مشاكل التعليم المهني: عدم مواكبة سوق العمل والنظرة المجتمعية وغياب القطاع الخاص

طلبة يتلقون تدريبا مهنيا في أحد المراكز - (أرشيفية)
طلبة يتلقون تدريبا مهنيا في أحد المراكز - (أرشيفية)
آلاء مظهر عمان - يؤكد خبراء أن على لجنة تطوير التعليم المهني أن تأخذ بعين الاعتبار عند التفكير بتطوير التعليم المهني لزيادة الاقبال عليه، عدم مواكبة الكثير من التخصصات لسوق العمل، وعدم جواز بقاء التعليم المهني للطلبة ذوي التحصيل الأكاديمي الضعيف، بالاضافة الى ضرورة عدم إجبار الطلبة على دراسة مهن يمكن ان تندثر بعد تخرجهم. ولفت هؤلاء الخبراء لـ"الغد"، إلى أن إعداد الطلبة للمهن غير المعروفة يتم من خلال العمل على تنمية مهاراتهم المهنية الأساسية، مثل اخلاقيات المهنة، والمهارات المهنية العامة، على غرار كيفية التعامل مع الآلات والأدوات، والمشكلات، والتفكير الابداعي في حلها، موضحين أن إكساب الطلبة هذه المهارات يمكن الطالب المهني الخريج أن ينتقل من مهنة إلى أخرى بحرية، ومن دون حصره بمهنة معينة. وبخصوص اصلاح النظرة المجتمعية للتعليم المهني والتقني، فأكدوا ضرورة ان تكون هناك معادلة تلزم الطلبة بمعايير أخرى غير الكفاءة المهنية، موضحين أن ضعف الوعي المجتمعي بأهمية هذا التعليم وربطه فقط بالطلبة ضعيفي التحصيل العلمي، ساهم في الحد من توسعه وتطوره، مؤكدين أهمية النهوض بالتعليم المهني ليتناسب مع احتياجات سوق العمل الأردني. واعتبروا ان الكثير من الشباب يلتحقون بالجامعات ويبتعدون عن التوجه للتعليم المهني أملا في الحصول على مكانة اجتماعية وليس بهدف التشغيل والتوظيف. وكان ديوان الخدمة المدنية أصدر مؤخرا دراسة العرض والطلب على التخصصات العلمية المطلوبة والراكدة والمشبعة، لحملة المؤهل الجامعي والدبلوم الشامل لكليات المجتمع في الخدمة المدنية للعام 2021 على موقعه الإلكتروني. واكد رئيس الديوان سامح الناصر في تصريحات اعلامية سابقة أهمية اطلاع الطلبة قبل اختيار التخصص على واقعه، من حيث تصنيفه بالمطلوب أو المشبع أو الراكد، وعلى اعداد الملتحقين بمقاعد الدراسة في الجامعات حالياً في مختلف التخصصات، ما يوفر للطلبة وذويهم صورة متكاملة عن واقع التخصصات المطروحة للتسجيل، وبالتالي الابتعاد عن التخصصات غير المطلوبة، وتحديداً عند البدء بتقديم طلب الالتحاق بالجامعات. ووفقاً للكشف التنافسي للعام 2021 بلغ عدد طلبات التوظيف التراكمي 423 ألفا من حملة المؤهل الجامعي ودبلوم كلية المجتمع الشامل. وأشار الناصر إلى ان نسبة التعيينات في المتوسط تصل الى نحو 2.72 % فقط في العقد الاخير من اجمالي عدد الطلبات الكلية في الديوان، وأن قدرة الجهاز الحكومي باستيعاب الخريجين سنوياً محدودة، حيث يتخرج نحو 70 ألفا بين حامل دبلوم كلية مجتمع وجامعي، في حين لا يستطيع الجهاز الحكومي استيعاب اكثر من 7 الى 8 آلاف خريج منهم، اي نحو 12 % فقط من عدد الخريجين. ولفت الى "أننا نحتاج لنحو 8 سنوات لاستيعاب خريجي العام الدراسي الواحد، وبالتالي لا بد من التركيز على التخصصات والمهن التي يحتاجها القطاع الخاص والأهلي الذي يعتبر المشغل الحقيقي والاساس للقوى البشرية في المجتمع، والمشاريع الريادية الصغيرة الانتاجية والخدمية منها، التي يستطيع الباحث عن عمل عبرها ان ينشئ مشروعا يدر عليه دخلا مناسبا، ويؤمن له تشغيلا ذاتيا واحيانا جماعيا". وكان وزير التربية والتعليم الدكتور محمد أبو قديس، قرر مؤخرا تشكيل لجنة تطوير التعليم المهني برئاسة الدكتور عبدالله عبابنة، وعضوية رئيس هيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية، ومدير عام مؤسسة التدريب المهني، وممثل عن هيئة الاعتماد وخبراء من القطاع التعليمي والقطاع الخاص. وتناط باللجنة مهمة إجراء مراجعة شاملة لمنظومة التعليم المهني الثانوي في وزارة التربية والتعليم؛ من حيث بیان نقاط القوة والضعف، والفرص، والمخاطر، والتقدم بمقترحات تعنى بتحقيق الرؤية الملكية التي تهدف إلى تطوير هذا النوع من التعليم، والاسترشاد بالتوصيات الواردة في الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية 2016 - 2025، إضافة إلى الإفادة من التجارب الدولية الناجحة؛ وفق ما يحقق الاستجابة لمتطلبات العمل الأردني والإقليمي؛ وصولا إلى منظومة متكاملة تتميز بالكفاءة والفعالية والانسجام مع الإطار الوطني للمؤهلات. وتتمثل مهام اللجنة في دراسة هيكلة التعليم المهني وتنظيمه على مستوى الوزارة ومديريات التربية والتعليم والمدارس المهنية، وبناء خطة للتطوير، وإعادة النظر في مراحل الدراسة للتعليم المهني ومدتها، إضافة إلى خطة لتأهيل الإداريين والمدربين وتدريبهم، وتعزيز الشراكة والتعاون مع القطاع الخاص، ودراسة استحداث تخصصات مهنية جديدة، فضلا عن الربط بين مخرجات التعليمين المهني والجامعي. كما تتمثل مهام اللجنة كذلك بالتدريب في مواقع العمل، وإعادة النظر في نظام القبول والتخصصات والإرشاد المهني. وفي هذا الصدد، قال وزير التربية والتعليم الاسبق فايز السعودي إن قرار الوزارة بتشكيل لجنة لتطوير التعليم المهني تعد خطوة متميزة، لافتا الى اهمية أن تكون النظرة التطويرية شمولية للمنظومة التعليمية في المسار المهني. وأضاف السعودي إن التوجه نحو التعليم المهني يجب أن يكون مرتبطا بتقويم قدرات وإمكانات الطلبة في مرحلة سابقة، وتوجيههم للعمل المهني من الصف الثامن أو التاسع كما يحدث في الدول المتقدمة. وبين أن توجيه الطلبة في هذه المرحلة العمرية نحو التعليم المهني، ضروري لتوفير خريجين لسوق العمل الأردني، موضحا أن هذا القرار يحتاج إلى متطلبات سابقة كالقدرة على تحديد وكشف القدرات والميول، واستعدادات الطلبة مبكرا من الصف الثامن أو في مراحل دراسية مبكرة، وضرورة توفير البنى التحتية في وزارة التربية والتعليم، فضلاً عن إكساب الطلبة المهارات المهنية المتنوعة وفقا لحاجاتهم في السوق. وأشار الى ضرورة أن يكون لدى الوزارة القدرة على تشعيب الطلبة وفقا لقدراتهم المهنية بشكل جيد، وهو ما يحتاج إلى اختبارات ومختبرات ومعلمين مؤهلين، ووسائل تعليمية متنوعة، مؤكدا أهمية أن يكون هناك تعاون بين القطاعين العام والخاص بخصوص تأهيل جيل يكتسب مهارات وتعليما مهنيا. وشاطره الرأي مدير مركز الفينيق احمد عوض، الذي أكد ضرورة مراجعة سياسات المنظومة التعليمية في الاردن، لافتا إلى أن هناك توسعا في التعليم الاكاديمي على حساب التعليم المهني، فيما رأى أن قرار وزارة التربية والتعليم بتشكيل لجنة لتطوير التعليم المهني يعد خطوة في الاتجاه الصحيح. وبين عوض أن النظرة المجتمعية السائدة حاليا حول نظام التعليم المهني والتقني ساهمت بإبعاد شرائح مجتمعية مختلفة عن خوض غماره، ما انعكس سلبا على مساهمته بنمو وتطوير مكونات الاقتصاد الوطني. وأشار عوض الى ان الكثير من الشباب يلتحقون بالجامعات بحثا عن المكانة الاجتماعية وليس بهدف التشغيل والتوظيف، موضحا أن سوق العمل يواجه فجوة بالأيدي العاملة من المهنين والفنيين والتقنيين، حيث إن هناك 800 الف عامل اجنبي يعملون بها، لافتا الى ان الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة اظهرت في تقريرها الربعي حول معدل البطالة في المملكة للربع الثاني من العام 2021، أن نسبة المتعطلين الذكور من حملة شهادة البكالوريوس فأعلى بلغ 31.2 % مقابل 83.4 % للإناث. ودعا إلى دراسة ميول وتوجهات الطلبة في صفوف مبكرة ومن ثم توجيههم وفقا لها، مع السماح للطلبة الذين يتوجهون الى التعليم المهني باستكمال تعليمهم الجامعي على غرار كل من ألمانيا وكندا وفرنسا. وبين أن الأصل أن يتوجه السواد الاعظم من الطلبة الى التعليم المهني والتقني، مقابل أعداد أقل للتعليم الجامعي، موضحا أهمية زيادة إنفاق الحكومة على التعليم المهني، حيث لا تتعدى الموازنة المخصصة له 13 مليون دينار منذ 10 سنوات، فيما يذهب 80 % من هذه الموازنة تكاليف تشغيلية. وشدد عوض على ضرورة قيام الجهات المعنية بتشجيع الطلبة على الإقبال على التعليم المهني عبر جعل المسار التعليمي التقني والمتوسط والمهني في الجامعات مجانيا، بغية تشجيع الإقبال عليه، فضلا عن زيادة المدارس المهنية ورفع طاقتها الاستيعابية، والسماح للطلبة باستكمال مشوارهم التعليمي في الجامعات. كما دعا إلى دراسة احتياجات سوق العمل ومن ثم استحداث التخصصات والخطط الدراسية المواكبة لمتطلبات سوق العمل، مؤكدا ضرورة إشراك القطاع الخاص في إعدادها. بدوره، اعتبر الخبير التربوي ذوقان عبيدات ان التعليم المهني يعد إحدى المشكلات الكبرى في التعليم، وهي مشكلة عايشت النظام التعليمي منذ الخمسينيات، حيث كان التعليم المهني آنذاك عبارة عن يوم واحد في الحياة المدرسية في الأسبوع في المرحلة الاعدادية. وقال عبيدات إن التعليم المهني تطور في فترة الستينيات وأصبح فرعا من فروع التعليم، حيث أُفرد فرع كامل للتعليم التجاري، ثم جرى تطويره في الثمانينيات ليصبح هناك تعليم ثانوي شامل، تقدم فيه المدارس برامج متكاملة في التعليم الاكاديمي المهني، ثم نشأت مدارس اطلق عليها المدارس الشاملة ثم ألغي منها المهني. وبين أن النقلة النوعية حدثت في التعليم المهني عندما أصبح هناك مساران، احدهما للتعليم الثانوي الأكاديمي والآخر للتعليم الثانوي المهني، فيما يلتحق الطلبة بأحد المسارين بعد الصف العاشر عندما يتم تشعيبهم، فإما أن يذهبوا للتعليم الثانوي المهني أو للمراكز المهنية. وأشار إلى أن الطلبة الذين يختارون المراكز المهنية يدرسون مدة عامين ثم يتخرجون من هذه المراكز في تخصصات عديدة، وفق متطلبات السوق، أما الطلبة الذين يتوجهون إلى المدارس المهنية فإنهم يتخصصون في أحد فروع التعليم المهني، وهي الصناعي والزراعي والفندقي والاقتصاد المنزلي. وأوضح عبيدات ان التعليم المهني بقي مرفوضا من قبل الطلبة، حيث ظل مخصصا للطلبة الأضعف أكاديميا، مؤكدا أن هذا الوضع أثر بشكل كبير على النظرة المجتمعية للتعليم المهني، الأمر الذي دفع الوزارة لوضع خطط لزيادة أعداد الطلبة الملتحقين به إلى 50 % إلا أن هذا الأمر لم يتحقق أبدا وبقي التعليم المهني لا يحظى بالسمعة التي يتمتع بها التعليم الأكاديمي. واكد عبيدات أن اصلاح التعليم المهني مطلوب الآن، وان على لجنة لتطوير التعليم المهني ان تأخذ بعين الاعتبار عدم جواز بقاء التعليم المهني للطلبة ذوي التحصيل الأكاديمي الضعيف، وأما اجتماعيا واقتصاديا فيجب ان تكون هناك معادلة تلزم الطلبة بمعايير أخرى غير الكفاءة المهنية. كما دعا إلى المزج بين التعليم الأكاديمي والمهني، بحيث يحصل الطلبة كافة على مساقات مهنية، منوها الى اهمية عدم اجبار الطلبة على دراسة مهن يمكن أن تندثر بعد تخرجهم، ما يتطلب إعدادهم لمهن جديدة غير معروفة لهم. ولفت الى ان اعداد الطلبة للمهن غير المعروفة يتم من خلال العمل على تنمية مهاراتهم المهنية الأساسية، مثل اخلاقيات المهنة، والمهارات المهنية العامة، على غرار كيفية التعامل مع الآلات والادوات، والمشكلات، والتفكير الابداعي في حلها، موضحا ان اكساب الطلبة هذه المهارات يمكن الطالب المهني الخريج أن ينتقل من مهنة إلى أخرى بحرية، ومن دون حصره بمهنة معينة. ودعا الى تدريب الطلبة في المصانع وليس في المدارس، بحيث تكون الاخيرة مخصصة لتزويدهم بالمهارات العامة، كمهارة اللغة الانجليزية والتعامل مع الآلات والأدوات وحل المشكلات، معتبرا ان السماح للطلبة من التخصصات المهنية بالتجسير في الجامعات تعد مسألة مهمة لكن غير كافية، فالمطلوب اليوم تعليم مهني يمكن طلبته من الالتحاق بالجامعات وفي أي فرع يحتاجونه، حتى لو كانت أكاديمية، وليس في فرع تعليمي محدد كما هو حاصل الآن.اضافة اعلان