بين قمتين.. المنطقة على مشارف "إعادة الترتيب"

منظر عام لمدينة القدس
منظر عام لمدينة القدس

محمود خطاطبة

يبدو أن المشهد الإقليمي يكتنفه غموض شديد يتزامن مع قمة عربية أميركية، تُعقد في جدة، بعد غد السبت، تجمع الرئيس الأميركي، جو بايدن، مع قادة دول الخليج العربي، بالإضافة إلى الأردن ومصر والعراق، يُقابلها قمة تُعقد في طهران، تجمع روسيا وتركيا وإيران، وتعقد الأسبوع المُقبل.

اضافة اعلان


ويقول وزراء سابقون ومُحللون سياسيون إن ما بين "القمتين"، مضامين وتقاطعات في بعض الملفات، خصوصًا في الملفين الإيراني والسوري.


ويؤكدون لـ"الغد"، أن جولة الرئيس بايدن في المنطقة وزيارته السعودية، "لن تكون إعلان حرب على طهران"، رغم الإشارة إلى أن هُناك "محورا يتشكل، قد لا يكون في حالة عداء مُباشر".


ويُضيف هؤلاء المُراقبون والسياسيون "أن إيران مُضطرة لإظهار تقارب أكبر مع روسيا، وهذه الجزئية التي تقود إلى ظهور بوتين في طهران. وكأننا نعود إلى خطوط الحرب الباردة، بأسلوب جديد".


ويؤكدون أن إيران تستطيع أن تندمج بشكل أكبر في الإقليم "شريطة التوقف عن سياسات تصدير اللاستقرار"، قائلين إن "دعم إيران لميليشيات في الإقليم من شأنه أن يتسبب بتهديد مُباشر للأمن القومي العربي".


ويجمع الخبراء على أن الكثير من الدول، رغم التناقض مع إيران ورفضها لسياساتها في الإقليم، غير معنية بمواجهة مع هذه الدولة، وتبحث عن حلول سياسية لمُشكلاتها معها.


وحول التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء، بشر الخصاونة، بشأن إيران، يقول هؤلاء المُراقبون "إنها مُحاولة للخروج من دائرة المواجهة المُباشرة مع إيران"، قائلين إن الأردن دولة وازنة وعاقلة، وتنطلق بتصريحاتها ومواقفها من مُنطلق الحفاظ على المصالح الاستراتيجية العُليا للدولة.


وأشاروا إلى أن الجديد هو ما يجري على الحدود الشمالية للمملكة، التي تعمل على مُعالجتها بالتعامل العسكري الحازم، وأيضًا من خلال فتح حوار أمني عسكري سياسي مع طهران، لإغلاق هذا الملف.


لكن البعض تحفظ على هذه التصريحات بالقول "لا نستطيع التعويل عليها بأن تكون جزءًا أساسيًا يُمكن قراءته في إطار السياسة الخارجية".


ويُلاحظ بأن القمة الأولى (العربية الأميركية)، من المؤكد أن طهران لن تغيب عن ملفات نقاشها، بالإضافة إلى موضوعي الطاقة والأمن الغذائي، فالقضية الفلسطينية، حيث يُعتبر ذلك الملف متصدرا سلم أولويات الدول العربية. في حين أن القمة الثانية (موسكو- أنقرة- طهران)، تؤشر إلى مُناقشة الملف السوري بالتحديد، وقد يكون هُناك تحالف عسكري.


وكان الخصاونة، أكد أن الأردن لديه مُلاحظات جوهرية حول كيفية تعامل إيران مع بعض الملفات الإقليمية، ومع بعض أنماط وأشكال التدخلات في دول شقيقة، يعتبر منظومة أمنها القومي جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي للأردن، ومن ضمنها دول الخليج العربي الشقيقة".


وقال، خلال مُقابلة مع قناة "بي بي سي" عربي، بُثت الأحد، إن الأردن يتطلع إلى صيغة معيَّنة في علاقاته مع إيران تقوم على مبدأ حُسن الجوار وعدم التدخُّل في الشؤون الداخليَّة للدُّول واحترام سيادتها ووحدتها الترابية وفق قاعدة الضوابط والأحكام التي قام عليها النظام الدولي المعاصر الذي اعقب إنشاء منظمة الأمم المتحدة.
وأضاف الخصاونة "أن الأردن لم يتعامل مع إيران كمصدر لتهديد أمنه القومي".


إلى ذلك، قال وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة سابقًا، سميح المعايطة، انه على الرغم من بعض المُعطيات إلا أن ما بين زيارة الرئيس بايدن للمنطقة، وقمة إيران وتركيا وروسيا في طهران، التي تُعقد الأسبوع المُقبل، علاقة من حيث المضامين والتقاطعات في بعض الملفات، وتحديدًا الملفين الإيراني والسوري.


وأضاف أن جولة الرئيس بايدن وزيارته للسعودية، لن تكون إعلان حرب على طهران، فالدول العربية المُشاركة في اجتماع جدة، ورغم كل تناقضها مع إيران ورفضها لسياساتها في الإقليم، إلا أنها تبحث عن حلول سياسية لمُشكلاتها مع طهران.


وأوضح المعايطة أن هُناك جولات تفاوض وحوارات مُهمة تجري، ما بين طهران والرياض وعمان والقاهرة، كل على حدة، وهُناك أيضًا علاقات جيدة مع قطر وسلطنة عُمان والكويت والعراق.


لكن المعايطة أشار إلى أن إيران ومعها إسرائيل، تُحاولان تصعيد اللهجة ضد بعضهما،استغلالًا لزيارة بايدن، فالأخيرة تواصل التحريض ضد طهران، بُغية إخراج نفسها من إطار الاتهام، بأنها برفضها إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، تُغذي عدم الاستقرار في المنطقة، بالمُقابل فإن طهران تُريد أن تظهر نفسها أنها ضحية لتآمر عربي إسرائيلي أميركي.


وبشأن قمة طهران، التي تضم روسيا وتركيا وإيران، اعتبرها المعايطة "رسالة من موسكو إلى واشنطن، مفادها بأنها لاعب مُهم في المنطقة"، قائلًا إن روسيا لا تُريد لزيارة بايدن ان تحقق إنجازًا في ملف النفط وزيادة إنتاجه من قبل دول الخليج، لأن ذلك لا يخدمها في معركتها مع أوروبا والولايات المُتحدة الأميركية.


وتابع المعايطة بأن أهم ملف في قمة طهران، هو الملف السوري، خصوصًا العملية العسكرية المُرتقبة لتركيا في شمال سورية، والتي تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة.


وبشأن كيف ينظر الأردن إلى "اجتماع جدة"، قال المعايطة إن الأردن يذهب إلى السعودية مُحاولًا أن تُثمر جهوده في إعادة عملية سلام حقيقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وربما يتمنى الحصول على دعم اقتصادي، خاصة في مجال الطاقة لمواجهة ارتفاع أسعار النفط عالميًا.


وتابع "أما إيران فليست ملفًا ضاغطًا على الأردن، حتى مع نشاط ميليشيات مدعومة من إيران في الجنوب السوري"، مؤكدًا "أن الأردن ليس معنيًا بالتحريض أو الذهاب إلى أحلاف عسكرية ضد طهران، فهُناك ما يُشغله، وله الأولوية".


وأوضح المعايطة "لكن هذا لا يُلغي قناعات أردنية برفض سياسات إيران في الإقليم، وتدخلها في ساحات عربية".


"أما إسرائيل فغايتها الكُبرى مساحة إضافية في علاقاتها مع العرب، مع تجاهل منهجي للقضية الفلسطينية"، حسب المعايطة الذي بين "أن تقليم أظافر إيران في سورية، مهمة تقوم بها إسرائيل منذ أعوام، دون الحاجة لأحلاف أو تنسيق، لكنها ترمي إيران كقنبلة دخانية، وعينها على اندماج أكبر في الإقليم، دون أن يكون ذلك مُقابل إعطاء الفلسطينيين أي شيء من حقوقهم".


وحول تصريحات الخصاونة، قال المعايطة إن الأردن حافظ منذ مجيء نظام الخميني على حد أدنى من العلاقات مع إيران، وفي بعض الفترات كانت تتطور إيجابيًا، وبقيت سفارتا البلدين تعملان، ولم يذهب الأردن إلى مسار القطيعة مع إيران.


وأضاف "لهذا فإن تعبيرات رئيس الوزراء هي استمرار للسياق العام للعلاقة الأردنية الإيرانية، لكن الجديد هو ما يجري على الحدود الشمالية للمملكة، التي تعمل على مُعالجتها بالتعامل العسكري الحازم، وأيضًا من خلال فتح حوار أمني عسكري سياسي مع طهران، لإغلاق هذا الملف، دون أن تضطر للتخلي عن معادلة علاقتها مع إيران".


من جهته، قال العين محمد المومني، إنه من مصلحة الجميع، بما في ذلك الأردن، أن تسود علاقات حُسن جوار، وألا يكون هُناك أي تدخلات بالشؤون الداخلية للدول الأُخرى. وأضاف أن "إيران تستطيع أن تندمج بشكل أكبر في الإقليم، إذا ما توقفت عن سياسات تصدير اللااستقرار".


وأوضح المومني، الذي شغل سابقًا منصب وزير الدولة لشؤون الإعلام وناطقًا رسميًا باسم الحكومة، "بأن دعم إيران لميليشيات في الإقليم من شأنه التهديد المُباشر للأمن القومي العربي".


وأكد أن الأردن معني تمامًا بهدوء حدوده الشمالية، فضلًا عن "أنه يُدرك النفوذ الإيراني في تلك المنطقة"، مبينًا "بالمُقابل تعلم طهران جيدًا بأن الأردن لن يسمح بأي نشاطات تهريب مُنظمة على حدوده الشمالية".


وبشأن تصريحات الخصاونة بشأن إيران، قال المومني إن" الرئيس الخصاونة خبير مُتمرس في الشؤون الخارجية"، مضيفًا أن تصريحاته تُعتبر "في غاية الدقة، وتتماهى مُباشرة مع حديث جلالة الملك عبدالله الثاني خلال مُقابلته مع قناة (سي إن بي سي) الأميركية".


وأوضح المومني أن مُلخص تصريحات الخصاونة "أن الأردن دولة وازنة وعاقلة، وتنطلق بتصريحاتها ومواقفها من مُنطلق الحفاظ على المصالح الاستراتيجية العُليا للدولة".


بدوره، قال المُحلل السياسي، الدكتور عامر السبايلة، إن زيارة الرئيس بايدن، إلى السعودية، وفي ظل تعطل الوصول إلى الاتفاق النووي، "يعني أننا نتحدث عن محور يتشكل، قد لا يكون في حالة عداء مُباشر. لكن فعليًا زيارة بايدن واضحة، من إسرائيل إلى السعودية، وكأنه يتشكل حلف أميركي".


وأضاف "في المُقابل، فإن إيران مُضطرة لإظهار تقارب أكبر مع روسيا، وهذه الجزئية التي تقود إلى ظهور بوتين في طهران. وكأننا نعود إلى خطوط الحرب الباردة، بأسلوب جديد".


وتابع السبايلة "لكن بلا شك كل الدول، على الأقل دول الخليج العربي، غير معنية بمواجهة مع إيران".


وأوضح "قد تكون إسرائيل الراغب الأكبر في التصعيد تجاه إيران في هذه المرحلة، لكن ليس هُناك خيارات حقيقية بالنسبة للإيرانيين، خصوصًا مع تعاظم الأزمة في لبنان، وعدم وجود أفق للحل في سورية، والوضع الهش الموجود في العراق. كل ذلك يدفع لأن تظهر طهران بمظهر اللاعب المُستقل، واللعب على التوازنات الدولية في هذه المرحلة".


وبالنسبة للقضية الفلسطينية، قال السبايلة "واضح أنها ليست في سلم الأولويات، على الرغم من زيارة بايدن إلى الضفة الغربية، والتي قد تكون إحدى النقاط التي يُمكن ترجمتها بأنه ليس هُناك رغبة بإقصاء هذا الملف تمامًا".


وتابع السبايلة "مع التأكيد على عدم وجود حلول أو مُباردات حقيقية في موضوع الطاقة، واضح أننا نتحدث عن بناء علاقات في هذه المنطقة، قبل الانتقال إلى الحديث عن الطاقة. بمعنى آخر إعادة ترتيب الحلف الأميركي، ومن ثم الحديث عن مشاريع الطاقة في المنطقة".


وبخصوص تصريحات الخصاونة بشأن إيران، قال السبايلة "إنها مُحاولة للخروج من دائرة المواجهة المُباشرة مع إيران"، لكنه بقي مُتحفظًا، حيث أضاف بأنه "لا نستيطع التعويل عليها بأن تكون جزءا أساسيا يُمكن قراءته في إطار السياسة الخارجية".

اقرأ المزيد :