روان بركات تتحدى "العتمة" وترسم فضاءات جديدة للإبداع والتميز

روان بركات - (من المصدر)
روان بركات - (من المصدر)

منى أبوحمور

عمان- في تحد كبير للعتمة وبإصرار كبير على الصمود وإثبات الذات، استطاعت الكفيفة روان بركات أن تكون تلك المرأة الأردنية التي يفاخر بها الوطن، وتنحني لها القبعات تقديرا لجهودها وتميزها؛ إذ أثبتت أن نساء الأردن مؤهلات لقيادة المجتمع رغم المعاناة في بعض الأحيان.
بركات، ورغم العتمة التي تعيش بها كونها كفيفة، إلا أنها وبشعاع طموحها ونور إيمانها بذاتها وقوة بصيرتها استطاعت أن تتجاوز كل العقبات والتحديات، لتقف إلى جانب مثيلاتها من الأردنيات الناجحات اللواتي أثبتن وعلى مستوى العالم أن إبداع المرأة الأردنية يكون بقدر التحدي الذي تواجهه.
مسيرة صاحبة مبادرة "رنين" بدأت مبكرة، فالتحقت في البداية بالعمل التطوعي، وهي ما تزال في الحادية عشرة من عمرها في العام 1997، من خلال مشاركتها في برلمان أطفال الأردن المنبثق عن اتحاد المرأة، الذي منحها الفرصة الحقيقية للتعرف على اتفاقية حقوق الطفل وحقوق الإنسان، فأصبحت ملمة بهذه الأمور كلها.
لم يكن العمل التطوعي هو طموح بركات الوحيد، مبينة أن شغفها بالدراما وتعلم العمل المسرحي هو ما جعلها وبدعم من عائلتها أن تقدم على دراسة الدراما في العام 1999، لتكون بذلك أول كفيفة في الأردن تدرس في تخصص الدراما والفنون المسرحية.
وتؤكد بركات أن تكريم جلالة الملك عبدالله الثاني لها مؤخرا، أحدث تغييرا كبيرا في حياتها على الصعيدين؛ الشخصي والعملي، مبينة أن هذا التكريم جاء ضمن اجتماع للشباب والشابات الذين أنجزوا وتميزوا في المجتمع، وفكروا في أن يقدموا ويطوروا بلدهم بدون أن ينتظروا دعم الحكومات ومساعدتها.
وتضيف أن هذا التكريم من قبل جلالته جاء ليعزز الشعور لدى الشباب بالفخر بما قدموه من عمل وإنجازات، مؤكدة أن الحصول على مثل هذا التكريم في ظل الإحباطات الكثيرة وغياب التقدير؛ يعد خطوة مهمة ومؤثرة.
وأحدث حصول بركات على جائزة الملك عبدالله للإبداع والإنجاز الشبابي في العام 2009 تغيرا محوريا في حياتها؛ حيث ساعدها على تحويل فكرة "رنين" من مجرد مبادرة إلى مؤسسة وساعدها كثيرا على تطوير البرامج التي تقدمها.
والفائدة من هذه الجائزة، وفق بركات، لم تكن في المكسب المادي فحسب، وإنما قدمت لها العديد من الاستشارات التي أسهمت في تطوير العمل كمؤسسة.
وكانت فكرة مشروع "رنين" قد بدأت في العام 2005، عندما كانت مجرد فكرة قدمتها بركات في اجتماع تطوعي، طلب القائمون عليه من الشباب المشاركين تقديم أفكار يخدمون من خلالها المجتمع، فكانت فكرة إنشاء مكتبة صوتية بلغة عربية مسموعة، وهي ما يعاني من غيابها الوطن العربي.
وتعزو بركات قيامها بهذا المشروع إلى أهمية تنمية مهارة الاستماع عند الأطفال، معتبرة إياها من أهم الأمور التي يجب التركيز عليها لدى هذه الفئة، منوهة إلى أن وجود حصص استماع باللغة الإنجليزية عند الأطفال وعدم وجودها في اللغة العربية أثار فضولها ودفعها للقيام بهذه المبادرة.
وكانت بركات أول من قام بتنفيذ فكرته على أرض الواقع، وبدأت مشروعها بإنتاج 13 قصة مسموعة تجريبية في العام 2006 بدون أي ميزانية؛ حيث تطوع فريق العمل البدء بالعمل بدون مقابل، لافتة إلى بعض التحديات التي واجهتها والتي تمثلت في عدم قدرتها على نشر هذه القصص وإنما الاكتفاء بتسميعها للأطفال وأخرى في التمكن من الحصول على موسيقي متطوع، الأمر الذي دفعها إلى استخدام موسيقى عالمية.
وتردف "ظل الحلم يكبر من 2006 وحتى 2009، مع محاولة الحصول على دعم، حتى جاء ذلك الدعم المادي من خلال الجائزة"، منوهة إلى أنه مكنها من تطوير مشروعها من كتب صوتية إلى منظومة تربوية متكاملة تعتمد على القصة المسموعة كأداة أساسية للتعلم.
"استطعنا ومن خلال المشروع تغيير أدوات التعليم"، وفق بركات، التي تؤكد أنهم يعملون ومن خلال البرامج على إثارة التفكير الناقد، حتى تكون أداة تعبيرية للتعلم وزياد القدرة على التعبير والتمكين من خلق مشهد قائم على الفكرة، إلى جانب توظيف الدمى لإيصال فكرة مضامين تعليمية.
وتبين بركات قائلة "نحن الآن في صدد إنتاج المجموعة القصصية الخامسة، التي تحتوي على ست قصص"، مضيفة أنه بذلك تمت إضافة جديدة للقصص الثلاثين التي تم إنتاجها من قبل.
وتلفت بركات إلى تغير نظرة القطاع الخاص نحو مشروعها وإيمانهم به، والذي بدا واضحا من خلال الدعم المالي الذي حصلت عليه مؤخرا لإنتاج مجموعتها القصصية الأخيرة.
ولا تكتفي "رنين" بتقديم مكتبة قصص مسموعة وإنما تعمل على تقديم ورش رنيم التعبيرية؛ حيث يتم من خلالها عمل ورشات نقاشية مع الأطفال وتقدم من قبل فريق "رنين"، كما أنها تساعد المعلمين على استخدام البرنامج لتطوير مهارات المعلمين في التعليم.
واستطاعت بركات، ومن خلال مؤسسة "رنين" أن تفيد 600 معلم داخل الأردن وفي الإمارات العربية وتدريبهم على منظومة "رنين"، كما أنها بصدد عمل برنامج متخصص للمرشدين الاجتماعيين تهدف من خلاله إلى مناقشة مشاكل الأطفال الاجتماعية من خلال القصص.
واستهدفت "رنين" ثماني محافظات مختلفة في المملكة، إلى جانب اللاجئين السوريين والفلسطينيين في المخيمات، حتى أصبحت حصيلة المشروع 150 مكتبة صوتية ومشغل أقراص في مناطق المملكة كافة.
وتلفت بركات إلى العديد من التحديات والعقبات التي تواجه عملها متمثلة في روتين المؤسسات الحكومية الذي يعطل عمل المشاريع ويؤخرها، مثمنة الدور الكبير الذي تقدمه مؤسسات المجتمع المدني التي تعزز قدرتهم على العمل.
وتثمن بركات كذلك دور مبادرة "مدرستي" التي تعد شريكا استراتيجيا لمؤسسة "رنين" والمركز الوطني للثقافة والفنون، إلى جانب التعاون الكبير بين المؤسسة والصندوق الملكي الهاشمي ومؤسسة سمو الأميرة بسمة.
وتبدي بركات أسفها على تلك النظرة السلبية الموجودة في المجتمع تجاه المرأة، رغم أن المرأة الأردنية أبدت التزاما كبيرا وتفوقا وتمتلك طموحا تعانق به عنان السماء، إلا أن هناك الكثير من المعوقات من العائلة والقيود التي وضعها المجتمع الذي يكتفي بوضعها في الوظائف التقليدية التي تمنعها من الإبداع ويحرمها من أن تكون رائدة أعمال.
ومن جهة أخرى، تؤكد بركات ضرورة استثمار الجيل المقبل وتوعيته بأن المرأة قادرة ومؤهلة على أن تتفوق على الرجال في كثير من الأعمال.
"لم أستطع أن أنجز وأعمل أي شيء لولا دعم عائلتي"، تقول بركات التي تؤكد أن إيمان والديها بها وبركاتهما هي التي كانت الأرضية الصلبة التي انطلقت منها، موضحة أن كل فرد في عائلتها وأصدقائها بالمجمل كانوا داعمين حقيقيين لها.
وترى بركات أن الإعلام يلعب دورا مهما في كيفية تكوين نظرة المجتمع للمرأة، لافتة إلى أن دعم الإعلام الأردني للمرأة يختلف من جهة لأخرى، ففي أحيان كثيرة تكون هناك بعض الدعايات الإعلانية والبرامج الاستهلاكية التي تعزز الدور التقليدي للمرأة، وتؤكد الأسلوب النمطي، مؤكدة أنه لا بد من أن تخرج المرأة من إطار "التسليع إلى شخص منتج؛ فالمرأة شخص مبدع ومؤهل".

اضافة اعلان

[email protected]