في صميم أزمة التعليم (2 /2)

إذا كانت الإحصاءات الدولية تذهب إلى أن 80 % من الأعمال الريادية الناشئة، والتي يقدمها في العادة شباب تخرجوا حديثا في جامعاتهم، تسقط في أول ثلاث سنوات من عمر هذه الأعمال، كما الحديث عن تعليم نوعي ورياديين وأفكار قابلة للتطبيق في اقتصادات ضخمة، فكيف تكون الحال إذا ما عرفنا أن التعليم لدينا رديء نسبيا، وأن سوق العمل والاقتصاد ليسا مغريين للطلبة وحديثي التخرج على حد سواء؟!اضافة اعلان
في المقال السابق، تركز التحليل على مناقشة أزمة التعليم لدينا بعد النتائج الصادمة لامتحان الثانوية العامة "التوجيهي". وفي اعتقادي أن الأزمة الأكثر خطورة تتمحور حول جودة التعليم ومضامينه. ولا بد هنا من التذكير بصورتنا غير المنافسة في التقارير الدولية بشأن هذا الموضوع. فنتيجة تقرير منظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية"، والتي أعلنت مؤخرا حول جودة التعليم في العالم، كانت مخيبة للآمال بالنسبة للدول العربية التسع المشمولة بالمسح الذي ضم 76 دولة؛ إذ حصدت الدول المتقدمة اقتصاديا في آسيا المراكز الأولى، فجاءت سنغافورة في المرتبة الأولى، تليها هونغ كونغ، فكوريا الجنوبية واليابان وتايوان. فيما جاء موقع الدول العربية متأخرا: الإمارات (45)، البحرين (57)، لبنان (58)، الأردن (61)، تونس (64)، السعودية (66)، قطر (68)، سلطنة عمان (72)، المغرب (73). أما الدول العربية الأخرى غير المشمولة بالمسح الذي ركز على نتائج طلبة الثانوية في مادتي الرياضيات والعلوم، فهي أسوأ حالا، بل وبعضها طوى صفحة التعليم خلفه وتفرغ للاحتراب والاقتتال.
وتتساوى في الرداءة هنا الدول الفقيرة والغنية في عالمنا العربي؛ فالميزانيات المخصصة للتعليم ضعيفة وعاجزة، لا تتجاوز 3.8 % من الناتج المحلي الإجمالي. وفي عمق الأزمة، يعتمد الطلبة على الحفظ -عن ظهر الغيب- والتلقين بعيدا عن أنماط التفكير المعاصرة التي تحفز على التساؤل والتحليل والمنطق والربط الذكي. ولا أعلم ما هي جدوى تخزين المعلومات وحشوها في أدمغة الطلبة، رغم أن هذه المعلومات وغيرها الكثير متوفرة على الشبكة العنكبوتية المتاحة للجميع كما هو مفترض. هذا علاوة عن أن الزيادة العددية والاكتظاظ سببان في تشتيت الطلبة وإضعافهم؛ إذ هناك، عربيا، معلم لكل 25 طالبا، بحسب البنك الدولي، بينما يبلغ المعدل عالميا بين 11-17 طالبا لكل معلم، وهناك غرف صفية يفوق عدد الطلبة فيها 50 طالبا، فعن أي تعليم نتحدث؟!
وفي الأردن تحديدا، ثمة أزمة نتشابه فيها ايضا مع دول عربية أخرى، لكنها أكثر خطرا لدينا، وهي الاستمرار في تهميش مدارس الحكومة على حساب التوسع الكبير في المدارس الخاصة؛ المرتبطة بأنظمة تعليم دولية، لكن الاستثمار الذي يقف خلف كثير من هذه المدارس يهتم بالدرجة الأولى بتكريس الطبقية بمعناها الاقتصادي والاجتماعي، ويعزز مستوى العزلة بين أبناء البلد الواحد، إضافة إلى الهرولة نحو التغريب في اللغة والثقافة وأنماط التفكير بالنسبة لأجيال لا تعرف إن كانت تتبع الشرق أم الغرب.
التعليم الرديء أو الهزيل الذي لا يؤسس لاقتصاد منافس. ويجب أن تتخلص الدول من أنماط التعليم القديمة، وتلحق بركب العصرنة؛ عبر فتح العقول والمدارك، لا التستر وراء ميزانيات تستهدف "عدوا" لم نقلقه يوما، وخسرنا في ظل هذه الخديعة كل ما لدينا، حتى تعليم أبنائنا.