مذابح الكنعانيين بالعهد القديم: نقاش ساخن بين توراتيين يبررونها ومفكرين يرفضونها (2 - 2 )

rl9c11yb
rl9c11yb

حسني عايش

يستشهد كريج بآيتين من سفر التكوين ليبين أنه عندما تكلم الله مع إبراهيم عن قراره في إبقاء اليهود في العبودية في مصر لأربعمائة سنة، كان من أجل الانتظار إلى أن يصبح الكنعانيون أشرارا بما فيه الكفاية في نظر الله للأمر بتدميرهم. "فقال له الرب: "تيقن أن نسلك سيتغرب في أرض ليست لهم، فيستعبدهم أهلها ويذلونهم أربعمائة سنة. ولكنني سأدين تلك الأمة التي استعبدتهم، ثم بعد ذلك يخرجون بأموال طائلة. أما أنت فستموت بسلام وتدفن بشيبة صالحة. أما هم فسيرجعون بعد أربعة أجيال إلى هنا، لأن إثم الأموريين لم يكتمل بعد" (سفر التكوين:13 - 16).اضافة اعلان
وهذا يظهر أن أوامر الله ليست اعتباطية في الوقت الذي تم تدميرهم فيه، وإنما كانت انتقائية أو انتقامية لكنعانية فاجرة وقاسية، تمارس طقوسا مثل العهر الديني (عاهرات المعابد) والتضحية بالأطفال… كان لدى الله - أخلاقيا – أسباب كافية لحكمه على كنعان بالتدمير. وكانت إسرائيل مجرد أداة لعدله، مثلما استخدم بعد قرون الأمم الوثنية الآشورية والبابلية لتدمير إسرائيل (الفاسدة).
يطرح ثوم ستارك عددا كبيرة من الأسئلة المثيرة حول هذه المجادلة الدفاعية (الاستبدادية) لتبرير رواية العهد القديم:
أولا: لماذا لم يرسل الله نبيا للكنعانيين مثلما أرسل نوحا لقومه محذرا لهم من عقابه إذا لم يغيروا سلوكهم.
ثانيا: لم يكن الناس الذين أرسلهم الله إلى كنعان أنبياء بل جواسيس عسكريين. لم يقصد الله – أبدا – إعطاء كنعان فرصة. لم يصدر- الله – أبدا أي نوع من التحذير، فلماذا ؟ لأنه كان قد وعد بإعطاء أرضهم لإسرائيل.
ثالثا: في الوقت الذي كتبت فيه هذه النصوص، لم يكن الإسرائيليون موحدين. وكان الكنعانيون يعبدون يهوى كواحد من آلهتهم الصغار المتعددة. لم تظهر الوحدانية حتى عهد (النبي) ارميا (Jermie) ولم تصبح راسخة حتى قبيل المنفى أو فيما بعد. وحتى في الوقت الذي غزت فيه إسرائيل أرص كنعان كانت إسرائيل متعددة الآلهة، على الرغم من توجيه عبادتهم إلى إلههم النصير فقط. كان ينظر إلى يهوى كواحد من آلهة كثيرين كانوا ممثلين في المعبد الكنعاني.
رابعا: يقول كريج أن الكنعانيين كانوا فاجرين وقساة ويمارسون البغاء الديني [مثل جهاد النكاح] وحتى التضحية بالأطفال، وكان للإسرائيليين ميثاق مع يهوى وافقوا له على عدم القيام بمثل ما يقوم به الكنعانيون مقابل حماية (يهوى) لهم. لم يكن للكنعانيين مثل هذا الميثاق مع يهوى يلزم الكنعانيين بشروط لم يوفرها لهم مثلما فعل مع الإسرائيليين.
خامسا: مارس الإسرائيليون التضحية بالأطفال: "لا تؤخر تقديم باكورة محصول بيدرك ومعصرتك، وأعطني أبكار بنيك" (سفر لخروج : 22- 29). وإذا لم يعترف كريج بذلك، فإنه يكون مثل كوبان وغيره من الدفاعيين المنافقين. انظر إلى هذا الأمر من زاوية منطقية: من أجل أن يبين يهوى ان التضحية بالأطفال غلط، أمر بذبح آلاف الأطفال والرضع فهل لهذا أي معنى أخلاقي عندك يا كريج؟!!
سادسا: هل يجيز التعبد الجنسي عقوبة الموت لجميع أفراد القبيلة؟ إذا كان الأمر كذلك يجب أن تحرق وتسوى بالأرض كل مدينة حديثة وكل منازل الطلبة في الجامعات، ويذبح جميع سكانها، طبقا ليهوى بسبب الجنس، ولكن سكانها لا يسيئون لأحد ولديهم أسر مستقرة، وإحساس قوي بالعدل، تماثل أفضل بصيرة عند إسرائيل عن العدل. نعرف ذلك من قراءتنا لأدبيات الكنعانيين، وليس من قراءة الكتاب (المقدس) الذي كتبه الناس الذين ارتكبوا جريمة الإبادة ضدهم ( ضد الكنعانيين).
وأخيرا: أريد التأكيد على نقطة مهمة وهي أنه طبقا لنظرية الأمر الإلهي عند كريج، ولأن واجباتنا الأخلاقية والتزاماتنا كافة نشأت بأوامر الله، ولأن الله لم يعط مثل هذه الأوامر للكنعانيين، أو حتى لأي واحد آخر على الكرة الأرضية، فإنه لا أحد غير اليهود مجبر على إطاعة قانون الله الأخلاقي. إن هذا يعني أنه لا أخلاق عند الجميع غيرهم، أي خارج الإسرائيليين، لأن الله لم يكشف عن نفسه لغيرهم، ولم يأمر هذا الغير بشيء.
يدعي كريج إن الدافع الضابط لهذه الأوامر هو لمنع مختلف أشكال الخلط. إنها ترسم خطوطا واضحة من التمييز: هذا وليس ذاك، أو بين هذا وذاك. وهو هنا تذكير محسوس أن إسرائيل هي شعب خاص مفصول عن الغير، ومقصور لله نفسه. وهي تذكير يومي مفيد أن على إسرائيل أن تنأى بنفسها عن أي ذوبان في الوثنية وعبادة الأصنام، لأن الله لا يتسامح مع هذا أبدا. تلكم كانت طريقته في المحافظة على صحة إسرائيل الروحية وذريتها" .
يبدو لنا – يقول المناقشون- أن أوامر الله اعتباطية، وأنه لم يخطر على بال كريج أن يتذكر أن الكنعانيين لم يكونوا أكثر شرا من الأقوام من حولهم. ويضيف كريج أنه بإرسال مثل هذا الفصل الصارم بين إسرائيل وغيرها من الأمم والشعوب، تُمنع إسرائيل من أي ذوبان في الوثنية، لأن الله لا يتسامح معها إذا فعلت.
يبدو كريج هنا- ثانية- غير واعٍ وعلى نحو مؤلم أن الإسرائيليين كانوا في ذلك الزمان متعددي الآلهة، وأن يهوى كان واحدا من عدة آلهة. إما هذا أو أنه يكذب، مما لا يستطيع أي مسيحي أن يفعل مثله للدفاع عن إيمانه بهذا الشكل.
ويضيف كريج: يعرف الله أنه إذا سمح لأطفال الكنعانيين بالحياة، فإنهم سوف يُضلّون بني إسرائيل. لم يمنع قتل أطفال الكنعانية ذوبان إسرائيل في الهوية الكنعانية فقط، بل قدم توضيحا محسوسا لإسرائيل كشعب حصري منفصلا عن بقية الشعوب، وانه خاصة الله وحدة".
إذا كان الله يستطيع فعل أي شيء، ألم يكن أفضل لو أباد جميع الكنعانيين فورا بدون ألم، بقواه الخارقة؟ إذا كان لديه خيار فلماذا اختار هذا الأمر الإبادي؟ لماذا يختار إله محب ورحيم، الفعل الأكثر عنفا ولا يختار الأقل عنفا؟
يقول كريج: إنه إذا آمن الجميع كما أفعل، أن نعمة الله تمتد إلى الرضع والأطفال الصغار فإن موت هؤلاء كان بالفعل خلاصا لهم. إننا متعلقون تماما بنظرة أرضية أو طبيعية تجعلنا ننسى أن الذين يموتون يكونون سعداء بالخلاص من هذه الأرض أو الطبيعة، وحصولهم على متعة سماوية لا نظير لها. وعليه فإن الله لم يسيء إلى هؤلاء الرضع والأطفال في أخذ حياتهم الدنيوية منهم".
وهكذا يعتبر كريج ذبح الأطفال بأمر الله المحب، مكافأة لهم بالخلود في الجنة مع الله. الله نفسه الذي أمر بإزالة قبائلهم عن وجه الأرض. تخيل نموّك ونضجك في الجنة ثم تعلم عن مصير شعبك وبقاء ذلك في عقلك إلى الأبد.
عذرا لنظرتي الأرضية/ الطبيعية، فإن كلام كريج هذا يبدو لي مجرد تفاهات، يحلم بها اللاهوتيون.
ويتعاطف كريج مع الجنود الإسرائيليين المأمورين بقتل الكنعانيين: هل تستطيع أن نتخيل كيف كان الأمر عندهم باقتحام البيوت وقتل امرأة مرتعبة وأطفالها بأمر من الله". يعني انه لولا أن الله أمرهم بذلك لكانوا مجرمين.
يعتبر كريج هنا القتل نموذجا للمحبة والخير. وهكذا يريك بالضبط كم كانت أخلاقية الله اعتباطية، وأنها ليست مصدرا للمحبة والخير عندما يأمر بذبح النساء الحوامل والأطفال جميعا. إن أمر الله هذا يجعلني أشعر بالغثيان، ولكم أنا مسرور لأعرف أنه لا يوجد دليل قوي علي بالفعل لأعبد وحشا أخلاقيا. أنا لا استطيع بالتأكيد عبادة مثل هذا الوحش/ الإله.
ويقارن كريج الإسلام بالمسيحية، أن المشكلة في الإسلام – في نظره – أنه لم يحصل على النظرية الأخلاقية الخطأ، وإنما حصل على الإله الخطأ، الا إذا أعتقد أن واجباتنا الأخلاقية ناشئة عن أوامر الله، فعندئذ أتفق معه.
ويرد المناقشون عليه فيقول: إذا كان الإسلام صحيحا فإن هجمات الإرهابيين الذين يقتلون الناس باسم الإسلام وتعدد الزوجات، وزواج من بنات في سن التاسعة، صحيحة جميعا لأن الله أمر بها.
يبين لكم كل ما مر كم هي نظرية الأمر الإلهي باطلة ومخالفة للعقل، فالله لا يحب الكافرين والمخطئين، ومن ثم فإنه يسمح بقتلهم دون تمييز. إن يهوى يكرههم. انظر فقط إلى هذه الآية في المزامير: " لا يمثل المتغطرسون أمامك، فإنك تبغض جميع فاعلي الإثم" (المزامير: 5-5). وإلى الآية في اللآويين: " لا تمارسوا عادات الأمم التي سأطردها من أمامكم، لأنها ارتكبت كل هذه القبائح، فكرهتها" (سفر اللآويين: 20-23). والآيات في الأمثال: " ستة أمور يمقتها الرب، وسبعة مكروهة لديه: عينان متعجرفتان، ولسان كاذب، ويدان تسفكان دما بريئا، وقلب يتآمر بالشر، وقدمان تسرعان بصاحبهما لارتكاب الإثم، وشاهد زور ينفث كذبا، ورجل يزرع خصومات بين الإخوة" (الأمثال: 16:6-19). والآية في سفر هوشع: " في الجلجال ارتكبوا جميع شرورهم، فكرهتهم هناك. لسوء أعمالهم أطردهم من بيتي ولا أعود أحبهم، فكل رؤسائهم متمردون" (سفر هوشع: 9:15).
وحتى إذا أحب الله يهوى الآثمين/ الخطائين فإنه يستمر في قتلهم دون تمييز، ويرسلهم إلى جهنم كما يعترف بذلك بكل وضوح. نعم، يهوى يمكن أن يحبك ولكنه في الوقت نفسه يعذبك في جهنم".