جدل القضايا الوطنية في السينما.. ما حدود الخيال؟

إسلام البدارنة

عمان- لطالما كانت السينما على وجه العموم تحمل الرؤى البصرية واللغة العالمية لتوجيه المشاهدين إلى القضايا الإنسانية والوطنية، وتوظيفها في خدمتها، لما تحمله من قوة تأثير كبيرة في تثقيف المجتمعات وتوعيتهم بالقضايا المصيرية.

اضافة اعلان


ومن منطلق أن السينما والفن العربي يسهمان في إقناع المتلقي وتوعيته بتلك القضايا، إلا أنهما يثيران الجدل حول قدرتهما على مواكبة الأمر الأهم ألا وهو توظيفهما في خدمة القضايا الوطنية، ومنها خصوصاً القضية الفلسطينية.


باتت بعض الأعمال السينمائية مواد تعريفية أو وثيقة تاريخية يستند إليها في السيطرة على العقل، أو تشويه الحقائق، لذلك يكمن الخطر في توظيف بعض الأفكار في العروض الفنية والسينمائية التي تمس القضايا الوطنية.


وكان فيلم "أميرة" للمخرج محمد دياب، والذي كان عرضه الأول في مهرجان الجونة السينمائي، سببا رئيسا في تجديد فتح جبهة الانتقادات حول سوء طرح الأفكار وتشويه صورة المقاومة والنضال الفلسطيني من خلال الفن السينمائي.


لم تتوقف حملات الرفض والاستهجان من قبل العديد من النقاد السينمائيين والجمهور الفني منذ انطلاقة الفيلم، حيث تضاربت الآراء ما بين مؤيد ومعارض لفكرة كيفية طرح الفيلم لقضية تهريب "نطف الأسرى" الفلسطينيين.


تشويه نضال الأسرى


وقوبل الفيلم بحملة رفض واسعة لمنع عرضه وسحب ترشيحه لجوائز الأوسكار، وهو ما تم بالفعل، "لما له من دور كبير في تشويه النضال الفلسطيني"، الأمر الذي أكدته الممثلة والمخرجة مجد القصص.


وقالت القصص في تصريح لـ "الغد"، إن "القصة لا تكمن فقط في الفن السينمائي بل في المسرحي والروائي وكل أشكال الفن المكتوب والمرئي، ولا يجوز بتاتاً لأي أحد أن يشوه نضال الشعب الفلسطيني".


وأشارت خلال حديثها إلى ما حصل مؤخراً في فيلم "أميرة"، أن "ما حدث له تفسيران، الأول: الجهل وأشك بذلك، وثانيا أن يكون متعمدا لتشويه صورة النضال الفلسطيني وهذا أمر خطير جداً".


وللقصص عمل مسرحي تحت عنوان "إلا أنتي القدس" من إخراجها وتأليف الروائية سميحة خريس، حول قضية تهريب "النطف للأسرى".


وتؤكد المسرحية على "بطولة الأسرى في تهريب النطف"، حيث بينت القصص أن "هذا الطفل القادم هو المقاوم الذي سيحرر فلسطين يوماً ما".


ونوهت إلى أنها "عملت ما يقارب السنتين على جمع المعلومات حول كيفية تهريب النطف وإيصالها بالشكل الصحيح، حتى لا يحدث كما افترض فيلم أميرة".


وقضية تهريب النطف من الأسرى الفلسطينيين لا تقل أهمية عن محاولات الأسرى في انتزاع حريتهم بشتى الطرق والتي كانت أبرز أدواتها الملاعق، حسبما ذكرته القصص.


وأكدت رفضها القاطع لاستخدام الخيال والفنتازيا في القضايا الوطنية والمصيرية، لأن الشعب الأردني والفلسطيني يراها كبطولات، ولا يجوز لأي فنان أو مخرج أياً كان أن يدخل الخيال في القضايا المصيرية".


وختمت القصص قولها إن "فيلم أميرة له مرجعيات تسجيلية وثائقية لا زلنا نعيشها إلى الآن".


الجانب الآخر للسينما


من جهته، يحمل المخرج الأردني فيصل الزعبي، رأياً آخر حول طرح الخيال واستخدام القضايا الوطنية في الفن السينمائي.


يقول الزعبي إن "كثيرا من المدارس الفنية في العالم تعاملت مع القضية الوطنية كقضية مباشرة، ولكن هناك الكثير من السينما التي طرحت القضية الفلسطينية وعبرت عنها لكن لم تكن مساحتها محدودة في عرض الأفكار بل تجرأت نوعاً ما".


وأضاف، "على سبيل المقارنة فإن مساحة السينما العالمية في القضايا الوطنية أكبر بكثير من المساحة السينمائية في الوطن العربي، لأن الأخيرة تعمل على إبراز الجانب الإيجابي من القضية، لكن السينما يجب أن تحوي على الجانب السلبي وأن تتناول الهزيمة في القضايا الوطنية".


وأشار إلى أن "السينما العربية مصابة بالقمع لحرية المفكر والمخرج، وتعاني من التضييق الفكري على جميع الأصعدة".


وأكد الزعبي في حديثه أن "الفن ليس له خطوط حمراء، وللمبدع أن يبدع كما يشاء وعلى المتلقي أن يرفض أو يقبل".


وتطرق إلى "نظرة الغرب إلى فيلم أميرة عند مشاهدته، سيدين الاحتلال الإسرائيلي الذي قام بهذه الأعمال"، مؤكدا أن "الفن لا يجوز أن يقرأ أخلاقياً".


وذكر أن "الضجة التي أثيرت حول فيلم أميرة كانت لصالحه، لأنها روجته وستكون إيراداته كثيرة".


لم يختلف رأي الممثل علي عليان عن القصص، في طرح القضايا الوطنية في الفن السينمائي، حيث أفاد بأن القضايا الوطنية في السينما المحلية والعربية ينبغي أن تكون لديها مرجعية معرفية بهذه القضايا لأنها مهمة وتمس الانسان وثوابته الوطنية والوجدانية.


وحول تناول قضية وطنية في الفن السينمائي قال عليان، بأنه يحتاج إلى جهد كبير في كيفية الطرح والتناول وأهمية الموضوع الذي يتم تناوله، لذلك المسألة دقيقة جداً في كيفية تفسير معاني ودلالات كل طرح في الفن السينمائي.


وأضاف، "أحيانا يقدَّم شيء على أنه كلمة حق يراد بها باطل، وتمرر أشياء خطيرة في الدراما والافلام السينمائية سواء عربية أو عالمية، لذلك نحتاج الى حرص شديد في كيفية دمج القضايا الوطنية في الفن السينمائي ومعرفة دقيقة بالتفاصيل".


لا مجال للخيال


واختلف عليان مع الزعبي حول توظيف الخيال والفنتازيا في الفن السينمائي، وتبلورت وجهة نظره حول وجود موقف واضح للممثل أو المخرج من القضايا الوطنية، ولا يسمح للخيال فيها.


وأوضح أن "ما تم طرحه في فيلم أميرة ليس قصة خيالية إنما هو التهرب بحد ذاته من عمق الفكرة، وتحطيم وتهميش حقيقة موضوع النطفة، وكان الفيلم يحتاج إلى بحث دقيق في هذه المسألة لأنها تمس قضية وطنية بحتة".


وفي ذات السياق، اتفق عليان مع القصص على أهمية قضية تهريب النطف للأسرى الفلسطينيين، وقال إنها "لا تقل أهمية عن مسألة حفر الأنفاق وبالتالي هي مسألة موازية للنضال الفلسطيني".


وعلى وجه العموم هناك نوايا خطيرة ومبيتة للدخول لعقل الإنسان في الوطن العربي، من خلال الدراما والسينما وتحديداً العالمية، لمدى تأثيرها، حسب عليان.


ولفت إلى أن مثل هذه الأفلام تصبح فيما بعد مرجعية وثائقية وتاريخية تعمل على السيطرة على العقول.


وعلل عليان سبب انسحابه من فلمين إلى الآن، ومنهم فيلم جابر الذي كان يتعارض مع رأيه وموقفه والعمق التاريخي للقضايا الوطنية، الذي أصبح فيما بعد قضية رأي عام.


وأضاف، كان الفيلم يرسخ فكرة بأن الأرض الأردنية تاريخياً جزء من الأرض الصهيونية وتحديداً البترا، وبالتالي تحطيم هذه الأيقونة وترسيخها ومنحها للغرب بمقابل مادي لتصبح وثيقة للعدو وليس للأردن".


وأوضح أن سبب انسحابه من الفيلم الثاني، لأنه "كان روسيا ومضمونه سياسي عربي، وليس أردنيا، وبعد فترة اكتشف وجود ممثليين صهاينة لذلك انسحب".

إقرأ المزيد :