ما الذي فلت من العقال؟

نحن نتوهم بأن كل شيء فالت، وبأن كل شيء مدبر. ثمة مؤامرة على العقل، تجلس في مقهى الخرافة مساء كل يوم، لتبخ سمومها في القهوة والشاي وباقي المشروبات الباردة والساخنة، والنادل، يرقص تارة ويصيح في أخرى وهو يحك رأسه، فتسقط الصينية من بين يديه، بينما نحن ذاهلون مما قد يبتدره التناقض في رؤوسنا المصفوعة بالوهم، حتى في محاولتنا الكسولة لكي نحكها.اضافة اعلان
نلقي بالكرة في ملعب الفوضى، فتمزق، ونلحس ما قلناه امس بما سنقوله اليوم، نرفض الجهل والعماء والخراب، بينما ندوزن أعصابنا على اطلاق الزوامير في استقبال الجهل، وهو يغطي عينيه بالعماء.
نمارس الحب، وفي دواخلنا تيارات كراهية تدمر كل حديقة غناء، وكل مثال للحب. تصطك أسناننا خوفا ونحن نتبجح بشجاعتنا. نعلك ما تلقي به المصاطب من خرافات، وما يلقي به الماضي علينا من قتامة، ثم نذهب بعمائنا الى الجامعات، لنتلقى الوهم.
العقل؛ يا له من كتلة غير مرئية، تجلس في غريفة منعزلة، يمنع لمسها، أو تحريكها، أو الفضفضة إليها. من يطرق بابه، عليه أن يمر على ألف جاهل، وما إن يصله حتى "يجهل فوق جهل الجاهلينا".
لقد تُركنا معلقين بين الخوف من لوثة الوعي، والرعب من المعرفة، حتى أصبح مجرد الاقتراب من العقل، لعنة، إصابة مؤكدة بالنبذ، من  يفكر بأن يخرج على المعنى المرصوص في الوعي منذ قرون، بعد أن يقترب من العقل، فقد خرج من حدائق الوهم العلية.
ثمة صكوك جاهزة، تقبض عليك متلبسا بالتفكير، وتمنعك من الجلوس في مكتبة المعرفة، تطالبك بالجهل حتى تموت، لأنها تخاف من أن تفضحها، وتكشف عورتها، وتتسبب لها بصدمة وعي.
نتحاور بالرصاص، بالخوف، بالرهبة، بالنصوص المريضة بالتاريخ، بالهذيان، بعدم الحوار، بتأليب الجهل لكي يرفع عقيرته في كل ناد، باستخدام سلاح الثابت والمستقر وما جاء به السالفون، بكل ما يمنع عنا الهواء الحر، النقي، ثم نتحدث ببراعة عن فشلنا في كل شيء وهزائمنا التي لا تنتهي، وتآمر العالم علينا.
وحين نسأل: ما الذي فلت من العقال؟ فإن أحدا لا يريد أن يصدق بأن ثمة كتلة غير مرئية اسمها العقل، سقطت على الاسفلت وداستها أقدامنا، وما نزال نسأل: ما الذي فلت من العقال؟