"فتة شاي" إفطار عائلة غزية يهدها الفقر والمرض

ملابس العائلة مبعثرة لعدم وجود خزانة - (تصوير ساهر قدارة)
ملابس العائلة مبعثرة لعدم وجود خزانة - (تصوير ساهر قدارة)

حنان الكسواني
عمان- إلى جانب المقبرة القديمة في جبل الأمير فيصل في منطقة الرصيفة، يتغلغل الفقر والمرض في تفاصيل حياة أسرة غزية، حدّ صعوبة التمييز إن كان أفرادها على قيد الحياة أم لا.

اضافة اعلان


ويتضح ذلك جليا في الأربعينية عائشة، بعد أن نال مرض التصلب اللويحي المتعدد من جسمها النحيل فتحولت الى ما يشبه الهيكل العظمي، ورغم ذلك تجرّ نفسها جرا وببطء لجمع بقايا الخضار المتعفنة من محلات الخضار أو البسطات الخشبية، لعلها تسد قوت طفلتيها وزوجها العاطل عن العمل المصاب بجلطات دماغية متكررة وتصلبا في الشرايين، حتى بلغت نسبة العجز الجسدي لديه 80 %، بحسب تقاريره الطبية الحكومية.


وعند عودتها الى منزلها الذي تحول الى مكرهة صحية من فوائض الصرف الصحي الذي تنبعث من مياهه رائحة كريهة تندمج بدورها مع رائحة رطوبة المكان، فتنفض عائشة التراب عن جلبابها وتجلس ساعات طويلة لاستصلاح بقايا الخضار بما يساعدهم على إعداد طبقهم اليومي.


وتتوقف هنا كلمات وصف مشهد حقيقي لأسرة اعتادت كل ما يتعلق بمفردات الفقر والحرمان، حتى إنها باتت تتعايش مع الفئران التي تتغلغل بين ملابسها البالية المبعثرة في كل مكان، بعد ان تكسرت رفوف خزانتها الخشبية القديمة.


بدا وجه عائشة (اسم مستعار) غارقا في ظلام الغرفة المعتمة وهي تراقب طفلتيها ومطبخها بجدرانه المتشققة الآيلة للسقوط، وموقد غاز المطبخ ذي الثلاث عيون الصدئة، والثلاجة الفارغة من أي طعام، ما عدا كسرة خبز هي كل ما تحويه رفوفها.


وتغطس أقدام من يزور منزل عائشة في مياه المجاري، وبين “الكراكيب” حتى ليعجز أن يجد أي مقعد او فرشة يجلس عليها، فمرض عائشة يشل من حركتها، حيث باتت تعتمد على طفلتها (14 عاما) التي تحاول أن توزع وقتها ما بين الدراسة في الصف التاسع، وتنظيف غرفتها وتعليم شقيقتها الأصغر، وإعطاء والدها علاجاته اليومية.


ابنة عائشة، هذه الطفلة التي حرمها الفقر والجوع ومرض والديها من ممارسة أي طقوس طفولية تحلم بها أي طفلة، تعبر بكلمات مبعثرة عن حلمها: “أنا بدي أدرس منيح عشان آخذ شهادة وأشتغل وأخلص من هالفقر الي إحنا فيه”.


وعلى الرغم من أن عائشة تتقاضى معونة وطنية قدرها 45 دينارا، لكن طفلتيها سقطتا من حسابات أي مزايا حكومية لكونها متزوجة من رجل لا يحمل الرقم الوطني، حسب قولها لـ”الغد”.


وتتابع عائشة وهي تحبس دموعها: “ما فيّ حيل أشتغل، وأدويتي ما حسنت من حالتي”، مضيفة: “ايجار بيتنا مكسور من 3 شهور.. وما حدا بيرحم إلا رب العباد”.


وتتآكل المعونات التي تتلقاها هذه الأسرة من أهل الخير، والتي ما إن تجمعها عائشة وتقسمها على المتطلبات الضرورية حتى تتبخر تماما، بين إيجار منزلها الشهري البالغ 65 دينارا، ونفقات المواصلات التي تحتاجها للوصول الى مستشفى الأمير حمزة للحصول على أدويتها المجانية.


وما يتبقى من ميزانيتها، وبخاصة في رمضان، تنفقه أحيانا على ثمن كيلوغرام من الخبز مع بعض الشاي والسكر لصنع “فتة الشاي” كي تفطر عليها العائلة كلها بعد أن غاب عن مائدتها أي نوع من اللحوم الحمراء والبيضاء.


“والله رمضان رحمة للفقير، فبنتي الكبيرة بتصوم وبتروح بلا مصروف، وما حد بيعرف عن جوعها ولا عن وجعها”، على حد تعبير عائشة.


وتطمح العائلة إلى مساعدة الجمعيات الخيرية والمبادرات الشبابية لتمكينها من صيانة منزلها، وتأمين فرشات اسفنجية وخزانة خشبية لجمع ملابسها المبعثرة، إضافة إلى تجديد ثلاجتها المهترئة وموقد الغاز المهترئ.

 

إقرأ المزيد :