لماذا استدارت تركيا نحو دولة الاحتلال؟

5555
5555

زايد الدخيل

بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية بينهما على خلفية الاعتداء على سفينة (مرمرة) وسقوط عشرة شهداء أتراك، وبعد عدة جولات تفاوضية بين تركيا وإسرائيل، تواترت التقارير الإعلامية والتصريحات السياسية في كل من أنقرة وتل أبيب حول قرب إعلان رسمي خلال الساعات القريبة، عن اتفاق لتطبيع العلاقات بين البلدين بشكل كامل.

اضافة اعلان


ويرى مراقبون أن التقارير والتصريحات حول جولات التفاوض بين البلدين تميزت هذه المرة عن سابقاتها بورودها من الطرفين، إضافة إلى تناولها تفاصيل دقيقة متعلقة بالاتفاق المتوقع اعلانه، وهو ما يعطيها نصيباً أكبر من المصداقية عن سابقاتها، حين كانت تل ابيب تسرب خبر قرب إبرام الاتفاق في ظل نفي تركي.


وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية وفض النزاعات الدكتور حسن المومني، أن التقارب التركي الاسرائيلي "مثير للاهتمام، ويجب ان يفهم انه خلال العامين الماضيين شهد العالم استدارات في سياق السياسة الدولية، لاسيما الشرق الاوسط، بعد وصول الرئيس الاميركي جو بايدن للحكم، ومنها الازمة الروسية الاوكرانية، والمفاوضات الاميركية الايرانية حول الملف النووي، الامر الذي شكل استدارة لعديد الدول في اعادة تعيين علاقاتها فيما بينها".


واضاف المومني: "تفهم هذه الاستدارات ايضاً في سياق ان التعاون والتقارب بين الدول يهدف بالدرجة الاولى الى المصالح المشتركة، لذلك من الطبيعي ان تبحث الدول عن تلك المصالح"، موضحاً ان تركيا "دولة براغماتية عودتنا دائماً على استدارات في علاقاتها خاصة بعد الخلاف مع روسيا على خلفية اسقاط طائرة عسكرية في سورية قبل سنوات".


وقال إن "إسرائيل لاعب كبير في المنطقة، ولها تأثير على العالم وأميركا تحديداً، وإن التقارب التركي معها يجب ان يفهم في هذا السياق"، موضحا ان الدور التركي في دعم القضية الفلسطينية سيستمر.


وأما اللقاءات الثنائية بهدف تطويق الأزمة بين الطرفين فبدأت مبكراً جداً، حيث التقى وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو سراً بوزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر في بروكسل في الأول من تموز 2010 دون أن يفضي ذلك اللقاء إلى نتيجة إيجابية.


وبعدها تتالت اللقاءات بين مسؤولي البلدين، وتكرر الفشل في التوصل لاتفاق ما بسبب إصرار تركيا على شروطها الثلاثة ورفض إسرائيل لها، حتى حمل العام 2013 جديداً باعتذار بنيامين نتنياهو من اردوغان – بضغط من الرئيس الأمريكي باراك أوباما- في شهر آذار/ مارس، فيما بقي الشرطان الآخران من دون تنفيذ حتى اليوم.


وتتلخص شروط تركيا الثلاثة لعودة العلاقات إلى سابق عهدها مع إسرائيل، في الاعتذار عن الاعتداء على سفينة مرمرة، ودفع تعويضات مادية لعائلات الشهداء العشرة، وكسر الحصار عن قطاع غزة.


ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور بدر الماضي: "يبدو ان السياقات الاستراتجية السياسية في المنطقة والعالم قادت القادة الاتراك لتطوير سياسة خارجية اكثر مرونة وأكثر عقلانية للتعامل مع المستجدات التي يمر بها الاقليم، ما أعاد الى الأذهان السياسة الخارجية التركية ما قبل احداث الربيع العربي، حيث كانت تركيا تنتهج سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، لا بل اقامة علاقة متوازنة مع الجميع".


وتابع الماضي: "السرعة باتجاه تطبيع العلاقات مع اسرائيل من قبل دول المنطقة شكلت عاملاً ضاغطاً على صانع القرار التركي، بحيث لم يعد بالإمكان طرح تركيا كدولة وحيدة تعارض سياسات الاحتلال الاسرائيلية، وفي الجانب الآخر يعلم صانع القرار في تركيا ان اطالة أمد الازمة مع اسرائيل لن يخدم العلاقة التركية الاوروبية او التركية الاميركية والعلاقات".


وأَضاف: "كما ان العلاقات الجيدة مع هذه الدول سيزيد من فرص تركيا في ممارسة ضغوطات كبيرة على هذه الدول، من اجل وقف الدعم للاطراف الكردية التي يعتبرها الاتراك تهديداً للأمن القومي التركي".


وقال: "لهذا فإن تركيا لا ترى بُداً إلا ان تعيد انتاج علاقاتها مع إسرائيل القادرة على ايذاء تركيا استراتيجيا بالتعاون مع دول في المنطقة التي لا ترى في تركيا شريكاً مأمون الجانب".


وكانت مرت العلاقات الثنائية بين تركيا وإسرائيل بعدة منعطفات وأزمات، مثل حادثة منتدى دافوس التي وجه خلالها اردوغان لرئيس دولة اسرائيل شمعون بيريس انتقادات حادة قبل أن يغادر الجلسة احتجاجاً، وأزمة إهانة السفير التركي في تل أبيب حين تعمد الجانب الإسرائيلي إجلاسه على مقعد أوطأ من مقعد المسؤول الإسرائيلي.


ووصلت ذروة الأزمة بالاعتداء الإسرائيلي على سفينة مرمرة التي كانت جزءاً من أسطول الحرية الرامي لكسر الحصار عن غزة، والتي انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين على إثرها واستمرت كذلك حتى الآن.


ويقول السفير السابق سمير مصاروة، ان تركيا ترتبط تاريخياً بإسرائيل بعلاقات قديمة امتدت على مدى عشرات السنين، إذ كانت من أوائل الدول التي اعترفت بها عام 1949، كأول دولة مسلمة تفعل ذلك، وبعد انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي العام 1952، تعمقت العلاقة بينهما أكثر خاصة في المجالين العسكري والأمني، ونتج عن ذلك توقيعهما – مع إثيوبيا– الاتفاق الإطاري أو حزام المحيط العام 1958.


وأضاف: "لم يؤد وصول حزب العدالة والتنمية (الإسلامي الاتجاه) للحكم في تركيا عام 2002 للحكم في تركيا الى تدهور العلاقات بين البلدين، ولم يسع الحزب لذلك، بل استمر التطور فيها وحصلت زيارات دبلوماسية متبادلة على أعلى مستوى بين الطرفين، أهمها زيارة كل من وزير الخارجية التركي حينها عبدالله غل ثم رئيس الوزراء وقتئذ رجب طيب اردوغان لإسرائيل عام 2005، والتي لاقت ترحيبا إسرائيلياً كبيراً".


واوضح ان "عملية تعافي العلاقات بين البلدين اجتازت اختبار التصعيد الأخير في قطاع غزة، حيث شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر للسفراء الأتراك في أنقرة على أن تجديد العلاقات بين إسرائيل وتركيا سيتيح للأتراك مساعدة إخوتهم الفلسطينيين".


بدوره، رأى استاذ العلوم السياسية خالد شنيكات أن العلاقات التركية الاسرائيلية تعرضت لاهتزازات متتالية، ورغم دخول تركيا كوسيط بين إسرائيل وسورية وبين اسرائيل والفلسطينيين، الا ان الجهود لم تكلل بالنجاح، وساهمت حروب غزة في التباين الواضح بين الموقفين التركي والاسرائيلي، وخاصة ما يتعلق بالحصار على غزة.


وأضاف شنيكات أنه "مع تغير الظروف الدولية والاقليمية حدث تغير على العلاقه التركية الاسرائيلية وبدأ الطرفان في مناقشة القضايا العالقة بين الطرفين، ومنها موضوع النفط والتنقيب في البحر الابيض المتوسط، وكذلك فيما يتعلق بعودة السفراء بين البلدين".


وتابع: "يبدو ان تركيا تجري تقييما لسياستها الخارجية بعد تراجع الربيع العربي فيما يتعلق بكل دول الجوار، وهذا ما لاحظناه في سورية، حيث توالت تصريحات المسؤولين الاتراك في بحث امكانية عوده العلاقات بين الطرفين، وربما تشكل عودة اللاجئين السوريين مسألة ضرورية لتركيا، وكذلك عودة التجارة بين البلدين وإجراء مصالحة بين المعارضة والنظام السوريين".


وأوضح شنيكات أن "تطور العلاقات التركية الاسرائيلية او عودتها يعني احتمالية عودة تركيا كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إسرائيل وسورية ودول أخرى".

اقرأ المزيد :