"هالتي"

لم ترافقني كالمعتاد في مشواري الصباحيِّ إلى العمل. قدتُ السيارة بعصبية، فعطلتُ سَيْر المرورِ في أكثر من منعطفٍ، وتسبَّبْتُ بنكدٍ بالغٍ للمارة بإثارتي، أثناء قيادتي المتهوِّرَة، لماء الشوارع، وقذفه من دون قصد واضح على ثيابهم المعدَّة لنهارٍ جديد. وبالتأكيد نالتني شتائمَ قذرة، تجاهلتها، كما أهملتُ الردَّ على الهاتف المحمول؛ فسأكونُ غليظا لا أحتملُ من دون "هالة".اضافة اعلان
في محاولةٍ أخيرةٍ انتظرتُها في المرآب الخاص بالعمل. قلتُ بصيغةٍ مُرتبكة إنها ربَّما نسيَتْ موعدنا، أو تأخَّرت بالنوم، على غير العادة، أو أنَّها، وهذا ما استفزَّ غيرَتي الزائفة، رافقَت شخصاً آخرَ هذا النهار؛ إنْ كان كذلك فلا بأس يوم واحد وستعودُ إليَّ مكسورةً؛ هذا مصيرُ البحث عن مُرادفٍ لي. قلتُ بثقةٍ مطلقة.
اضطرَرْتُ الدخولَ إلى العمل من دونِها، فلا أستطيعُ التأخُّرَ أكثرَ من ذلك؛ إذ يرأسني مديرٌ يجلِّلُ نفسه بتجهمٍ بالغ، ويُبادرُ منذُ الصباح لفرض إيقاع عمل متوتِّرٍ، وتخلفي عن الالتحاق بالموعد المحدَّدِ يعني أنّني سأواجه تقريعاً علنيا أمام زملائي المهيبين، يجعلُ كتفي أقصر في هذا اليوم الصعب.
مشيتُ بين المكاتبِ لاحظتُ أموراً جديدة لم أعتدْها على زملائي: فالنَّكِدُ الذي كان يتكاسلُ عن حلاقة ذقنه، بدا مُشْرقاً يضحكُ بشكلٍ متواترٍ، لا يبدو ذلك مريحاً تماماً فهو يشفُّ عن أسنان صفراءَ كالشحوبِ، لكنَّهُ حدثٌ لا يقلُّ استثنائيَّةً عن جلوس الخبير، الذي استقطبته الشركة، مجرَّدا من ريشه، يتناوَلُ إفطاراً شعبياً مع موظفين متدنِّي الدرجات، ولا يأخذُ بالحسبان إمكانيَّة أنْ يتغمَّسَ قميصه الحريريّ بالزيت البلديِّ.
كلما تجولتُ أكثر، تعاظمت دهشتي، فما كنتُ على اتساع خيالي، أتوقع مشاهَدَة الموظفة الشاهقة الجمال، تبادرُ بتحيَّة الصباح على كلِّ مَنْ يصادفها؛ قالت لي بتودُّدٍ: "يا صباح الوَرْد"، أنا الذي كان أقصى ما أحلمُ به منها أنْ أصطدم بها عفواً، وأقولُ متلعثما كلمة اعتذار إنجليزيَّة لا أتقنها تماما، ثمَّ تردُّ بابتسامة عتبٍ عَذبٍ.
في هذا اليوم الغريب لم يعد هناكَ شيء مستغرب، حتى رؤية المدير وهو يغادِرُ مكتبه الشاسع يحملُ "صينية" القهوة من المراسل، ويدعوه للجلوس أمام ضيفه الذي بدا متفهِّما بلا علامات دهشة. يظهرُ من وراء الجدران الشفافة أنَّ حديثاً وديا جرى بين الثلاثة، تمحوَرَ، على الأغلب، حول الطريقَةِ الأكثر حداثةً في إعداد القهوة العربية.
..وأنا تخلصتُ على الفور من صدمة اختفاءِ "هالة"، وبَدَوْتُ خفيفا غير متذمِّر، بعدما وجَّهتُ تحية الصباح غناءً لزملائي قلتُ لهم نكتة خدشتُ بها التجهمَ العام، واستجابَ الزملاء والزميلات بضحكٍ صاخب؛ يبدو أنَّهم جميعاً قد تخلصوا من "هالاتهم".
انتهى الدوامُ سريعا كحصَّةِ الفراغ والأنشطة اللامنهجية. انتظرتُ حبيبتي، لم تتأخر على غير المعتاد، رغم ذلك بادَرَت للاعتذار، وقبِلته اليومَ، كما لم أقبله من قبل. أسنَدْتُ لها مهمَّة القيادة، وافقتْ بعد استغراب ضاحكٍ، وجلستُ بجانبها متخفِّفاً من الذكورة المعقدة، ووافقتُ بترحاب، كما لم يحدث أبداً، على اقتراحِها أنْ نذهَبَ لحضور ندوة صحيَّةٍ "جافة" تفيدنا أثناء الزواج. الطبيبُ المحاضِرُ كانَ مرحاً، كأنما هو في عرض كوميدي، والجمهور من المرضى المحتملين، كانوا يصفقونَ عند كلِّ معلومة مفيدة.
مشينا في الشوارع، الناسُ خلعوا "هالاتهم"، ولم يتوقف السير لمشاجرةٍ طارئة، أو توقفَ الناس لفضِّ عراكٍ تلاسني بين شخصين لقياس أهميتهما، وما مرَّ رجلٌ يرتدي ربطة عنق، أو سيِّدةٌ تحملُ رفَّ المكياج في حقيبتها..؛ وما اضطرَّ أحدٌ إلى الالتفاتِ إلى أحد.
نمتُ خفيفا رغم العشاء الدسم، وصحوتُ مقبلاً على العمل؛ أو هكذا بدا الأمرُ حتى فتحتُ البابَ، فصادفتني "هالة" في موعدها القديم، ورافقتني كـ"الزواج المؤبَّد"!