تخصصات راكدة محليا.. ومطلوبة خارجيا

محمود الشرعان

مع كل بداية عام جامعي دراسي جديد يثار الحديث مجددا عن التخصصات المطلوبة في السوق المحلي، هربا من البطالة المنتظرة بعد سنوات أربع من دراسة تخصصات راكدة أو مشبعة.

ويتزامن ذلك مع محاولات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، استحداث برامج بكالوريوس جديدة في تخصصات مختلفة في الجامعات الأردنية تتواءم مع سوق العمل، فيما توقف القبول في بعض التخصصات بالجامعات الرسمية إلا أنه يستمر القبول فيها بالجامعات الخاصة أو في برامج الموازي.

تخصصات راكدة وليست مطلوبة

ألقت “الغد” نظرة سريعة على أبرز التخصصات المشبعة والراكدة والمطلوبة في سوق العمل الأردني، بحسب بيانات وزارة التعليم العالي، حيث وجد أن جميع تخصصات الهندسة موزعة ما بين مشبعة وراكدة، ولا يوجد ما هو مطلوب، إضافة إلى أنه يوجد 61 ألف مهندس جامعي في مخزون ديوان الخدمة المدنية. أما التخصصات الطبية، فقد قرر مجلس التعليم العالي، عدم استحداث برامج بكالوريوس جديدة في: الطب وطب الأسنان، دكتور الصيدلة، والصيدلة، والتمريض في الجامعات الأردنية، وذلك حتى العام 2030. تخصصات العلوم الإدارية والسياحة والزراعة فهي موزعة ما بين راكدة ومشبعة ولا يوجد بها تخصصات مطلوبة، بينما في العلوم الإنسانية فجميع التخصصات راكدة أو مشبعة، وبعضها موقوف للذكور، باستثناء أربعة تخصصات، وتخصصات الحاسوب، جميعها مشبع.

بطالة في صفوف المتعلمين

من جهته، يعلن ديوان الخدمة المدنية، قبل كل بداية عام جديد تصنيفات التخصصات، وفي العام الماضي أعلن أن 39 تخصصا مصنفا بالراكد (غير مطلوب)؛ في الجامعات وكليات المجتمع المدني؛ سيتم التوقف عن استقبالها لكل من سجل بها بعد 2020، وأعداد الخريجين فيها تكفي احتياجات سوق العمل المحلي لفترة لا تقل عن 10- 15 سنة مقبلة. الديوان يطلق الدراسة سنويا، لمنع تكدس الطلبات في مخزونه من طلبات التوظيف التراكمي الذي وصل إلى 455604 طلبات، غالبيتهم من التخصصات الراكدة ومن حملة المؤهل الجامعي ودبلوم كلية المجتمع الشامل، في حين بلغت نسبة التعيينات خلال العقد الأخير في المتوسط نحو 2.3 % من إجمالي عدد الطلبات الكلية في الديوان. معدل البطالة في الأردن، سجل خلال الربع الثالث من العام الماضي 2022 نحو 23.1 بالمائة، وبلغت نسبة المتعطلين من حملة الشهادة الثانوية فأعلى 59.3 بالمائة من إجمالي المتعطلين، وكان 40.4 بالمائة من إجمالي المتعطلين مؤهلاتهم التعليمية أقل من الثانوي. وأمام تلك المعضلات التي تواجه الآلاف من الخريجين، شكلت وزارة التعليم العالي، لجنة لدراسة واقع التخصصات القائمة حاليا في الجامعات، ومدى حاجة سوق العمل إليها في ضوء أعداد الطلبة الملتحقين للدراسة فيها حاليا، تمهيدا لاتخاذ القرارات المناسبة بخصوص الطلبات المقدمة لترخيص برامج جديدة لمختلف الدرجات في الجامعات والكليات الجامعية الأردنية.

ما هي الحلول؟

وأمام ندرة التخصصات المطلوبة في الأردن، وقلة المستحدثة، يطرح سؤال حول المطلوب من الجهات الرسمية المختلفة لإيجاد حل ما بين حاجة السوق وحجم الخريجين. وفي هذا الصدد، يعتقد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، أن المطلوب في الأردن اليوم، هو صياغة خطة لتطوير التعليم الجامعي، مع ما سبق من معطيات مقلقة، فيجب أن تجدد التخصصات نفسها كما الاقتصاد الذي يجدد نفسه، وفق حديثه. ويقول عايش لـ”الغد” إنه يجب أن تتواءم التخصصات مع حاجة السوق العالمي وليس الأردني فحسب، وذلك يتطلب تمكين وتأهيل الطلبة والخريجين من أدوات المعرفة للعمل في الخارج، ما يعني تغيير أدوات التعليم القديمة التقليدية، المتوقف بعضها على دراسة التخصص فقط. ومن ضمن الحلول التي برزت في السنوات الأخيرة، التوجه العام نحو دراسة استحداث تخصصات تكنولوجيا المعلومات (IT)، التي تشهد إقبالا واسعا لدراستها في الجامعات الأردنية. ويضيف إن استحداث تخصصات جديدة أمر جيد، وذهاب مئات الطلبة لدراسة التخصصات الجديدة يعزز تلك التخصصات، غير أنها ستتوقف لاحقا عن القبول، مدللا بتخصصات العلوم الإدارية التي شهدت إقبالا ماضيا فيما أصبحت اليوم مشبعة وراكدة، فالمطلوب ليس فقط استحداث تخصصات وإنما التأهيل واستحداث وظائف في القطاعين العام والخاص. وأشار إلى أن التخصصات الراكدة محليا ربما تكون مطلوبة خارجيا، ويجب تسويقها بشكل أفضل.

السوق المحلي

وفي وجهة نظر مختلفة، يرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية، أحمد عوض، أن بوابة تصنيفات التخصصات، من حيث المبدأ غير سليمة، حيث أن ديوان الخدمة يصنف حسب القطاع العام فقط والذي يعمل به نحو 400 ألف، بينما نجد مليونا و700 ألف يعملون بالسوق المنظم أي القطاع الخاص. ويشير عوض لـ”الغد” إلى أن الأهم من تسويق الخريجين في الخارج؛ تحسين جودة التعليم وتمكين حقيقي لمحتوى شهادة الخريجين، بغض النظر عن التخصصات، حيث إن أكثر من النصف يعملون في خارج تخصصاتهم، وهي ظاهرة عالمية. ويبين أن المرحلة الثانية تأتي بعد التأهيل، تسويق تلك الأيدي العاملة في الأسواق العربية والعالمية، من خلال مذكرات التفاهم مع الدول المشغلة، وذلك دور الحكومة ممثلة بوزارة العمل، لتعبيد الطريق أمام الخريجين في تلك الأسواق وتحديدا في سوق الخليج. ويتجاوز عدد المغتربين الأردنيين في الخارج مليون فرد، موزعين على نحو 70 دولة، بحسب إحصاءات صادرة عن وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، وأن 79.5 % من المغتربين متواجدون في دول الخليج العربي، و11 % في الولايات المتحدة وكندا، و3.4 % في أوروبا، و3 % في باقي الدول العربية، والنسبة المتبقية في باقي دول العالم.

ما هو المطلوب؟

ويتفق مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة مع رأي عوض، إذ يقول أن لا دراسات عن حاجة القطاع الخاص في الأردن، حيث إن التصنيفات (الراكدة، المطلوبة، المشبعة)، لا معنى لها حيث إن القطاع العام يوظف نحو (7-8) آلاف شخص سنويا في حين يوظف القطاع الخاص ما يقدر بـ(40-35) آلاف شخصا. أما المطلوب، وفق أبو نجمة، فهو أنه يجب إتمام مرحلة التأهيل للخريجين بالدرجة الأولى، ثم رصد الأسواق التي هي بحاجة لأيد عاملة، ودراسة احتياجاتها وتحديدا السوق العربي والخليجي، وقياس قدرة المنافسة أمام العمالة المختلفة وتحديدا الآسيوية التي تقبل بأجور متدنية. ويتفق الخبراء على ضرورة عدم التقييد بالشهادات الجامعية فقط فالمطلوب إضافة مهارات للخريجين، وإيجاد فرص عمل في السوق الأردني قبل الخارجي، ثم تصدير الأيدي المتمكنة للخارج.

دور وزارة العمل

رسميا، يقول الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل، فاروق الحديد، إن الوزارة أطلقت برنامجا تشغيلا وطنيا (سجل)، لبناء قاعدة بيانات تخدم جميع الخريجين بجميع التخصصات، تقدم للقطاع الخاص، في محاولة لخلق فرص عمل. ويضيف الحديد لـ”الغد” أن جزءا من المنصة يعتمد على برامج التدريب والتأهيل للأيدي العاملة المنتهية بالتشغيل، إضافة للمنحة القطرية التي شغلت الأردنيين، فيما يجري دراسة السوق الألماني منذ العام 2020 لتأهيل الأيدي العاملة الأردنية في المهن المطلوبة هناك.

المهندسون نموذجًا

نقابيا، يبرز دور نقابة المهندسين سنويا في إصدار النشرة الإرشادية التي تحدد حالة التخصصات الهندسية، إلا أنه نظرا لصغر السوق المحلي، فهي تحاول تصدير الخريجين من التخصصات المختلفة إلى الأسواق المختلفة والجديدة على وجه الخصوص، مثل: أفريقيا وكينيا واذربيجان، إضافة لوجود برنامج تأهيلي خاص بألمانيا. النقابة عملت أيضا من خلال مكتب العلاقات الدولية، على توقيع عدة اتفاقيات مع عدة دول آخرها مع جمعية المهندسين الاستشاريين الكينية في مجال تصدير الخدمات الهندسية إلى كينيا وتسهيل المشاركة في العطاءات المحلية والدولية فيها وتسجيل المكاتب الهندسية والسماح للمهندسين الأردنيين بممارسة المهنة فيها. ما بين التخصصات الراكدة والمشبعة من جهة والمطلوبة من جهة أخرى وحاجة السوق لها جميعها، تتفق الجهات الرسمية والأهلية والمدنية، على ضرورة توحيد الجهود وتكثيفها في محاولة تصدير الخريجين للأسواق العربية والجديدة، الأمر الذي يحتم تأطير العمل ضمن خطة وطنية لتطوير التعليم، وفقا للمتطلبات السوقية. تجدر الإشارة إلى أن نقابة المهندسين وقعت أمس، مذكرة تفاهم مع هيئة المهندسين في رواندا (IER) خلال الزيارة التي قام بها نقيب المهندسين أحمد سمارة الزعبي إلى “كيغالي” عاصمة جمهورية رواندا، بالتنسيق مع السفارة الأردنية في نيروبي. وتنص المذكرة على التعاون في مجال تصدير الخدمات الهندسية للشركات والتشريعات الناظمة لمجالات ممارسة مهنة الهندسة والمعارض الهندسية المشتركة وتسويق القطاع الهندسي في رواندا وتمكين المهندسين في رواندا في مجال ريادة الأمال والابتكار والمهارات الرقمية والهندسية. وقال سمارة إن المذكرة تأتي ضمن جهود نقابة المهندسين الأردنيين لفتح أسواق خارجية غير تقليدية لمنتسبيها.

اقرأ المزيد : 

اضافة اعلان