زراعة النباتات والأشجار لها الثواب العظيم

مسجد السلطان حسان في المنطقة الإسلامية القديمة في القاهرة - (رويترز)
مسجد السلطان حسان في المنطقة الإسلامية القديمة في القاهرة - (رويترز)

عمان- الغد- جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تذكر المسلم بنعمة إنبات النبات والشجر، ليلفت الله انتباه الناس إلى أهمية هذه النعمة، فيشكروا الله على ذلك من جهة، وليعلموا أن حياتهم على الأرض ليست صدفة ولا فوضى، بل هي بترتيب حكيم من الله عز وجل.اضافة اعلان
يقول تعالى: "وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ . وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ. سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ".
كما جعل الله تعالى حياة الناس على وجه الأرض مرتبطة بالنباتات، فهي تتغذى من الأرض، والإنسان والحيوان يتغذيان من النبات، ثم يتغذى الإنسان من بعض الحيوانات، وليس باستطاعة الإنسان أن يتغذى من الأرض مباشرة، وحيثما عدم الغرس والشجر عدمت الحياة.
ولذا كان من رحمة الله أن أنبت لنا الزرع والشجر لتكون هذه الأرض صالحة لحياة البشر عليها، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) أي ترعى أنعامكم ودوابكم. وقال تعالى: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
وبرجوعنا إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد حرص الإسلام على زرع النباتات والأشجار، والثواب العظيم الذي يحصل عليه المسلم جراء زراعة الشجرة المثمرة، ففي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ). فما أروعها من صدقة جارية يستمر أجرها ما دامت الشجرة موجودة.
بل إن الحرص على زراعة الأشجار ولو ظهرت علامات الساعة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ).
إنّ الاهتمام بالزراعة مظهر حضاري يدل على فهم المجتمع لسنة الله في خلقه، ومدى صعوده في سلم الحضارة الإنسانية، ولقد رأينا المسلمين في عهودهم الزاهرة يعتنون بالشجر حتى غير المثمر، فيكفي ظله في أيام الصيف، وما يقع عليه من طيور تسبح الله تعالى، وتدعو لمن وفر لها الظل الظليل.
إن ميزة الإنسان المسلم أنه يزرع الأشجار لأن الله أمره أن يغرسها، ويزرع الأشجار لينفع عباد الله، ويزرع الأشجار ليعبر عن حضارة أمته وشعبه، ويزرع الأشجار لأن الخضرة مظهر من مظاهر الحياة، ويزرع الأشجار لينفع الأجيال المقبلة، سواء نفعته تلك الشجرة أم لا، ومن هنا قال آباؤنا: زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون. وبهذا تستمر الحياة على وجه الأرض.
جاء في الحديث الصحيح أن سلمان الفارسي رضي الله عنه أسلم وهو رقيق، فشارط سيده على أن يغرس له خمسمائة نخلة، فإذا عاشت فهو حر، فلما استشار النبي صلى الله عليه وسلم وافقه على ذلك، وأمره أن يهيئ الغراس، ويحفر لها الحفر اللازمة، فإذا تم ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ليغرسها بيده، وهكذا كان، وعاشت النخلات، وعتق سلمان رضي الله عنه، وانضم إلى الصحابة الكرام في نشر الإسلام وخدمة المسلمين، وكانت البداية غرس النخلات، وما أجدرنا أن نتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فنملأ أرضنا الطيبة شجرا مباركا تبعث خضرته البهجة في القلوب، ويستظل به الناس، وتتغذى منه الأجيال.
إن ما نشاهده من تصرفات بعض الناس من قطع للأشجار أو إتلافها أثناء تواجدهم في المتنزهات، لهو سلوك سلبي حاربه الإسلام وعده من باب الإفساد في الأرض فقطع الأشجار لمجرد العبث والاعتداء عليها بغير حق ينافي مأمورية الاستخلاف في الأرض وإعمارها، قال تعالى: "وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا".
وفي الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمراء جيوشه فيقول: "اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله ولا تغدروا.. ولا تقطعوا نخلا ولا شجرة ولا تهدموا بناء".
فإن حرم الإسلام قطع الأشجار في الحرب، فالاهتمام بها ورعايتها في الأوقات العادية واجب على كل مسلم ومسلمة.

د. حسن تيسير شموط
عضو رابطة علماء الأردن