طقم أسنان الغزال

خسرتُ ثلاثة أسنان. القاطعان العلويّان، والقاطع الجانبيُّ السفليُّ. حدث هذا في وقت سريع، تماماً مثلما تنهار خطوط دفاعيّة كان يُعتقدُ أنُّها صلبة ومُعدَّةٌ جيداً للحرب، وإذْ بها تتداعى عندَ أوّل اشتباكٍ حدوديٍّ، وكما تُحيلُ الصحفُ الأمرَ إلى “خيانة عظمى”، أنا أيضاً شعرتُ بالخذلان والخديعة. رجلٌ أسود الرأس كان قبل شهر يستهلُّ الخمسين بجودة شاب في الخامسة والثلاثين، وفي أقل من أسبوعٍ، لا يجرؤ على الضحك أمام زملائه في البنك، ويخشى لاضطرار نطق حرفي السين والثاء في الحوارات الضروريّة مع العملاء. خسرتُ حرباً لم أخضها، كما يبدو، وثلاثة أسنان سقطت دون مقاومة كالبراميل الفارغة بين الحدود.اضافة اعلان
أصبتُ بإعياء، وانتشر ألم سريعٌ في جسدي كما ينتشر جنودٌ في ولاية غير مسيّجة، ودوخة زائدة، فسّرتها بنكدي الزائد، بعدما وُضِعَتْ لي أسنان بديلة، غير ثابتة، يمكنني أن أخلعها بعد العودة من البنك، فقط لأيّام قليلة حتى أستطيع الحصول على إجازة مريحة لزراعة ثلاث أسنان ثمينة أخبرني الطبيب في المركز المرموق أنّها تصنّع من مادة توجد في قعر البحر. إلا أنّ الأفكار شديدة السوء، لم تتبدّد، اعتبرتُ هذا السقوط السريع للأسنان بلا مقاومة إنذاراً لدخولي مرحلة الشيخوخة، وأنني أغادر الكهولة مطروداً قبل عشر سنوات من عمرها الافتراضي. لن أعود صالحاً للحبِّ خارج البيت الزوجيِّ، وربّما يعجز المركز المرموق عن حلِّ عصريِّ إذا سقطت كلُّ أسناني كالسياج اللبنيّة، عندها عليّ أن أتحضر لطقم من أسنان الغزال يوضع في كأس الماء بعد وجبة الغداء!
الأسنان المصنوعة كانت بيضاء كاللبن بلا دنس، وكان اللون ناشزاً على حالة الأسنان الأصلية التي مسّها اصفرار النيكوتين، فذهبتُ مع الطبيب في سيارته إلى معمل قرب وسط البلد، لتوحيد اللون إلى شبه الأصفر الغالب. صرتُ أحاول الابتسام في مرآة السيارة، والمرآة الدائرية المقرّبة لتقيلم الحواجب، وفي شاشة الهاتف المحمول عندما تعتم، لأتأكّدَ من الانسجام بين الأسنان الأصلية والمزروعة، وابتهجتُ كمَنْ استجابَ له الله بالمنِّ عليه في الخمسين بسنِّ الغزال، في المقايضة غير العادلة التي كنّا صغاراً نعقدها مع الشمس حين نضع الأسنان المخلوعة تحت خيوطها ونتمنى، لكنّي تذكّرتُ الدوخة الغريبة، وإحساس بفراغ في جسدي كأول حظر للتجوال بعد الغزو. ذهبت إلى طوارئ المستشفى الخاص، الطبيب العام، كتب لي أدوية محفوظة في ذاكرته، تصرف عادة لمن هم مثلي في سنِّ التوهُّم، ويتجنبون الطرق إلى الغيْب.
أخذتُ مثل أيِّ مريض كلَّ المشروبات العشبية التي استندت زوجتي في إقناعي بها إلى خبرة أمّها السبعينية، وبالطبع ينبغي أنْ تذكرَ مع كلِّ مشروب عشبي ساخن حالة أو اثنتين لأقرباء أو معارف لأمها شفيوا تماماً من التوعُّك الغامض بـ “الميرمية” و”النعنع” “اليانسون” و”البابونج” وأعشاب أخرى تقبل إضافة ملعقة عسل. لكنِّي اتجهتُ لإجراء فحوصات دقيقة، وفي صباح قريبٍ كان لي موعد أخير لمعرفة النتيجة. عند آخر إشارة حمراء، ابتسمتُ لأطمئن على الانسجام بين أسناني الأصلية والدخيلة، لكنّ ورقة في صحيفة قديمة خرجت من الذاكرة الطويلة، وتحت صورة ملونة ضاحكة، عنوان يربط بين التساقط السريع للأسنان والإشارة المشؤومة للإصابة بالسرطان.
.. خرجتُ من العيادة، كانت الأرضُ تهتزُّ، وقدماي تحاولان التشبث بها، والشمس تدور.