"شغيل الحب": الصمت يربط الحواس والمكان بصور مذهلة

إسراء الردايدة

أبو ظبي - كل مخرج يقدم طريقته الخاصة في رصد التحولات التي تطرأ على مجتمعه، فيغدو الفيلم مساحة رحبة تطل على ذلك العالم الذي يمثله، من خلال حكاية تحكى بلغة وصورة، وفي "شغيل الحب" اختار المخرج الهندي اديتافيكرام سينغويتا الصورة لتكون مفتاح فيلمه.
الفيلم في البداية يمهد لتناول قضية العمال وكفاحهم لنيل حقوقهم، لكنها تتغير شيئا فشيئا، لتكشف عن حكاية ساحرة من خلال حركة كادرها التصويري وزاوية الكاميرا التي تجول في شوارع مدينة كالكوتا الهندية لعامل متوجه لبيته، في ما أصوات المحيط هي كل ما يسمع خلال مشاهد الفيلم كلها.
في عمل نال تنويها خاصا في مسابقة "آفاق جديدة" في الدورة الثامنة من مهرجان أبوظبي السينمائي، تبرز التفاصيل الدقيقة في المكان الضيق للحب الذي يكنه زوجان عاملان في كالكوتا الهندية.
الزوجان كل منهما يعمل في وقت مختلف، فلا يجمعهما سوى لحظات الدخول والخروج، بوتيرة بطيئة رقيقة تحكي تفاصيل الحياة اليومية، لزوجين كادحين، في ما الحوار أقل ما يوجد ما عدا في مشاهد نادرة متتبعا الطقوس والروتين التي تملأ حياة هذين الزوجين.
الزوجة تعمل في مصنع لخياطة الحقائب نهارا، والزوج يعمل في مطبعة للصحف ليلا، أما الشفق فهو صلتهما الوحيدة ولحظة اللقاء التي تزهر فيهما المحبة بأوجها.
الفيلم يحمل فنا في كل لقطة، تلك التفاصيل التي قد تكون مغدقة في بعضها، لأنها تخبرك بما يأتي لاحقا، لكنها غنية بعمق ما يفعله كلا الزوجين للبقاء على قيد الحياة والتمسك بفرص العمل في مناخ اقتصادي مهدد.
ويرصد "شغيل الحب" الطبقات الوسطى، في حياة مرهقة يظهر الشعر والحب بلغتهما الخاصة بدون كلمات، لكنها تصرفات وأعمال مليئة بالحياة لعين الناظر إليهما عبر الشاشة الكبيرة.
نغمة الفيلم هي التحولات من الحقيقي إلى السريالية المزعجة، فهذان الزوجان حين يريان بعضهما بعضا كل صباح، والإحباط المحيط بحياتهما، يطرح تساؤلات عن مدى ترابطهما وهل يكافحان للاعتراف ببعضهما بعضا، وهل يبتهجان حين يجتمعان؟
ومن أجزاء قليلة من البث الإذاعي التي نسمعها، يبدو الفيلم وكأنه في منتصف العام 2000، تأتي الألوان التي تنبض بالحياة في لحظات الصبح والمساء بينهما، في ظل انعدام الحوار لتخرج كلمات من خارج الشاشة، جنبا الى جنب مع الصور الشاعرية لكل حركة بدءا من إعداد الطعام البسيط الساخن ووضعه في أطباق وتنظيف المحيط في ما يمضي كل منهما في طريقه وحده في شقتهما الفارغة مع ترتيب كل شيء بعناية.
ويبزغ أمل الحب في الصورة الجميلة لحظة اللقاء التي تتحول لجنة أبدية تزهر بالخيال، وذلك الانهمار كالمطر في حساسية كل زاوية رصدته الكاميرا في 80 دقيقة، التي تبدو مملة وطويلة حتى المشهد الأخير الذي يبزر اتصال الكائنات في ما بينها وسط ضجيج الحياة اليومي الذي كان نفسه موسيقى الفيلم، لتكون أشبه بالمشي فوق سطح الماء لتعكس وقع الحياة اليومية لهذين الزوجين.
وفي تصريح إلى "الغد"، بين المخرج الهندي الشاب اديتافيكرام سينغويتا، أن فيلم "شغيل الحب" ولد من رحم الركود المتصاعد في كالكوتا؛ حيث فقد العديد من الناس مصادر رزقهم، في ما شخصيات الفيلم تتناول زوجين يمران في ضغط توفير لقمة العيش وسط روتين حياتهما المتوتر.
وحول غياب أي حوار في الفيلم، أكد سينغويتا أن الهدف من ذلك هو إشراك المشاهد بوقائع الفيلم، بدلا من كونه مجرد متفرج، منوها إلى أن النص الأصلي كان يضم حوارات، ولكن بعضها قصير جدا، والباقي يتيح للفيلم أن يتخذ مساره الخاص، في ما طلبت من الممثلين أن يتصرفوا على سجيتهم وبشكل طبيعي أمام الكاميرا، موضحا "وهنا وجدت أن الفراغات والصمت وتجربة المزاج أصبحت أكثر قوة، وأطلقت للشخصيات نفسها العنان لتحضر بصمتها.
أما الموسيقى في الفيلم فهي تعود لأغان بنغالية قديمة، مرت برقة خلال المشاهد كخلفية في الوقت الذي كانت فيه أصوات المحيط الطبيعي هي صخب الحياة.
وكفيلم مستقل، يبين سينغويتا أنه لاقى صعوبة في تمويله، لكنه في النهاية حقق نجاحا حين نال جائزة أفضل مخرج في فينيسيا في عرضه ضمن أيام فينيسيا السينمائية.

اضافة اعلان

[email protected]