ربع قرن من تذبذب المسار.. المعاهدة الأردنية الإسرائيلية على المحك

المغفور له الملك الحسين و الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين  -  (أرشيفية)
المغفور له الملك الحسين و الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين - (أرشيفية)
نادية سعد الدين عمان - لم تمضِ مفاصل المعاهدة الأردنية- الإسرائيلية في وتيرة واحدة طيلة الأعوام الخمسة والعشرين الماضية من عمر عقدها التسعيني، نظير مواقف إسرائيلية متعنتة تجاوزت أطر بنودها القانونية النافذة صوب الالتفاف حولها، وهو الأمر الذي غلّف العلاقة الثنائية بأجواء التوتر حد القطيعة الدبلوماسية، حيناً، ما يبعث بالقلق على مصير اتفاق السلام بين الطرفين. وتتقدم ملفات سياسية معتبرة واجهة المشهد الخلافي الثنائي؛ أهمها الوصاية الهاشمية التاريخية على المسجد الأقصى المبارك، وانتهاكات الاحتلال المتواترة ضد المقدسات الدينية وبحق أهالي القدس المحتلة، فضلاً عن توجهه الحديث لضم الأغوار، في ظل مساعيه الحثيثة لتقويض "حل الدولتين"، وتدمير عملية السلام، والمناورة، مؤخراً، بشأن أراضي الغمر والباقورة الأردنية، بينما تسببت حادثة السفارة الإسرائيلية بعمان، قبل عامين تقريباً، في تدهور العلاقة بين الجانبين. ولا يبتعد مضمون ما تسرب من "صفقة القرن" الأميركية عن المنظور الإسرائيلي تجاه منطقة الأغوار وطبيعة الكيان الفلسطيني المستقبلي، وهو الأمر الذي أكد الأردن رفضه المطلق له، مشدداً على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق حدود حزيران (يونيو) 1967، وعاصمتها القدس المحتلة، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الدولي 194، تزامناً مع مناهضته للمساعي المضادة لوجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وسط مناداته بضرورة ضمان استمرارية عملها وتقديم خدماتها لنحو مليوني لاجئ فلسطيني بالمملكة، من إجمالي زهاء خمسة ملايين لاجئ في مناطق عمليات الوكالة الخمس. ويبدو أن الدعم الأردني الثابت والمتواصل للقضية الفلسطينية عبر مختلف المنابر والمحافل الدولية لا يحظى بالاستحسان الإسرائيلي، حيث تسعى سلطات الاحتلال، من خلال أذرعها الدبلوماسية والإعلامية، لضرب الجهود الأردنية المناصرة للشعب الفلسطيني، أو على الأقل لعرقلتها، ولكن دونما فائدة، أمام العلاقة الأردنية – الفلسطينية المتينة. ويكشف السلوك الإسرائيلي العدائي عن مواطن ربكة وقلق متنام من تبعات فتور العلاقة مع المملكة على كيانها المحتل. وقد بدا هذا القلق مضاعفاً، في الفترة الأخيرة، إزاء أصوات، على قلتها، صادرة عن التيار اليساري الليبرالي، تدعو الحكومة الإسرائيلية لإنقاذ اتفاق السلام مع الأردن، كما قال يوسي بيلين الذي شغل مهام عديدة في "الكنيست" والحكومات الإسرائيلية، معتبرين أن العلاقات الثنائية في أسوأ أحوالها، ما يعكس غياب مظاهر الاحتفاء المشترك بالذكرى السنوية لتوقيع المعاهدة، بعدما عمقت التصرفات الإسرائيلية الفجوة بين الجانبين. وإذا كان بيلين يقر بأن استمرار اتفاق السلام الأردني – الإسرائيلي يخدم الجانب الإسرائيلي بصورة أكبر؛ فإن السفير الإسرائيلي السابق في مصر، إسحاق ليفانون، يرى ضرورة وقف التدهور في العلاقات مع الأردن صوب "إنقاذ المعاهدة التي تشكل أهمية استراتيجية إسرائيلية، وتحقق المصالح المتبادلة"، والتي تعود بالفائدة الكبيرة على الجانب الإسرائيلي. فيما يوجه رئيس الموساد الإسرائيلي الأسبق، إفراييم هليفي، الاتهام المباشر للحكومة الإسرائيلية بتوتير العلاقة مع الأردن، متوقفاً عند إعلان رئيسها بنيامين نتنياهو عن نيته بضم غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات للسيادة الإسرائيلية، وهو الأمر الذي رفضه الأردن، لما يشكل عملياً تهديداً لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق حدود العام 1967، وتحديداً مسبقاً للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية المجمدة منذ أعوام. وبعيداً عن الآراء الإسرائيلية المضادة لسياسة الكيان الصهيوني، والتي لم تُصب جوهر مواقفه المعادية، بحيث لا تخرج عن كونها مجرد "صورة تجميلية لوجه الاحتلال القبيح"، وفق قول مطلق الاستيطان في الأراضي المحتلة والرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز، فإن الإجراءات الإسرائيلية التي تمس بنود المعاهدة، وتقوض مساعي إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، قد ألحقت الضرر بالعلاقة مع المملكة. فقد تسببت انتهاكات سلطات الاحتلال المتواترة ضد المقدسات الدينية في القدس المحتلة، لاسيما المسجد الأقصى المبارك، في تصعيد التوتر بين الجانبين الأردني- الإسرائيلي، بما يشكل مساساً بالمادة التاسعة من المعاهدة التي تنص صراحة، في البند 2 منها، على أن "تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن". بيد أن الحفريات الإسرائيلية الكثيفة، مؤخراً، أسفل المسجد الأقصى وبمحيطه، والتي تغير من معالمه وتهدد أركانه، والمردفة بمساعي طمس الهوية العربية الإسلامية، وعرقلة عمل "لجنة المسجد ألأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة" التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، فضلاً عن الاعتداءات المتواترة على حراس المسجد، وهم موظفون مدرجون ضمن هيكلية الوزارة، قادت إلى توتر العلاقة الثنائية لما يشكل ذلك من خرق فاضح لاتفاق السلام، ومساس واضح بالرعاية والوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الدينية في القدس المحتلة، والتي تم التأكيد عليها ضمن المعاهدة، ومن ثم الاتفاقية التي أبرمت بين جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس محمود عباس، في عمان عام 2013، مثلما يتم إقرارها دوماً في القمم العربية والإسلامية. إلا أن حادثة مقتل المواطنين الأردنيين: محمد الجواودة (17 عاماً) والطبيب بشار الحمارنة (58 عاماً)، على يد حارس الأمن في السفارة الإسرائيلية بعمان، في تموز (يوليو) من العام 2017، وحفاوة الاستقبال التي حظي بها من نتنياهو عند عودته للكيان الإسرائيلي، أضر كثيراً بالعلاقة مع المملكة، وأسفر عن أزمة عميقة في علاقات الجانبين. وبعد أن وافقت عمان على استقبال سفير إسرائيلي جديد، جاء إعلان نتنياهو بضم غور الأردن في حال انتخابه، ما أثار ردود فعل أردنية غاضبة. كما أن توطين اللاجئين الفلسطينيين حيثما يتواجدون يعد بالنسبة للمنظور الإسرائيلي العنصري أساس أي اتفاق سلام يتم لاحقاً مع الجانب الفلسطيني، مما يشكل ركيزة لتلك المقولات الصهيونية التي تنادي "بالوطن البديل"، وهو الأمر المرفوض مطلقاً من الأردن وفلسطين، لما يشكل نسفاً لعملية السلام المنشودة، ومساساً بالمادة الثامنة من المعاهدة الأردنية – الإسرائيلية والمتعلقة باللاجئين والنازحين، مثلما يتسبب في تدهور العلاقة بين الجانبين.اضافة اعلان