"كورونا".. هل يصبح عمل الأطفال مقبولا؟

طفل يعمل في محل لإصلاح المدافئ بعمان - (الغد)
طفل يعمل في محل لإصلاح المدافئ بعمان - (الغد)

نادين النمري

عمان – لئن كانت جائحة كورونا تجاوزت خطوطًا حمراء عدة في الفضاء الصحي، فإنه يخشى أنها بدأت تكسر أيضًا بعض المحرمات في الفضاء الاجتماعي العام، ومن ذلك قبول فكرة عمل الأطفال التي تعتبرها منظمات الأمم المتحدة أشبه ما تكون بـ"تجارة البشر"، جراء ما يمكن أن يتعرض له الطفل في سوق العمل من استغلال في الأعمال الشاقة التي لا يحتملها جسده الغض، فضلًا عن الغبن المادي الذي يلحق به كونه لا يستطيع الدفاع عن حقوقه.اضافة اعلان
محليا، حذر مختصون من تغييرات في اتجاهات ومواقف المجتمع والأسرة، تجاه عمل الأطفال، ففيما كان هناك رفض بين غالبية أفراد المجتمع تجاه هذا الأمر، لكن يلاحظ أنه بعد مرور عام ونصف العام على جائحة "كوفيد19"، أصبح هناك قبول أكبر لهذه "الظاهرة".
وجاء هذا التحذير خلال ندوة عقدتها جمعية تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان حول "الحماية من عمل الطفل: بين التشريع والتطبيق"، واصفين إياه بأنه "خطير وله تبعات قاسية"، ومرجحين ارتفاع معدلات عمل الأطفال بنسب غير مسبوقة.
ولم يكتف الخبراء بذلك، بل دعوا إلى ضرورة إجراء مسح وطني عام جديد لعمل الأطفال الذي وصفوه بأنه بات "ظاهرة"، لافتين إلى أن الأرقام الموجودة حاليا قديمة تعود للعام 2016، ولا تعكس التغييرات التي حدث أخيرا، وتحديدا تلك المرتبطة بجائحة كورونا التي أدت إلى إغلاق المدارس والتحول إلى التعليم عن بعد، فضلا عن تدهور أوضاع الأسر الاقتصادية نتيجة سياسات الإغلاقات والحظر.
وشددوا على ضرورة وضع خطة تنفيذية مستعجلة على المستوى الوطني تعكس إرادة حقيقية لمواجهة هذه المشكلة، بحيث تبدأ بوضع آلية لإعادة الطلبة المتسربين ومن لم يتمكنوا من الاستمرار في تعليمهم خلال الجائحة إلى مقاعد الدراسة، وتذليل سائر العقبات التي قد تدفع بالطلبة للانسحاب مجددا والعودة إلى سوق العمل، بما يشمله ذلك من دعم نفسي واجتماعي، وبرنامج تعليمي مناسب وتعويض الفاقد الأكاديمي، إضافة إلى توفير الدعم النقدي والتمكين الاقتصادي للأسر التي باتت تعتمد على أطفالها كمعيلين للعائلة.
وأكدوا أهمية السير بإقرار مشروع قانون حقوق الطفل الذي يوفر الحماية للأطفال من العمل، كما يوفر ضمانات لاستمرار الأطفال في تعليمهم الأساسي، إلى جانب تعديل قانون وزارة التربية والتعليم، الذي وإن نص على إلزامية التعليم الأساسي لكنه لم يضع آليات لضمان هذه الإلزامية، معتبرين أن التأخير في إقرار هذه التشريعات يعود بأثر سلبي في مواجهة الظاهرة.
من جانبها قالت المديرة التنفيذية لجمعية تمكين لندا كلش، إن الجمعية أطلقت برنامج للتخفيف والحد من أشكال عمل الأطفال في الأردن، نتيجة تفاقم مشكلة عمل الأطفال خلال الجائحة، مشيرة إلى أنه "رغم أن آخر إحصائية رسمية عن عمل الاطفال تعود للعام 2016، لكن مسألة زيادة الأطفال العاملين والمتسولين باتت ظاهرة بشكل أكبر للمراقب، من حيث الوجود الملحوظ للأطفال في المنشآت، وكذلك الانتشار الكبير لتسول الأطفال في الشوارع".
ولفتت كلش الى تغييرات في اتجاهات الاهالي ففي حين "كان يسيطر الخجل على الأسر قبل الجائحة تجاه تشغيل أو عمل أطفالهم لكن الأمر تحول خلال الجائحة الى طبيعي وحتى الفخر في بعض الأحيان بأن الطفل يقوم بمساعدة أسرته".
وحول برنامج التخفيف والحد من اشكال عمل الاطفال الخطرة في الاردن الذي تنفذه تمكين، بينت كلش ان البرنامج يهدف لتعزيز القدرات المحلية نحو تحقيق بيئة تتمتع بالوقاية والحماية من عمل الطفل والتسول كأسوأ أشكال عمل الطفل، حيث تطور فكرة البرنامج حول مبدئي الحماية وسبل العيش.
وأوضحت أن البرنامج يتضمن خطة استراتيجية مرتبطة بالإطار الوطني لمكافحة عمل الأطفال بالشراكة مع وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة العمل، لافتة الى أن البرنامج يتضمن اطلاق تحالف لمكافحة عمل الاطفال.
ويشمل البرنامج وفق كلش محاور بناء القدرات المعرفية للعاملين في المؤسسات الحكومية، والصحفيين والجمعيات الشريكة، تطوير القدرات المؤسسية لكل من وزارتي العمل والتنمية الاجتماعية عبر تقديم الخدمات مباشرة تدعم قدرة المؤسستين على ضبط وحماية الاطفال العاملين والمتسولين، ورفع الوعي للاطفال العاملين ومقدمي الرعاية ومشغلي الاطفال بخصوص مشكلة عمل الاطفال.
من جانبها بينت المفتشة في وزارة العمل- قسم تفتيش الحد من عمل الاطفال دانا شحادة أن المسح الاخير للعام 2017 والذي اظهر وجود 78 ألف طفل عامل مر عليه خمس سنوات وهو لا يعكس الواقع.
اما بخصوص الاعداد التي يتم تسجيلها من خلال فرق التفتيش للوزارة فإن عدد الزيارات خلال العام 2020 قارب 12 ألف زيارة تم خلالها ضبط 503 حالات عمل اطفال، اما في العام 2021 وحتى نهاية ايار الماضي فبلغ عدد جولات التفتيش 6658 تم خلالها ضبط 236 حالة عمل لأطفال.
وأوضحت ان تدني هذه الأرقام مرده قلة عدد المفتشين في الوزارة والذي يبلغ 130 مفتشا فقط يغطون كافة أرجاء المملكة لافتة الى وجود منصة خاصة أطلقتها الوزارة خلال فترة الجائحة يمكن للمواطنين التقدم بشكاوى عبرها في حال لاحظوا حالات لعمل الأطفال مخالفة للقانون.
من جانبه بين رئيس قسم دور تربية وتأهيل الأحداث في وزارة التنمية الاجتماعية أحمد شحيدات أن قانون الأحداث لسنة 2014 اعتبر الاطفال العاملين بأنهم "من الفئة المحتاجة للحماية والرعاية"، لافتا إلى وجود 3 مراكز قيد الإنشاء للدعم الاجتماعي للأطفال العاملين، إلى جانب الاعتماد على مراكز تنمية المجتمع المحلي "مكاني" لغايات تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال العاملين.
من جانبه تحدث مدير جمعية حماية الأسرة والطفولة كاظم الكفيري عن ازدياد مشكلة عمل الأطفال في محافظة إربد، مستعرضا الأسباب المتتالية لتزايد هذه المشكلة، بداية بأزمة اللجوء السوري، إلى تبعات جائحة كورونا ودخول مزيد من الاطفال الى سوق العمل بسبب إغلاقات المدارس والتوجه للتعليم عن بعد، إلى جانب تراجع الأوضاع الاقتصادية للأسر.
أما المدير العام لمؤسسة "أنا أتعلم" صدام سيالة فلفت إلى إشكالية تغيير المفاهيم لدى الاسر تجاه عمل الاطفال، موضحا "بينما ترى الاسر ان خريجي الجامعات من الشباب عاطلون عن العمل فإن ذلك يدفع بها نحو فكرة تشغيل ابنائهم في سن صغيرة باعتبار ان ذلك سيضمن للطفل مهنة يجيدها، ودخلا يحققه لإعالة اسرته، تحديدا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الاسر".
وأشار إلى اشكالية التعليم عن بعد ودوره المباشر في زيادة عمل الاطفال، قائلا "في أنا أتعلم أطلقنا مبادرة درسي بايدك وهي مبادرة لتشجيع المواطنين للتبرع بالأجهزة الإلكترونية الزائدة عن حاجتهم حتى يستخدمها الاطفال الاقل حظا لاستكمال تعليمهم، لكن للاسف المشكلة ليست في توفر اجهزة الكترونية فقط بل عدم توفر بنية تحتية في المناطق البعيدة والنائية من كهرباء وإنترنت".
بدوره، بين اختصاصي حماية الطفل في منظمة انقاذ الطفل محمود حمدان أن لعمل الاطفال تبعات اجتماعية ونفسية خطيرة، لافتا الى الارتباط بين عمل الأطفال والزواج المبكر، فكلما انخرط الأطفال في سوق العمل في سن أبكر ازدادت نسبة ذلك الزواج.
كما أوضح العلاقة بين عمل الأطفال وجنوج الاحداث، مشيرا الى ما تظهره دراسات عمل النفس الاجتماعي من ارتفاع نسب الجنوح والجريمة بين الأطفال العاملين نتيجة لاحتكاكهم ببيئة غير آمنة وغير مناسبة لهم، وكذلك ازدياد فرص تعرضهم للعنف والإساءة بما فيها العنف الجسدي واللفظي والجنسي، فضلا عن الخلل في الجانب العاطفي الذي يتجلى بمشاعر الغضب والنقمة التي تصيب الاطفال الذين يجبرون على العمل في سن مبكرة.