عائلات ترسم طريق النجاة لسيدات من سرطان الثدي

تحقيق: منى أبو صبح

عمان- "تشجيع الفتيات على إجراء الفحص المبكر لسرطان الثدي" هو محور القضية التي وضعتها عائلة أبي هاني على طاولة النقاش في اللقاء الدوري الذي سنته الأسرة الممتدة كتقليد أسبوعي يقام كل خميس ويجمع فيه الجدة والأبناء والأحفاد.اضافة اعلان
كان الحماس سيد الموقف في الجلسة الحوارية النقاشية التي تناولت تفاصيل الفحص المبكر ما بين مؤيد للفكرة ومعارض لها رغم اقتناع أفراد العائلة، بشكل عام، بأهمية دور الأسرة في نشر الثقافة والوعي الصحي بين أفرادها.
تضم عائلة أبو هاني 25 فردا من بينهم (5 نساء) في سن تتطلب إجراء فحص سرطان الثدي ولم يجرِنه حتى الآن رغم الحملات التوعوية السنوية التي يدعو إليها برنامج سرطان الثدي، بالإضافة إلى الدعم النفسي والمادي من رجالهن لتشجيعهن على إجراء الفحص المبكر حرصا على سلامتهن.
بداية لم تتقبل السيدات فكرة إجراء الفحص، لنقص المعلومات لديهن حول هذا الموضوع، أو بسبب ما أطلقته الجدة السبعينية أم هاني من مخاوف حول سيطرة فكرة الموت على بناتها وحفيداتها، إلا أن صوت أحفادها اليافعين بـ"أن المرض قابل للشفاء إذا اكتشف مبكرا" بدد مخاوف الجدة وحفيداتها.
عائلة أبي هاني من بين العائلات الممتدة، التي لها تقليد عقد اجتماعات أسبوعية، تجمع أجيالا عدة، وتحاول نشر المعرفة والوعي حول قضايا اقتصادية وسياسية واجتماعية وصحية مهمة منها سرطان الثدي، والأمراض المزمنة كالسكري والسمنة وأمراض القلب.
وبما أن للعائلة دورا مهما في التوعية والإرشاد والإقناع بإجراء الفحص المبكر، يرى الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، أن العائلة الممتدة التي يقودها الأجداد وهم أصحاب الخبرة والمعرفة والتجربة يكون لهم تأثير أكبر على سيداتهم، وبخاصة إذا قاموا بدورهم في تشجيع الأبناء والأحفاد على السلوكيات الإيجابية.
هؤلاء الأجداد، يحظون باحترامهم ومكانتهم ويشكلون للسيدات داعما كبيرا في اتخاذ قراراتهن في إجراء الفحص المبكر لسرطان الثدي.
كما أن دعم الأهل والمجتمع للمصابات بسرطان الثدي مهم، من وجهة نظر الخزاعي، لأن الدعم النفسي جزء من العلاج وطريق الشفاء، منوها إلى أهمية مشاركة المجتمع المحلي في دعم المبادرات والمراكز التي تعمل على خدمة النساء في مواجهة المرض.
"لمتنا الحلوة" سرطان الثدي
في لمة نسوية دافئة، نقلت إحدى السيدات تجربة اكتشاف إصابتها بسرطان الثدي، وكيف خضعت لإجراء فحص أشعة الثدي (الماموغرام)، ومراحل علاجها، إلى أن تعافت ونجت من براثن المرض.
السيدة المتعافية هي من "لمتنا الحلوة" التي تحتضن سيدات من عائلة واحدة، قررن قبل سبعة عشر عاما مضت عقد اجتماعات في منزل كل واحدة منهن شهريا، بهدف مناقشة أحد المواضيع الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية.
وبدأت هذه اللمة بـ(11) سيدة إلى أن وصلت لغاية (50) سيدة، بتن يشكلن بيئة داعمة لهن ولغيرهن من النساء بهدف تشجيع بعضهن بعضا لإجراء الفحص المنزلي أو السريري.
اختارت "لمتنا الحلوة"، بالتزامن مع الحملة التي أطلقها البرنامج الأردني لسرطان الثدي هذا العام، تحت شعار "أنت الحياة... افحصي وطمنينا"، التي ينتشر الإعلان عنها في كل مكان، الحديث عن أهمية الفحص، بحسب رئيسة المجموعة إيمان الظاهر.
وتحدثت إحدى سيدات "لمتنا الحلوة" عن مرض السرطان وأعراضه، وخطوات الفحص الذاتي، وطرق الوقاية منه، وفرص الشفاء من سرطان الثدي، التي تصل إلى 90 % في حال الكشف المبكر، كما زودت مدرسة مادة الأحياء صديقاتها بمعلومات إضافية علمية بحكم خبرتها في هذا المجال.
واتفقت السيدات اللواتي بلغ عددهن (15) سيدة تتراوح أعمارهن ما بين (40 - 60 عاما) على ضرورة إجراء الفحص المبكر لسرطان الثدي ضمن مجموعات، معتبرات ذلك "تحديا لهن من أجل صحتهن وسعادة أسرهن".
ويعد متوسط عمر الإصابة بسرطان الثدي بين الأردنيات 51 سنة، وهو أقل بكثير من أعمار السيدات في البلدان الأوروبية والأميركية بنحو عشر سنوات، بحسب السجل الوطني للسرطان ووزارة الصحة.
"أنت الحياة... افحصي وطمنينا"
تحلم الأميرة غيداء طلال رئيسة مؤسسة الحسين للسرطان "بأن يأتي اليوم الذي تخضع فيه كل سيدة للفحص المبكر لسرطان الثدي في الوقت المناسب، ونكون بذلك قد حققنا إنجازا مهما في رحلة كفاحنا لمرض السرطان، واتخاذ حياة أعز الناس على قلوبنا، فهو ليس مجرد شعار، ولأنك الحياة.. افحصي وطمنينا".. وفق إحدى الرسائل التوعوية والإرشادية التي نشرتها الأميرة غيداء عبر صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وترسيخا لهذا الحلم، وجد البرنامج الأردني لسرطان الثدي أن العائلة لها التأثير الأكبر في قرارات المرأة في مجتمعاتنا، من خلال الدراسات التي قام بها؛ حيث إن المرأة تعطي الأولوية لعائلتها في أغلب الأحيان، فعندما يأتي التشجيع والدعم من العائلة ذاتها، فإن التأثير يكون كبيرا وإيجابيا على السيدة.
كما وجد البرنامج من خلال الاجتماع مع الشركاء في الوطن العربي ردة الفعل المماثلة على أهمية دور العائلة في حياة المرأة والعكس صحيح.
ويعلق الدكتور الخزاعي على أهمية مواقع التواصل الاجتماعي التي تتمتع بمصداقية وتعنى بالتوعية والإرشاد، لافتا إلى أهمية التفاعل الإيجابي وطرح الأسئلة والاستفسارات بين الخبراء والجمهور، وتلقي الإجابات المقنعة، ومن ثم تبادل هذه المعلومات بين أفراد الأسرة والاستفادة منها.
ودعا الخزاعي الجهات المسؤولة في التوعية والإرشاد حول مرض سرطان الثدي إلى استغلال وسائل التواصل الاجتماعي المؤثرة، ونشر الرسائل التوجيهية بشكل مستمر ومتواصل؛ لإقناع المجتمع بفئاته كافة، وبخاصة الرجال، وتشجيعهم على قيام زوجاتهم بإجراء هذه الفحوصات؛ كونها تعود بالفائدة على صحة الأسرة.
تطبيق عملي للفحص المبكر
بعد جدل طويل بين المعلمة في إحدى المدارس الخاصة روان العشا وابنة خالتها الخمسينية أم ضياء، التي تتذرع دائما بانشغالها، تمكنت المعلمة من إقناع الأخيرة بضرورة إجراء الفحص الطبي لسرطان الثدي؛ حيث قامت فورا بإجراء مكالمة هاتفية مع وحدة الكشف المبكر لسرطان الثدي لتحديد موعد المراجعة، ومتابعة الأمر باصطحابها في الموعد المقرر لعيادة الفحص.
تعلق مديرة وحدة الكشف المبكر عن السرطان التابعة لمؤسسة الحسين للسرطان، الدكتورة يسار قتيبة، في حديثها لـ"الغد"، قائلة "إن السيدة التي تراجع وحدة الكشف المبكر لسرطان الثدي، سواء لديها أعراض أم لا، نادرا ما تأتي بمفردها، فيأتي معها مرافق أو اثنان أو ثلاثة من (أفراد العائلة)، سواء زوجها أو ابنتها أو شقيقتها، أو إحدى القريبات أو الصديقات، الذين يؤدون دورا مهما في دعمها وتشجيعها".
وتوضح قائلة "يمتد الفرح من المراجعة والمرافقين لها عندما تطمئن على نفسها، وتعلم بأنها غير مصابة إلى كادر وحدة الكشف.. وعليه تتحول إلى مرشدة تشجع الأخريات على الفحص (كونها خاضت التجربة)".
وتنصح قتيبة دائما الفتيات اللواتي في سن العشرين بإجراء الفحص الذاتي، وأيضا عمل فحص سريري كل عامين، وتدعو كذلك من هن في سن الثلاثين لإجراء الفحص السريري كل عام، أما في سن الأربعين، فحتى لو كانت نتيجة الفحص السريري إيجابية، فإن عليها إجراء فحص الماموغرام؛ لأن نسبة الإصابة في هذه السن أكبر.
ثقافة الكشف المبكر تترسخ في المجتمع
شعرت الخمسينية علياء باطمئنان مؤقت، عقب إجرائها الفحص السريري في عيادة الكشف المبكر في مركز الحسين للسرطان، رغم تأكيد الطبيبة لها أن نتيجة الفحص إيجابية.
تقول علياء: "قامت الطبيبة بتحديد موعد في شهر كانون الأول (ديسمبر)؛ أي بعد ثلاثة أشهر متتالية من الفحص، بعد إجرائها الفحص ومعرفتها بعدم وجود إصابات للأقارب من الدرجة الأولى في المرض، لكن رغم ذلك فضلت لو أن الموعد أقرب لأشعر بالاطمئنان أكثر".
وتوضح الدكتورة قتيبة أن السيدة في عمر الأربعين يجب أن تلجأ للفحص المبكر، كما أن السيدات اللواتي لديهن قريبات من الدرجة الأولى (أم، ابنة، أخت) مصابات، عليهن إجراء الفحص قبل سن اكتشاف السيدة للإصابة بعشر سنوات، فمثلا إذا أصيبت سيدة بسن الخمسين على قريباتها إجراء الفحص وهن في سن الأربعين، وهكذا.
ويزداد إقبال السيدات اللواتي يراجعن الوحدة في مركز الحسين للسرطان، وفق قتيبة، في الحملات في تشرين الأول (أكتوبر)، كما أن هناك العديد من المؤسسات والقطاعات الصحية التي تقدم خدمات للسيدات في إجراء الفحص، منها تخفيض القيمة المالية لفحص "الماموغرام"، والفحص السريري مجانا.
وحول آلية تحديد الموعد، توضح قتيبة أن السيدة تتصل هاتفيا، ويتم تحديد موعد لها لإجراء الفحص السريري عقب انتهاء الدورة الشهرية، وهذا أفضل للنتيجة، وبناء على تشخيص الحالة يتم تحديد الموعد الثاني لإجراء فحص "الماموغرام"، إن كانت سلبية يحدد موعد قريب جدا، أما النتيجة الإيجابية فيحدد موعد أبعد.
وتعتبر قتبية أن ثقافة الكشف المبكر في المجتمع الأردني إيجابية، معللة ذلك بأنه في السابق العام 2000 كانت السيدات اللواتي يأتين لإجراء الفحص (من كل 20 حالة تأتي 18 حالة لديها أعراض)، أما الآن (من كل 20 حالة تأتي 7 حالات ليست لديها أعراض) أي ثلث النسبة.
وبحسب مدير مديرية الأمراض غير السارية في وزارة الصحة الدكتور أيوب السيايدة، فإن مجموع الإصابات بمختلف أنواع السرطان المسجلة للعام 2013 وفق السجل الوطني للسرطان ووزارة الصحة بلغ (8744) حالة منها (5416) حالة بين الأردنيين بما نسبته 61.7 % من إجمالي عدد الحالات، مقارنة مع (7454) حالة للعام 2012 منها (5013) أردنيين بنسبة (67.3 %).
وحول عدد حالات سرطان الثدي الجديدة بين الأردنيات، أكد السيايدة أنها بلغت (1040) حالة بنسبة 19.7 % من إجمالي الحالات بين الجنسين وبنسبة 36.5 % من حالات الإناث مقارنة بـ(994) للعام 2012.
عائلتي دعمتني في مرضي
لحظة اكتشاف الإصابة بسرطان الثدي، تداخلت الأفكار برأس الناجية رولاند البواب (43 عاما) وسيطرت عليها أفكار الموت، والخوف والقلق على أطفالها الصغار، وكيف سيعيشون من بعدها، خصوصا أنها أصيبت بالمرض قبل تسع سنوات مضت.
هزمت البواب المرض وتغلبت عليه، فلم يكن منها سوى إقناع ذاتها بأهمية الثبات والإرادة عقب معرفتها بإصابتها بسرطان الثدي (الدرجة الثالثة) لدى مراجعتها طبيب النسائية صدفة.
وتضيف "لم أستطع الصمود لولا دعم عائلتي، فلم يكن من والديّ سوى الحضور والإقامة في منزلي خلال فترة العلاج، التي استغرقت ستة أشهر لمساندتي ورعاية شؤون أطفالي الأربعة، ما أدخل الفرح والاطمئنان على قلوبهم، إلى جانب دور زوجي العزيز، الذي لم يتوان عن تقديم الدعم المعنوي في لحظات الألم والضعف".
وقررت البواب الانضمام لمجموعة "سند"، وهي مجموعة من السيدات الناجيات من سرطان الثدي، يقدمن الدعم النفسي للسيدات المريضات في مركز الحسين للسرطان، مبينة أنها شعرت باطمئنان نفسي كبير، جعلها تتغلب على الألم حين علاجها وحديثها مع الناجيات، اللواتي لم يترددن في الإجابة عن استفساراتها ومخاوفها، ومن أبرزها سقوط الشعر.
وتعد مجموعة "سند" أول مجموعة دعم ومساندة لمرضى السرطان في مركز الحسين للسرطان، وقد تأسست منذ العام 2003، وتضم ناجيات من مرض سرطان الثدي، وتهدف إلى دعم مرضى السرطان بشكل عام، ومريضات سرطان الثدي بشكل خاص، دعماً نفسياً واجتماعياً بهدف مساعدتهن على مواجهة المرض، وتقبل العلاج الطبي، وتزويدهن بالخبرات السابقة التي مررن بها.
الباحثة الاجتماعية والمشرفة على مجموعة "سند"، رجاء الصالحي، تقول لـ"الغد": "بالعادة تتواجد ناجية أو ناجيتان من المجموعة في عيادة العلاج بالكيماوي؛ لتقديم الدعم والتشجيع لمرضى السرطان، كما تزود مجموعة "سند" مريضات السرطان بـ(باروكات للشعر)؛ لرفع الروح المعنوية لديهن، والتخفيف من أثر العلاج الكيماوي".
وتنوه الصالحي إلى أن "المريضة تواجه مشكلات كثيرة من أهمها عدم دعم المجتمع لها"، ولذلك، فهي تضم صوتها للأصوات التي تطالب بالعمل على "إزالة وصمة العار عنهن، وبخاصة أن بعض السيدات يرفضن الامتثال للعلاج حتى لا يصمهن مجتمعن بأنهن يمتلكن ثديا واحدا". وتشير إلى أهمية الدعم النفسي الإيجابي للمريضة، ودور الأسرة الكبير في تنظيم حياتها.
البرنامج يذلل التحديات
يقوم البرنامج الأردني لسرطان الثدي بعمل أنشطة مختلفة على مدار العام لتحقيق أهدافه، وهي رفع نسبة السيدات اللاتي يكتشفن المرض في المراحل المبكرة وخفض نسبة الوفيات من مرض سرطان الثدي.
وتوضح مديرة البرنامج نسرين قطامش، إلى أن الخوف هو أحد أهم المعوقات التي تمنع السيدة من عمل الفحوصات الدورية للكشف المبكر عن سرطان الثدي، بالإضافة إلى المعوقات المالية والاجتماعية؛ أي لا يوجد مرافق للذهاب للقيام بالفحص، لم يوافق الزوج على الذهاب لإجراء الفحص، الانشغال وعدم توفر الوقت، إلى جانب معوقات شخصية تتمثل في الخوف من إجراء الفحص ونتيجته، الخوف من الإصابة بالسرطان، وعدم قناعة السيدة بأهمية الفحص.
وتقول قطامش لـ"الغد": "يتبع البرنامج أسسا علمية لمواجهة هذه المعوقات وإزالتها، من خلال تغيير سلوك المرأة وقناعاتها، وتأكيد أهمية الفحوصات الدورية في إنقاذ حياتها".
ومن أهم المحاور التي يعمل البرنامج على تطبيقها، أيضا محور تفعيل خدمات الكشف المبكر، لافتة إلى "إعداد تدريبات مكثفة لمقدمي الخدمة من فنيي الأشعة إلى أطباء الأشعة على أيدي أهم أطباء عالميين".
ويدعو البرنامج والمختصون المصابات إلى كسر حاجز الصمت، وتهشيم الوصمة المجتمعية، بأن ينشرن قصص نجاحهن في المجتمع بلا خجل، كونها تؤدي دورا مهما في تشجيع السيدات على الكشف المبكر لسرطان الثدي وإيصال الأردن إلى مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال.