توصيات مؤتمر التطوير التربوي.. ما الجديد؟!

وزير التربية والتعليم محمد الذنيبات (وسط) خلال انعقاد مؤتمر التطوير التربوي مؤخرا -(بترا)
وزير التربية والتعليم محمد الذنيبات (وسط) خلال انعقاد مؤتمر التطوير التربوي مؤخرا -(بترا)

الدكتور ذوقان عبيدات *

اخيرا، عقدت وزارة التربية والتعليم مؤتمرها التطويري، بعد طول عناء. برزت فكرة المؤتمر منذ شهر كانون الثاني (يناير)  ليُعقد في بداية آذار (مارس)، وتأجل مراراً، وألغيت فكرته، ثم بدا للقائمين على الوزارة، ومستشاريهم، أن الفكرة قد تكسبهم مجداً. وهكذا انعقد المؤتمر في بداية آب "اغسطس" 2015، وحظي برعاية محترمة وإعلام جيد.اضافة اعلان
وفيما يأتي عدد من الملاحظات الشكلية والجوهرية على أحداث المؤتمر:
1. شارك في المؤتمر حشد من التربويين، معظمهم ممن اعتقدت الوزارة، أنهم يؤيدون أفكارها، وأعدوا أوراق عمل في مختلف محاور المؤتمر، وكان عدد الأوراق المبنية على دراسات مسحية محدوداً جداً، والباقي اشتمل على آراء معروفة جداً في مجال المحاور: البيئة المدرسية الملائمة، وتعليم التفكير، وتحسين الإشراف وتجميع المدارس الصغيرة، ووضع بنك للأسئلة وتطوير المناهج، واعداد المعلمين. ولم تجمع بين هذه الأوراق أيّة رؤية أو هدف، ولذلك، قد تتطور جزئية على حساب أخرى.
2. لم يقدم أصحاب المعاناة، العاملون في الوزارة، والمعلمون أيّة إسهامات في أوراق العمل، بل وكان حضور العاملين في الوزارة محدوداً، وتركز اساسا فيمن كُلّفوا بأعمال إدارية. أمّا المعلمون فقد غابوا تماماًعن أوراق العمل.
3. معظم المحاور والأفكار التي دارت في أوراق العمل، كانت مألوفة لكل تربوي –وكل عامل في الوزارة-، ولم تصل هذه الأوراق إلى الموضوعات الحديثة المهمة، مثل؛ ضمان التعلم وتعلم المعلم، والمجتمع المهني المتعلم واستراتيجيات تعليم التفكير والإبداع. كما ناقش المؤتمر وأوراقه الإجابة عن سؤال ماذا، وهو أكثر الأسئلة سهولة، ولم يناقش سؤال: لماذا؟ أو سؤال كيف؟
إنّ سؤال ماذا يُجيب عن ماذا سنعمل، ما الموضوعات. وفي ظل غياب لماذا؟ يُصبح كل شيء جائزا أو صحيحا أو خاطئا، ففي غياب الرؤيا لا يمكن إصدار حكم.
أمّا سؤال كيف، فلم تتعرّض له، لا أوراق العمل، ولا توصيات المؤتمر، لأنه السؤال المركزي الثاني بعد سؤال لماذا؟
4. لقد أجاب المؤتمر عن سؤال ماذا بالإجابات الآتية: -كلية للتربية وإعداد المعلمين. - تطوير التوجيهي. -     بنك الأسئلة. - امتحان القبول. -تحسين أداء الطلاب في الاختبارات الدولية. -تحسين الإشراف.
وليس هناك أية قرائن حول لماذا؟ وكيف؟!
إن سؤال ماذا لا يتطلب عقد مؤتمر، ولا كلفة مؤتمر، ولا "كركبة" مؤتمر ... الخ.
5. إن الإجابة عن سؤالي لماذا وكيف هي شأن آخر.
فالسؤال لماذا، يتطلب وجود فلسفة خاصة للمؤتمر وللوزير وللوزارة، وهذا ما لم يجب عليه أحد. لماذا نريد تحسين التعليم؟
هل الإجابة، هي تحسين تحصيل طلابنا في اختبارات Timms  وبيزا؟
ولماذا نريد تحسين الإشراف، وتحسين البيئة، وبنك الاختبارات؟ ولماذا نطور امتحان التوجيهي، وقد أوصينا بامتحان قبول؟ وما العلاقة بين هذه المجالات؟
إننا بحاجة إلى فلسفة للتربية، بمعنى نموذج تربوي، يوجه الممارسات، ويوجه الإجابة عن سؤال كيف.
6. أمّا سؤال كيف، فهو السؤال المهم! وهذا السؤال في عهدة العاملين في الوزارة، والعاملين في الميدان. وقد غابوا جميعاً عن المؤتمر!! فهل سترسل لهم التوصيات، ليقوموا بتنفيذها، وهم لم يسمعوا بها إلا مثلنا، من خلال الصحف أو الموقع الإلكتروني؟ وما الذي سيدفعهم إلى قبولها؟
لقد دعت الوزارة إلى إشراك شبكة من المؤسسات الفاعلة في المجتمع، ولم تدع الفئة المعنية بالتنفيذ، وهي الفئة الأقرب والأكثر قدرة!!
7. وحتى في الشكل، فإن توصيات المؤتمر يجب أن تقرّ من المؤتمر نفسه، لا أن تصدر عن الوزارة.
فهي في هذه الحالة تطبيق لما يراه معالي الوزير –لأن الوزارة لم تشارك -، ويسعدني أنا، أن تعتبرني الوزارة عاملاً فيها، ولذلك لم تدعني لحضور المؤتمر، علماً بأنني مواطن أردني يحمل رقماً وطنياً!
فالوزارة أصدرت التوصيات بعد أسبوعين تقريباً، وهي فترة كافية، لنسيان المؤتمر، وأوراقه والمشاركين فيه، فهل كان أمام الوزارة عقبات حالت دون صدور التوصيات؟ أم أنها تريد الإيحاء بأنها تدرس وتفكر وتتأمل وتراجع؟
إن تفحص التوصيات يشير إلى أن هذه التوصيات لم تصدر عن المؤتمر، فمعالي الوزير أعلن أكثر من مرة أن التوجيهي سيكون على دفعة واحدة، وكان ذلك قبل شهور من المؤتمر.
أمّا توصيات تطوير المناهج، فقد بدأ بها معالي الوزير قبل سنة من المؤتمر، وطوّر مناهج، وكتب الصفوف الثلاثة الأولى، وطوّر مناهج وكتب الصفوف الرابع والخامس والسادس والتاسع. وشارفت هذه الكتب على الانتهاء من طباعتها، وقد يطبقها دون تجريبها! فلماذا إذن القول بأن المؤتمر هو الذي أوصى بتطوير المناهج؟
أمّا التوصية بتحسين التعليم من أجل رفع مستوى أداء طلابنا، في امتحانَي "تيمس" Timms  وPiza ، فقد أعلن معاليه مع رئيس المركز الوطني لتنمية الموارد البشرية، أننّا تحسنّا، وقطعنا أشواطاً. كما أعلن بعض أساتذة الجامعة أن مستوى الطلبة المقبولين في الجامعة العام الماضي كان رفيعاً، لأنهم لم ينجحوا بالغش، أو لأنهم خافوا من الدرك وديوان المحاسبة، علما بأن الاختبارين يتعلقان بثلاثة صفوف فقط، فكيف سيطورها معاليه بمعزل عن بقية الصفوف؟.
إذن، كفى ضبابية، وكفى خيالاً، وكفى قلباً للحقائق!
فالتوصيات قد أنجزت قبل عقد المؤتمر، فلماذا يوصي بها المؤتمر بأثر رجعي؟
ألم يلمس كل مواطن جهود الوزارة في التطوير والتحسين؟
8. وفي دراسة معالي الدكتور وليد المعاني، المنشورة في "الغد"، يوم 17/8 ، تشير إلى أن دبلومات التأهيل التربوي قد ملأت الميدان بمعلمي الصف والمجال، حيث بدأ التدهور التعليمي، فهل سنشاهد تدهوراً آخر، على يد خريجي كليات التربية مرة ثانية. فعلى حد تعبير المعاني، فإن كليات التربية هي جزء من المشكلة وليس الحل. وأنا أشاطره الرأي للأسباب الآتية:
-إن أساتذة كليات التربية في الجامعات الأردنية ليسوا مؤهلين للتدريس بشكل عام، وليسوا مؤهلين لإعداد معلمين بشكل خاص، بل إن معظمهم، لو طبقّنا عليهم معايير إجازة التعليم والتدريب، أو الرتب التعليمية، لما حصل على إجازة!!
هذا ليس نقداً لهم، أو هجوماً أو تقليلاً من أهميتهم، ولكن الواقع يقول، أنهم لا يحملون شهادات إجازة التعلم، فحامل الدكتوراة في التاريخ، ليس معلم تاريخ، ولا يمكنه إعداد معلمي اجتماعيات.
- إن أساتذة كليات التربية ليسوا مندمجين في شؤون التعليم، بدليل أن أيا منهم لم يشارك في الدراسات المنشورة، حول المناهج، لا دعماً ولا نقداً، وكأننا نتحدث عن التعليم في سريلانكا!!
- ألا تستحق دعوة المعاني بإغلاق كليات التربية أو بعض أقسامها التأمل والتفكير؟ وهل الحل زيادة الكليات وتكليفها بإجراء دراسات لتطوير التعليم؟
معالي الوزير،
إن مشكلات التعليم لا تحتاج مؤتمراً، فهي معروفة، ففي دراسة أجريت سنة 2004، في مركز تنمية الموارد البشرية، حول الفروق بين بيئات الدول المتفوقة في اختبار Timms والبيئة الأردنية، حددت الدراسة جميع الفروق في استراتيجيات التدريس والبيئة المدرسية، وأعمار المعلمين وخبراتهم، وحجم المناهج وحجم الواجبات المنزلية، بل إن وزارة التربية كلفت بإجراء دراسة عن نتائج طلابنا في العلوم، وقدمت توصياتها إلى الوزارة، ولم تجد طريقاً للتنفيذ، علماً بأن المشرف على الدراسة كان مدير المناهج نفسه.
إن متوسط أعمار المدرسين في الأردن أقل بكثير من أعمار زملائهم في الدول المتفوقة، ففي دول التفوق، قد تزيد أعمار المعلمين، أو فئة منهم، على سن الخمسين، اي خمسة أضعاف أفراد هذه الفئة عندنا. فمعلمونا شباب، ويفتقدون الى النضج والخبرة، هذا أحد الفروق، وهناك فرق آخر؛ أننا نتعرض لامتحانات أكثر منهم، وواجباتنا تفوق في حجمها الواجبات المنزلية لدى طلاب الدول المتفوقة، وعدد أيام الدراسة لدينا أكثر، والساعات المخصصة لدراسة العلوم والرياضيات تفوق ما لديهم!
إن هذا العصر، عصر المعرفة والدراسات، لا عصر القرارات الإدارية، فلنبحث بعيداً عن التطوير، خارج إمكانات ديوان المحاسبة أو الدرك أو زيادة الامتحانات.
معالي الوزير،
يكفيك فخراً أنك حاولت، ويكفيك اعتزازاً بهذا الدعم والتأييد، الذي يقدره لك المجتمع والإعلام، ولكن قضايا التطوير شيء آخر. إنه يحتاج سياسة غير إقصائية، وبحثاً عمن يستطيع المساندة والعمل.
إن عملية التطوير تحتاج:
أ‌. عمال معرفة ينتجون فكراً، ويجيبون عن سؤال ماذا.
ب‌. فنيو معرفة يطبقون الأفكار ويجيبون عن سؤال كيف.
ت‌. استراتيجيو معرفة يجيبون عن سؤال لماذا.
هؤلاء من يستطيعون إنجاح المؤتمر، ورفده بمعرفة جديدة وتطبيقات جديدة.
وعلينا أن نثمن خطوة جلالة الملك، في زيارته لرئاسة الوزراء، وفي اجتماعه بدولة الرئيس ومعالي الوزير، والطلب منهما العمل على إصلاح التعليم وتطوير المناهج. ولهذه الزيارة دلالات، فإضافة للنشاطات المجتمعية، لعلّ من أهمها:
-أنها جاءت بعد المؤتمر، وليست قبله، فما الداعي إذن لو كان المؤتمر مقنعاً، أن تبرز الدعوة إلى التطوير بعد المؤتمر؟ هل هي ثقة ودعم؟ أم اهتمام إضافي؟ أم حفز وطلب؟
- ان قضايا التطوير التربوي والدعوات إلى الإصلاح، زادت بعد المؤتمر، وكأن هناك قناعة، بأن المؤتمر –في أحسن أحواله- لم يكن كافياً لإقناع المجتمع.
لقد تنادت الهيئات والجمعيات المدنية إلى عقد ندوات لمناقشة إصلاح التعليم، بل ما زالت هذه الندوات في تزايد، برغم توصيات المؤتمر.
- أنها قد تشكل ضغوطاً على القرار التربوي، خاصة في تناقضاته الواضحة مثل:
أ‌. الادّعاء بتحسن ملموس في التعليم، ودعوة المؤتمر لتحسين التعليم والشكوى من ضعفه.
ب‌. إنكار وجود خلل في المناهج، مثل الأفكار المتطرفة، والاعتراف بوجود مثل هذه الأفكار عبر توصيات المؤتمر.
ج - تحسين امتحان شهادة الدراسة الثانوية، مع الطلب من الجامعات وضع امتحان قبول للطلاب، وفي التخصصات. علماً بأن وجود امتحان قبول سيغيّر بشكل كامل أهداف امتحان شهادة الدراسة الثانوية، بل ما الداعي لامتحان التوجيهي لو طورت الجامعات امتحان قبول؟
أؤكد عدم وجود خصومة مع أحد، وعدم وجود حملة منظمة لإلحاق الأذى بالتعليم. وأؤيد بشدّة الزامية رياض الأطفال ودمج المدارس الصغيرة.
ولذلك فإن إصلاح التعليم يتطلب وجود ثقافة جديدة في أروقة الوزارة.
-ثقافة تعترف بالآخر، في مواطنة كاملة، حسب الدستور، ويضاف إليها المساواة مع الجنس، لا مجرد الدين والطائفة.
- ثقافة تعترف بالتغيير، وترى أن التربية تقود المجتمع، لا مجرد خاضعة له، وتلتزم بكل تراثه.
- ثقافة تحترم حقوق الإنسان لا تسخر منها.
- ثقافة تنظر للمستقبل، لا تحرص على إعادة إنتاج الماضي.
- ثقافة تثق بالذات، ولا تشعر باهتزاز تجاه ما يجري حولها.
- ثقافة تعترف بالتعليم كمهنة لا كرسالة أو وظيفة.
- ثقافة تنتج المعرفة، لا تستهلك وتستورد وتجتر.
- ثقافة تنمي الحس الوطني العربي، لا تبحث عن روابط أقل أهمية.
- ثقافة تفكر عالمياً وتعمل محلياً، لا ثقافة تفكر محلياً، وتحاول غزو العالم.
مع كل التقدير لوزارة التربية وبعض جهودها.

* خبير تربوي