"مِعراج الكرَك"

أرى تقلُّبَ وجهك في السماء. كأنَّ يداً ما معلَّقة فوق رأسك تمتدُّ لتحملك.
فاصعَد خفيفاً هذه المرَّة، بلا طائرةٍ وبلا مشيّعين، أنت الطائر.. ومحلُّ كل نجمةٍ ضع كعبكَ، يا طفلها الملوَّن العينين، هذي الطريق ستأخذك إلى سدرة المنتهى، فضع هناك رأسك ونَم.اضافة اعلان
يا قلب أمّك.
نم مثل سيدٍ مُنتصر، مثل فارسٍ خلا إلى نفسه، الحرب انتهت، والسماء غنيمتك الصغيرة، ضع رأسك على ركبة أوّل ملاكٍ تصادفه، وقل له أنَّك جئتَ من “الكرك”، تلكَ التي منذ جدّك جعفر تُنبتُ للشهداء أجنحةً، لأنّها تخجلُ أن لا تحملهم إلى الله كاملين !
..
أرى تقلُّبَ وجهكَ في السماء.
والأسئلة تملأ فمك، لكنَّك ساكتٌ عمّا حولك كأنَّك في صلاة، أو تُعدُّ روحكَ لمعراجها، لتصعدَ الآن السموات التي لم تخضها بطائرتك، السموات التي يصعدونها مشياً، وصعدتها أنت مثل شمسٍ خاطفة، أو كما تُتمتمُ أمُّك بين صلاتين بدعاء قصير!
..
الحربُ وضعَت أوزارها على فوَّهات الأسلحة، الأسلحة التي أحاطت بك مثل غربانٍ سوداء، أمّا انتَ فاصعد الى الله واضحاً وصريحاً مثل ضحكات المنتصرين، هذه السماء الآن لك، تحت أشجارها سيجيء الأنبياء للسلام عليك، ويقرأون كتبهم المنزلة على جروحك،.. وتحتَ شجرةٍ سعيدةٍ هناك ستجدُ أوسمتك العسكريةَ كاملةً !
..
أرى تقلُّبَ وجهك في الركام.
في أنقاض البيوت، ووجوه الجنود، وأنتَ مثل ضوءٍ شحيح، يخفتُ قليلاً ثم يصَّاعدُ في السماء،
تنهضُ بين البيوت فيكاد ركامُها يضيء، ووحيداً .. واحداً .. تصعدُ، مثل سرٍّ ثمينٍ ضاقت به الأرض، .. وبدون اسمك أو رتبتك، دون “واحدٍ وعشرين طلقةً”، ... تصعدُ مثل أذان الفجر في “عيّ” .. وتصعدُ أرشقُ وأخفُّ وأسرعُ من النشيد الوطني!
..
والبنات يمشين في معراجك ضاحكات، منتشياتٍ، راقصات، يغنيّن للغزال الذي اصطدنه بغمزة عين، للفارس الذي ذاع عطره بين السموات، ويحلفن أنَّ لمثلك تتحنَّى العرائس، “ يا زريف الطول .. يا زين الشباب”.
..
أرى تقلُّبَ وجهك، وجهكَ الكريم.
وأرى السماء تنحني على ركبتَيها، تمدَّ لك يدها، تنتشلك، وتضع نجومها الكثيرة على كتفيك، وأنتَ تُقلِّدُها حروف اسمك الأربعة، حتى وإن احترقت أطرافها!