"مجمع الأقصى".. عبث إعلامي غربي بقدسية أولى القبلتين

شروق البو

حذر خبراء في الشأن الفلسطيني من مصطلح “مجمع الأقصى” الذي بدأ الإعلام الغربي يتداوله، وما يخفي وراءه من برنامج “صهيوني” ومخططات مدروسة للحكومات والأحزاب اليمينية المتطرفة.

وشدد الخبراء في حديثهم لـ”الغد”، على ضرورة مواجهة كل مظاهر ومخاطر الهجمة الإعلامية الصهيونية، والتي يسعى الاحتلال من خلالها إلى إقامة جبل الهيكل، وذلك بعد هدم المسجد الأقصى المبارك. وأكدوا أهمية اعتماد المصطلح القانوني والتاريخي المتفق عليه وهو (المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف). وكان الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، نفذ أول أمس، أول اقتحام للمسجد الأقصى المبارك بعد توليه حقيبة الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وكان بن غفير التقى يوم الاثنين، رئيس الشاباك رونان بار، الذي أوضح له أنه لا يوجد أي عائق أمني أمام الاقتحام. وتأتي الخطوة الاستفزازية الكبيرة بعد تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة برئاسة بنيامين نتنياهو مع نهاية العام 2022 والتي اعتبرها مراقبون الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان.

مصطلحات مغلوطة ومسمومة

وفي هذا الصدد، قال أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس عبد الله كنعان إن “الحركة الصهيونية تعتمد في ترويجها للرواية والأساطير التلمودية المختلقة على نشر مصطلحات مغلوطة ومسمومة تهدف إلى قلب الحقائق وكسب تأييد الرأي العام الغربي عبر إعلامها الصهيوني الذي تمتلكه وتديره من خلال مؤسسات إعلامية تشكل لوبي ضاغط، يخدم برنامجها السياسي الاستعماري”. وأضاف كنعان لـ”الغد”: “من المعلوم أن هناك الكثير من المعاهد ومراكز الدراسات الإسرائيلية تحاول عبثاً ومن خلال فرضيات واهية غير مثبتة علمياً إدراج مصطلحات ومعلومات تهدف إلى التغيير الجغرافي والثقافي والاجتماعي في فلسطين المحتلة”. وتابع: “الأمثلة على هذه المصطلحات المضللة كثيرة؛ منها إطلاق مصطلح (مجمع الأقصى)، ويقصد به ساسة “إسرائيل” وإعلامها الصهيوني (مجمع مقدس للمسلمين واليهود)، وبالنسبة لهم وحسب زعمهم هو جبل الهيكل ومكان الهيكل المزعوم، الذي يسعون لإقامته بعد هدم المسجد الأقصى المبارك”.

حالة استعمار مستعصية

وأردف كنعان: “حادثة اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتشدد وزعيم قادة المستوطنين في اقتحامات كثيرة سابقاً استغلت من قبل الإعلام الإسرائيلي ومن يواليه في الغرب لتغطية إعلامية تسرب من خلالها للإعلام العالمي للأسف مصطلحات صهيونية مرفوضة تاريخيا وقانونياً؛ ومنها المصطلح الزائف (مجمع الأقصى)”. واستكمل: “لذا؛ يجب على الإعلام العربي والإسلامي والعالمي الحر التنبه إليها والالتزام بالموضوعية والحقائق تجاهها، واعتماد المصطلح القانوني والتاريخي وهو (المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف)”. وهذا المصطلح “أكدته تقارير لعصبة الأمم المتحدة وقرارات لهيئة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها بما فيها اليونسكو التي أكدت أن المسجد الأقصى المبارك بمساحته الكاملة البالغة 144 دونما، ملكية إسلامية خالصة ولا علاقة لليهود به”، وفق المتحدث ذاته. وأكد أنها “حقائق عزّزتها نتائج الدراسات البحثية التاريخية والأثرية العالمية؛ بما فيها إسرائيلية وغربية ولعقود طويلة تتلخص بعدم وجود أي أثر للهيكل المزعوم، سواء داخل المسجد الأقصى أو تحته أو حوله”. وقال أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس: لا شك أن انسحاب “إسرائيل” من منظمة اليونسكو عام 2018، واعتراضها على جميع قراراتها تبعه برنامج صهيوني مكثف لمحاربة كل ما قررته هذه المنظمة؛ لذا فإن تغيير الإعلام الصهيوني الإسرائيلي للمصطلحات يعتبر جريمة ثقافية وسياسية يجب مواجهتها دوليا”ً. وحذر من أننا والعالم اليوم، “أمام حالة استعمار مستعصية على القانون والمنظمات الدولية، ومن إفرازاتها وتداعياتها الكثيرة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا طرح مصطلحات هي في حقيقتها تكشف عن مخططات وجدول أعمال وبرنامج الحكومات والأحزاب الإسرائيلية التي يساندها في التنفيذ جميع مؤسسات “إسرائيل” الأخرى، سواء الكنيست الذي يشرع لقوانين عنصرية يحاول بها شرعنة وخداع الرأي العام العالمي والقول الكاذب بأن “إسرائيل” دولة ديمقراطية، أو من خلال المؤسسة الأمنية العسكرية الإسرائيلية التي تحمي وتشارك بل ويقودها المستوطنون المتشددون أنفسهم؛ مثل بن غفير”. يُشار إلى أن بن غفير، الذي يُعرف بأنه أحد أبرز غُلاة المتطرفين بين الساسة الإسرائيليين، اعتاد اقتحام المسجد الأقصى حين كان عضوا في الكنيست خلال الأعوام الأخيرة، وآخرها في ما يسمى “عيد العرش اليهودي” يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وتتألف الحكومة الإسرائيلية الجديدة من أحزاب تعرف باليمينية واليمينية المتطرفة، وهي حزب الليكود بقيادة نتنياهو الذي حصل على 32 مقعدا في الكنيست، وحزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب عوتسماه يهوديت بقيادة ايتمار بن غفير، وحزب نوعم بقيادة آفي ماعوز، وهي ثلاثة أحزاب خاضت الانتخابات في تحالف تقني وانفصلت بعد ذلك. وتوصف الأحزاب الثلاثة بالمتطرفة بمواقفها تجاه العرب والفلسطينيين، بحيث تعكس التيار الديني الصهيوني المتطرف الذي يشدد على تعزيز الاستيطان في الأراضي المحتلة وانتهاكات المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة وصولًا إلى سياسة “الترانسفير” أو ترحيل السكان الأصليين من أراضيهم.

عقيدة راسخة في ذهن بن غفير

وأوضح أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس عبد الله كنعان أن “هذا المصطلح يكشف عن عقيدة راسخة في ذهن بن غفير ومن يمثله ممن انتخبه وأوصله لوزارة الأمن القومي الإسرائيلي، وهي ضرورة بناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف”. وأضاف: “تمهيدا لهذا المخطط، لا بد من وجهة نظر جماعات الهيكل وطلبة المدارس التلمودية والتي يدعمها الأحزاب الدينية الصهيونية في حكومة “إسرائيل” الجديدة بناء كنيس يهودي وإقامة الصلوات والقرابين ونفخ البوق بشكل علني داخل المسجد الأقصى والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى وتغيير الوضع التاريخي القائم أو الراهن، وكذلك خارج المسجد”. وتابع: “لدعم هذا المشروع، يتواصل الإجرام الإسرائيلي بطرد وإبعاد المقدسيين وهدم بيوتهم واعتقالهم وأسرهم والتضييق الاقتصادي والاجتماعي عليهم مسلمين ومسيحيين، ولإحكام الإغلاق الجغرافي على المسجد يتم العمل على إخلاء الأحياء والبلدات المقدسية؛ مثل حي الشيخ جراح وبلدة سلوان”. واستدعت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين السفير الإسرائيلي في عمّان، أول أمس إلى مقر الوزارة، لنقل رسالة احتجاج حول إقدام وزير الأمن القومي الإسرائيلي على اقتحام المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف، صباح الثلاثاء. وأكدت مذكرة الاحتجاج أن المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف بكامل مساحته البالغة 144 دونماً مكان عبادة خالص للمسلمين. وأردف كنعان: “ما نحن بصدده ليس مصطلحا إعلاميا فارغ المدلولات السياسية الاستيطانية، بل نحن أمام برنامج صهيوني إسرائيلي مغلف بهذا المصطلح، والمطلوب إعلاميا أولا عدم اعتماده والتمسك بمصطلح المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف، والعمل على فضح ما يتضمنه من مخططات خطرة”. ودعا إلى “ضرورة السعي لمخاطبة جميع وسائل الإعلام العالمية بعدم اعتماده؛ لأن في ذلك تعديا على التاريخ والقانون الدولي والحقوق لملياري مسلم في العالم لن يقبلوا أن يمس المسجد الأقصى بضرر”. وشدد على “ضرورة سعي الدوائر والمنظمات الإعلامية العربية والإسلامية لمواجهة كل مظاهر ومخاطر الهجمة الإعلامية الصهيونية، وهنا تجدر الإشارة إلى خطر التهويد في التعليم في القدس ومحاربة الثقافة والهوية العربية فيها لمحوها وإحلال ثقافة صهيونية مختلقة مكانها”.

جزء من عمليات التهويد

من جانبه، قال وزير الدولة الأسبق لشؤون الإعلام سميح المعايطة إن الإسرائيليين يتعاملون بذكاء في عمليات التهويد التي تتم في القدس والمقدسات، والتي تشمل تهويد المكان أو التاريخ أو الإنسان بمعنى تهجير الفلسطينيين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. وأضاف المعايطة لـ”الغد”، أن التلاعب بالمصطلحات إحدى سياسات الإسرائيليين لتغيير المعالم، فبالنسبة لنا كعرب ومسلمين ومسيحيين القدس فيها تفاصيل عبر التاريخ؛ بما في ذلك كنيسة القيامة، المسجد الأقصى، وقبة الصخرة. وتابع: “الإسرائيليون يحاولون تغيير المصطلحات كجزء من التهويد وعمليات الاستهداف لهوية القدس وهوية المقدسات”.

معركة مصطلحات

وفيما يتعلق بالإعلام الغربي واستخدامه مصطلح “مجمع الأقصى”، بين المعايطة أن “الغرب أحيانا لا يكون مُدركا لهذه التفاصيل، إذ إن جزءا منه يكون متعاونا مع الإسرائيليين، لكن الجزء الآخر تنطرح عليه هذه المسائل دون إدراك لمعانيها”. وأردف: “واجبنا كمسلمين وعرب دائما أن نُصحح المفاهيم ونخوض معركة المصطلحات ومعركة الصورة مع الإسرائيليين”. واستكمل المعايطة: “هذا المصطلح قد يدفعنا أكثر ليكون لدينا نوع من التخصص في متابعة سياسة التهويد الإسرائيلية وما يخص عمليات الاستهداف لهوية الجغرافيا في القدس وهوية المقدسات، وأن تكون هذه المعركة من متخصصين، سواء بالتاريخ أو الإعلام”. وشدد على ضرورة أن “نمارس عملية توعية مستمرة لنا، وأن نُقدم هذه الوجبة من المعلومات دائما للإعلام الغربي والصحفيين الغربيين والباحثين والدارسين في الغرب”. وزاد الوزير الأسبق: الإسرائيليون يعتبرون الأقصى لهم، حتى أن التقسيم الزماني والمكاني جزء من التكتيك المرحلي للإسرائيليين بالتعامل مع مطالب المسلمين في الأقصى، لكن قناعة الإسرائيليين تتمثل بأن الهيكل موجود تحت الأقصى، بمعنى أن المكان كله يهودي. وأشار إلى أن “الإسرائيليين يحفرون تحت المسجد الأقصى منذ العام 1967 ولم يتوصلوا لشيء وإلا صرعوا العالم به، لكن ليس هناك هيكل أصلا”.

أهداف مرحلية

وأضاف المعايطة: “هم لا يعتقدون أن المسجد الأقصى حق للمسلمين وأن هناك مَن يشاركهم المكان، لكنهم يتسلّلون إلى هذه القناعات التي لديهم عبر أهداف مرحلية، فيما يتعلق بالأماكن التي يعتبرونها يهودية؛ كحائط البراق، ثم موضوع التقسيم المكاني والزماني”. وزاد: “قناعة الإسرائيليين تتمثل بأن الأقصى معلم يهودي ومن حق اليهود، وهي معركة بدأت منذ احتلال الإسرائيليين لشرقي القدس وما تزال”. وأكد أن “الإسرائيليين لا يوفّرون أي طريقة لتحقيق أهدافهم، فتهجير الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين من القدس إحدى العمليات المهمة؛ لأنهم يُخلون الجغرافيا من سكانها وأهلها ويُحلّون مكانهم اليهود، وكذلك الأمر بالنسبة لشراء الأراضي في مناطق القدس كإحدى عمليات التهويد”. وأردف المعايطة: “الإسرائيليون يسعون إلى هدم المسجد الأقصى، فعندما يهدمه الاحتلال يُزيل هويته، ويصبح أرضا بلا هوية”. وشدد على أن الأردن يبذل جهدا كبيرا في الحفاظ على الأوقاف والمقدسات، والأوقاف هي الأماكن الموجودة والتي لديها هوية عربية إسلامية ومسيحية أيضا، فالمحافظة على هوية الأماكن جزء من مقاومة التهويد الإسرائيلي في هذا المكان. وطالبت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين في مذكرتها الاحتجاجية الحكومة الإسرائيلية بإنهاء جميع الإجراءات الهادفة للتدخل غير المقبول في شؤون المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف. وذكّرت بأن “إدارة أوقاف القدس والمسجد الأقصى المبارك، هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة جميع شؤون المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف وتنظيم الدخول إليه”.

تمهيد للتقسيم الزماني والمكاني

بدوره، قال رئيس لجنة فلسطين النيابية الدكتور فايز بصبوص إن هذا المصطلح يعطي انطباعا بأن هناك خلافا دينيا وصراعا على أساس زمن العبادات، وهذا ما يهدف له الكيان الصهيوني، وهذا الصراع يُخرج المشروع الأساسي وهو السيادة السياسية على الأقصى. وأضاف بصبوص لـ”الغد”: كل الاتفاقيات والقوانين الدولية ومخرجات المؤتمرات العربية والإسلامية تؤكد أن المسجد الأقصى بكامل مساحته هو وقف إسلامي فقط، والانطلاق في الحوار حول المسجد الأقصى ينطلق من العُهدة العمرية وهي التي أسست للتعايش في كل الأديان في ظل السيادة الإسلامية على مدينة القدس؛ بما فيها المسيحية. وتابع: هذا الأمر يعني أن الكيان الصهيوني يهدف إلى تغيير التسمية وصولا إلى تثبيت التقسيم الزماني والمكاني، وهذا مرفوض جملةً وتفصيلا لدى كل الأمة العربية والإسلامية. وأردف بصبوص: السيادة على الأرض يجب أن تكون وتبقى فلسطينية الطابع مئة بالمئة، حتى في ضوء وجود الكيان الصهيوني، وبالتأكيد هدفه أن يكون هناك تعددية دينية وإدخال الديانة اليهودية، وهذا صراع ديني هدفه تهويد المدينة المقدسة، من ساكنيها التاريخيين والأصليين. وركز بن غفير خلال اقتحامه الثلاثاء، كما في السابق، على فكرتين رئيستين؛ هما تحدي حركة حماس وعدم الخوف من تهديداتها في حال نفذ اقتحاماته، والأخرى أن المسجد الأقصى (الذي يسميه جبل الهيكل) أهم الأماكن بالنسبة إلى “شعب إسرائيل”. وأدانت الكثير من الدول من بينها قطر، مصر، السعودية، الإمارات، الكويت، تركيا، ألمانيا، الولايات المتحدة، الخطوة الاستفزازية التي قام بها بن غفير.

اقرأ المزيد : 

اضافة اعلان