عالم كرة القدم برحيله لم يكن بوسع الكثيرين سوى أن يسألوا كيف استسلم بهدوء رجل كان يوم الجمعة الماضي منتصرا بعد إعادة انتخابه في أعلى منصب في كرة القدم.
والصورة المتناقضة الآن هي لبلاتر (79 عاما) وهو يتم اقتياده إلى الخارج من باب خروج خلفي بعد كلمة قصيرة أعلن فيها استقالته في زوريخ ليظهر على نحو مفاجئ هشا للغاية.
إذن ماذا حدث؟ ماذا جعل بلاتر يكتشف بهذا الشكل المفاجئ أن وقته انتهى؟ هل كان ذلك بسبب امتلاك مكتب التحقيقات الاتحادي للكثير من المعلومات حول مدفوعات مريبة تورط فيها مسؤولون بالفيفا لدرجة أنه لا يمكنه أن يتجاهل أسئلتهم بسهولة؟
أو أن الأمر يتعلق فقط بفهم سياسي قديم اكتشف أن الضغط الواقع عليه من الجميع بدءا من الرعاة الناقمين إلى نجوم كرة القدم السابقين غير السعداء سيؤدي إلى الإطاحة به من الفيفا آجلا أو عاجلا.
وفي إعلانه للرحيل سعى بلاتر لشرح أن استقالته كانت بادرة نبيلة منه لمساعدة اللعبة التي يحبها وكان هناك العديد من الحلفاء - وبعض الخصوم - سعداء بهذه الرواية.
أشاد ميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الاوروبي لكرة القدم - والذي حث بلاتر على الاستقالة الأسبوع الماضي - بالمسؤول السويسري على اتخاذ "قرار صعب وقرار شجاع وقرار صحيح" بينما أبدى جيروم شامبين وهو مرشح محتمل للمنصب إعجابه "بالتضحية" من أجل مساعدة الفيفا.
لكنّ بعضا من منتقديه السعداء لم يكونوا مستعدين للتخلي عن توجيه الضربات له، وقال دايك "لا أصدق أنه اتخذ هذا القرار بناء على أي أساس أخلاقي لذلك حدث شيء في هذه الفترة مما جعله يستقيل. كان يمكن أن يستمر للأبد لذا بالتأكيد هناك شيء ما حدث".
مثل ماذا؟ أبلغ مصدر قريب من الفيفا "رويترز" أنه في أعقاب كل الخزي الذي أحاط بالمنظمة منذ اعتقالات الأسبوع الماضي لمسؤولي الفيفا تعرض بلاتر لضغوط من مسؤولين في اللجنة التنفيذية وأناس في دائرته الداخلية لكي يرحل.
وجرى إبلاغ بلاتر على ما يبدو من مستشارين كان يستمع إليهم دائما - حتى وإن تجاهل في المعتاد نصائحهم - بأنه إذا أراد اختيار متى وبأي طريقة يرحل فانه يجب أن يفعل ذلك الآن.
وبذلك يستطيع بلاتر الإشارة إلى النمو الضخم الذي حققه الفيفا خلال 17 عاما له في المنصب ونجاحاته في تطوير كرة القدم حول العالم وتقدم اللعبة بين السيدات والشباب، وقال المصدر إن بلاتر ولمرة واحدة فعل ما قيل له.
وربما لعب الضغط من رعاة الفيفا وراء الستار أيضا دورا مهما.
ولم يكن هناك سخطا علنيا ضخما من الرعاة بعد انتصار بلاتر يوم الجمعة لكن إعلان كوكاكولا بعد كلمة الاستقالة التي ألقاها بلاتر أول من أمس الثلاثاء أعطى لمحة بسيطة عن الشعور الحقيقي للشركات، وقالت كوكاكولا "إعلان اليوم خطوة ايجابية لصالح الرياضة وكرة القدم والجماهير... وستساعد على أن يحول الفيفا نفسه سريعا إلى منظمة للقرن 21".
ورحيل بلاتر بدا أنه ما أراده العديد من أصحاب المصالح. وقال آندرو وودورد وهو مستشار تسويق رياضي كان مديرا سابقا للعلاقات العامة في فيزا "المشكلة تم حلها. كانت هذه أكبر عقبة وتغير كل شيء".
لكن في النهاية حقيقة أن التحقيقات الأميركية في الفيفا بدأت في الاقتراب منه بشدة ربما أقنعه على الرحيل الآن.
وذكرت "رويترز" والعديد من وسائل الإعلام الأخرى يوم الاثنين أن السلطات الأميركية تعتقد أن جيروم فالك الأمين العام للفيفا قام بمعاملات مصرفية بقيمة عشرة ملايين دولار متعلقة بإعطاء جنوب افريقيا حق استضافة كأس العالم 2010. وكان مصدر "رويترز" في التقرير شخص على صلة بالمسألة.
ووصف فالك - في لائحة اتهام تم تقديمها لمحكمة اتحادية في بروكلين بنيويورك - "كمسؤول بارز في الفيفا" لم يتم تحديد هويته قام في 2008 بتحويل المال المذكور إلى جاك وارنر وهو مسؤول آخر في الاتحاد الدولي.
ورأى البعض أن تركيز التحقيق على فالك كان عاملا أساسيا في رحيل بلاتر. وقال بير رافن اومدال الرئيس السابق للاتحاد النرويجي لكرة القدم والذي عمل كمسؤول في الفيفا من 1994 إلى 2002 وكان قريبا من بلاتر في سنواته الأولى في المنصب إنه يعتقد أن هذا الأمر كان حاسما، وأبلغ اومدال "رويترز": "أنا واثق أن الخطاب المرسل من اتحاد جنوب افريقيا كان نقطة فاصلة. كان مرسلا لأمينه العام الذي نفى ذلك. كان الأمر يقترب بشدة".
وفي وقت متأخر أول من أمس الثلاثاء قال مصدر تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لـ"رويترز" إن بلاتر نفسه يتم التحقيق معه عن طريق مدعين أميركيين ومكتب التحقيقات الاتحادي. ولم يتسن على الفور الاتصال بالفيفا أو بلاتر للتعليق.
ويواجه بلاتر العديد من الاتهامات من قبل منتقديه لكنه لم يكن أبدا غير واقعي لدرجة ألا يدرك أن كل شيء ضده، وقال بلاتر خلال إعلانه الرحيل "لا اشعر أنني املك تفويضا من الأوساط الكروية بأسرها.. من مشجعين ولاعبين وأندية إضافة للناس التي تعيش وتتنفس وتعشق كرة القدم".
وفي النهاية، نالت عاصفة الفساد التي اجتاحت أروقة الفيفا في الأيام الأخيرة من بلاتر الذي من المنتظر أن يدعو بلاتر إلى إجراء انتخابات جديدة بين شهرين كانون الأول (ديسمبر) 2015 وآذار (مارس) 2016 بحسب احد المسؤولين في الفيفا.
وكان بلاتر استلم منصبه في حزيران (يونيو) العام 1998 على هامش مونديال 1998 خلفا للبرازيلي جواو هافيلانج، وقد تم انتخابه مجددا لولاية خامسة يوم الجمعة الماضي.
وعلى مر قضايا الفساد التي عصفت بالفيفا في السنوات الاخيرة، كان بلاتر يعتبر نفسه بأنه ربان السفينة ولا يتركها في بحر هائج مهما كانت صعوبة الموقف، لكن الفضيحة الأخيرة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
وجاء اعلان بلاتر لاستقالته في مؤتمر صحافي دام اقل من ربع ساعة وقد جلس الى جانبه دومينيكو سكالا رئيس لجنة التدقيق في الفيفا، ورفض الاثنان الإجابة عن اي سؤال.
وتأتي استقالة بلاتر بعد ساعات من قيام صحيفة "نيويورك تايمز" الاميركية في الكشف بأن فالك هو المسؤول الكبير في فيفا الذي قام بتحويل 10 ملايين دولار اميركي لحسابات يملكها نائب رئيس فيفا السابق الترينيدادي الموقوف جاك وارنر.
وبحسب الصحيفة التي نقلت الخبر عن عدة مسؤولين اميركيين فان الحوالة التي تعود الى العام 2008 صدرت من حساب مصرفي يملكه الاتحاد الدولي وستكون "عنصرا محوريا في قضية الفساد التي تضرب المنظمة الدولية" ومسؤوليها.
وأضافت أن الحوالة كات أساسية في الاعتقالات والاتهامات لمسؤولي وشركاء فيفا التي شنها القضاء الأميركي الأسبوع الماضي قبل يومين من كونغرس فيفا.
وكانت الشرطة السويسرية وبطلب من القضاء الاميركي اعتقلت الاسبوع الماضي سبعة مسؤولين بينهم نائب الرئيس عن منطقة كونكاكاف جيفري ويب (جزركايمان) واتهمت شركاء تجاريين لضلوعهم بقضايا رشاوى، ابتزاز، احتيال وتبييض أموال.
وقالت المتحدثة باسم فيفا ديليا فيشر للصحيفة أن الأرجنتيني الراحل خوليو غروندونا، رئيس اللجنة المالية آنذاك، أذن بإجراء الحوالة لوارنر، لكن هذه الدفعة "تم تنفيذها وفقا للوائح المنظمة".
ويعتبر فالك حليفا كبيرا لبلاتر، وأعلى موظف غير منتخب في المنظمة الدولية، واحتفلا سويا بعد انتخاب السويسري العجوز في زيوريخ الجمعة الماضي.
وطرد فالك في 2006 من الاتحاد الدولي عندما كان مديرا للتسويق، اذ اعتبر قاض أميركي انذاك انه كذب خلال مفاوضات مع شركة ماستركارد حول عقد رعاية، لكن على الرغم من ذلك وبعد تسوية كلفت الاتحاد الدولي ملايين الدولارات، عين بلاتر فالك أمينا عاما لفيفا.-(وكالات)