رزان زعيتر: إبداع في عالم الزراعة وحماية الطبيعة

رزان زعيتر- (من المصدر)
رزان زعيتر- (من المصدر)

منى أبوحمور

عمان-  التحديات الكبيرة وظروف الحياة الصعبة والتنقل بين الحين والآخر، عقبات استطاعت المهندسة الزراعية رزان زعيتر تجاوزها لتثبت أن المرأة الأردنية قادرة على تجاوز الصعاب ومؤهلة أن تكون قيادية وتتولى المناصب كافة.
وبعد أن ذللت الصعاب، توجت زعيتر وبمشاركة مع ناشطين مخلصين مشوارها بتأسيس “العربية لحماية الطبيعة” التي تسعى إلى تعزيز قدرة الشعوب العربية على استدامة مواردها وتكريس سيادتها عليها، خصوصاً تلك الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي والمتأثرة بالصراعات والحروب، ساعية ومن خلال هذه الجمعية إلى تحريك جهود هيئات المجتمع المدني نحو قضايا البيئة العربية والعالمية والتكتل لصالحها، وها قد بلغت العربية عامها الثاني عشر.
ولم تدخل زعيتر مجال حماية الطبيعة إلا عندما شاط غضبها من التدمير الممنهج الحاصل للبيئة والطبيعة من قبل الاحتلال الإسرائيلي وبخاصة قلع الأشجار وهدم الأبيار ولمست ما تواجهه البيئة والموارد الطبيعية والغذائية من تحديات وأخطار متزايدة يغض عالميا النظر عنها رغم أنه وصل معدل قلعها للأشجار في سنة من السنوات شجرة في الدقيقة.
وأطلقت زعيتر ومن خلال العربية لحماية الطبيعة حملة المليون شجرة في فلسطين العام 2000 وزرعت حتى الآن مليوني شجرة مثمرة لمزارعين يعيلون أسرا مجموع أفرادها 172.000 فرد، كما أطلقت حملة القافلة الخضراء، التي تطوف مواقع مهمشة في أرجاء الأردن كافة وتزرع آلاف الأشجار بواسطة طلاب ومتطوعين بالشراكة مع مدارس حكومية وخاصة.
إلى جانب دور زعيتر كأم لثلاثة أبناء، فقد كانت أول مهندسة زراعية تتخرج في لبنان وتقنع الشركات بتوظيفها ميدانيا وتذهب إلى الحقول لتنصح المزارعين وترشدهم بضرورة استخدام الوسائل الحديثة، وقد كانت السيدات يعملن فقط في المختبرات والأبحاث، وكان أول إنجاز لها عندما نجحت في إقناع المزارعين بالتوقف عن استعمال مبيد فوسفوري خطير جداً كان يدعى “ديمول” فانخفضت مبيعاته واضطرت الشركة الموزعة وقفه من الأسواق.
وعلى صعيد التأثير على السياسات الإقليمية والعالمية البيئية والزراعية، فقد أسست زعيتر وترأست الشبكة العربية للسيادة على الغذاء وتضم خمسين منظمة تمثل مئات الآلاف من منتسبي قطاعات المجتمع المدني المعنية بالأمن الغذائي من 20 بلداً.
وحققت هذه الشبكة رغم قصر سنواتها إنجازات مهمة، إضافة إلى دورها في تأسيس وقيادة المجموعة العالمية لبحث موضوع الأمن الغذائي في ظل الصراعات والحروب والاحتلال، وتعد إنجازات هذه المجموعة مشرفة وقد ملأت فراغاً كبيراً للمجتمع المدني العربي والحكومات العربية في المنابر الدولية ومفاوضاتها.
وكانت زعيتر ومن خلال المؤتمرات التي نظمتها وشاركت فيها عالمياً تسعى إلى وضع أولويات الشعوب العربية على بساط البحث وتمثيل الأردن والوطن العربي وكشف الستار عن جرائم إسرائيل نحو البيئة والزراعة.
وكانت زعيتر أول من زرع الكثير من أنواع أزهار القطف؛ حيث أرشدها الكثير من الزملاء عن كيفية الزراعة، وكان نجاحها في هذه الزراعة دافعا للدولة لمنع استيراد الأزهار، مما دفع العديدين إلى التوجه لزراعتها وأصبحت زراعة مهمة في الأردن.
وتتابع “كنا من أوائل من عمل في تنسيق المواقع بطريقة متخصصة وبمهنية متقدمة”؛ حيث تطوعت بمساعدة أمانة عمان على تطوير قدرتها على تنسيق المواقع بطريقة علمية ممنهجة.
وكان نشوء زعيتر في أسرة تقدس العلم وتبغض الظلم، كانت الخطوة الأولى لصقل شخصيتها، فكبرت على الإيمان بضرورة العمل على تثبيت حق الأمة بالحياة والكرامة والاعتقاد بأن الإنسان لا يخلق عبثاً وأنه لابد أن يكون للإنسان مبدأ يحيا ويناضل لأجله ليستحق شرف الحياة.
وكان لوالد زعيتر السياسي والمؤرخ أكرم زعيتر النصيب الأكبر من التأثير في شخصيتها؛ حيث رباها على التفاؤل الدائم بروح الشعوب الحية وقدرتها على النهوض دائما من براثن اليأس.
وتقول زعيتر “يصحبني دائما مقولة مهمة له؛ أن رسالتنا في وحدة العرب لن يسلبها واقعنا المرير الفاجع روعة خيالها وفتنة جمالها ولا بشائر المستقبل المرجو من كفاحها ونضالها”.
ولا تغفل زعيتر الدور الكبير الذي قامت به والدتها التي وصفتها بالمرأة الجميلة الحنونة القوية التي لطالما صبرت عليهم، وعوضت غياب والدهم الطويل عن تفاصيل حياتهم، بمعادلة متوازنة من الحب والانضباط، كلها أمور كونت شخصية زعيتر.
التنقل والترحال اللذان اتسمت بهما حياة زعيتر، جعلا طفولتها ودراستها غير مستقرة، فكانت كلما بدأت بتثبيت جذورها في بلد وجدت نفسها قد انتقلت إلى بلد آخر ومدرسة أخرى من نابلس إلى دمشق إلى طهران إلى لبنان فأميركا ثم ألمانيا، ورغم التحديات والصعوبات الكثيرة التي واجهتها، إلا أنها تمكنت من رؤية الحياة من زوايا متنوعة وفتح قلبها وعقلها على مزايا الاختلاف والتنوع.
أكملت زعيتر دراستها للشهادتين البكالوريوس والماجستير في الجامعة الأميركية في بيروت، وهي بنظرها من أهم محطات تكوُّن شخصيتها وتحديد مسار حياتها، فاختارت الزراعة لكونها أقرب للأرض ولموارد الحياة والأبعد عن التصنع والتعقيد.
انخراط زعيتر بالعمل التطوعي والمدني جعلها تتيقن أن الزراعة ليست الوسيلة التي ستقربها من الأرض وإنتاج الغذاء فحسب، وإنما الطريق “لتحقيق سيادة شعوبنا ودولنا على غذائها ومواردها وتقربنا من نصر نحلم بتحقيقه”.وتلفت زعيتر إلى أن التحديات التي تواجه المرأة متعددة وسوق العمل إحداها؛ فغياب المرأة ملحوظ في كثير من المنابر، مؤكدة أن أحد أهم أسباب هذا الغياب هو “الأبوية السياسية؛ حيث تنصب شخصيات نفسها قائدة أو منظرة عليا، مكتفية بتجاربها ومقتنعة بكون رؤيتها وتحليلها وحلولها هي الأنسب”. ومن أهم التحديات التي واجهت زعيتر في العمل العام، وبخاصة على الصعيد الدولي هو غياب الحضور العربي الممأسس في التأثير على السياسات العالمية على صعيد المجتمع المدني والحكومات واتباع بعض منظمات المجتمع المدني الغربي ومع الأسف بعض أساليب دولهم الاستعمارية.
وتردف زعيتر “نجحنا بعد معاناة سنوات طويلة ومضنية في خلق تحالفات عربية عربية وجنوبية قوية”، حتى وصلنا إلى فرض احترامنا كشركاء حقيقيين في هذه المنابر.
وعلى الصعيد الأردني المحلي، استطاعت زعيتر العمل والتأثير وتحريك الجهود نحو القضايا الأردنية والعربية والعالمية، إلا أن صدى هذا العمل وسبل تقويته ظلت مغمورة.
وتلقي زعيتر بعض المسؤولية على الإعلام والمسؤولين، الذين يفضلون دعم المنظمات التي لها علاقة بالقطاع العام أو الحكومي ويهمشون المبادرات المستقلة والشعبية الناجحة، معتقدة أنه إذا لم تكن شراكة حقيقية بين مختلف الأفكار والأعمار والخبرات والقطاعات التي تعمل ضمن ثوابت واحدة، فإن التغيير لن يكون مستداما بل أكثر عرضةً للفشل.
الأشخاص الذين وقفوا إلى جانب زعيتر ودعموها لا يمكن حصرهم، فكل عمل أنجزته هو عمل جماعي تشاركي، فإلى جانب أسرتها الأولى هناك زوجها الذي تعلمت منه الكثير وما تزال، أولادها الثلاثة زينة ومريم ومحمد الذين أناروا لها حتمية الانتصار المقبل، وهناك أصدقاؤها الكثر الذين يعملون معها بإصرار وانتماء.

اضافة اعلان

[email protected]