هل هاجر السوريون إلى الأبد ؟

الذي يشاهد مباريات المنتخب الفلسطيني لكرة القدم ينتبه أن ما يقارب نصف اللاعبين هم من دول بعيدة في أميركا اللاتينية أو بولندا، وهم أحفاد مهاجرين قدامى وبعضهم أبناء أحفاد، يعيشون ويلعبون ويتحدثون بلغات أجنبية، في بلاد أجنبية، لكنهم يلتحقون بالمنتخب اذا ما خاض مواجهات مهمة، ثم يعودون لـ “بلادهم” .. إن جاز التعبير !اضافة اعلان
القصد من الكلام أن العربي لا ينبت عن جذوره، وأن العروبة شديدة العدوى وتنتقل إلى أحفاد الأحفاد، فلا خلاص منها، والحنين إلى الجذور، والأصول، يظل متوارثاً، حتى ولو كان الحفيد أشقر لا يتحدث العربية !
لكنَّه وفي الحديث عن الهجرة الأكبر في هذا القرن، هجرة السوريين، وتوزعهم في العالم، والذي يقول البعض أنها تجاوزت الثمانية ملايين شخص، يبرز جانب آخر، خفيّ، يحدث تحت جنح السوريين، هو الهجرة هذه المرة من العروبة ذاتها.
حيث تقول مصادر دوائر الهجرة الأوروبية أن ثلث من يحاولون دخول البلاد برا أو بحرا هم من السوريين، فيما الثلثان الباقيان هم من باقي الجنسيات العربية، يحاولون استغلال حالة الفوضى القائمة والهجرة من مجتمعاتهم العربية الى أوروبا.
وهو أمر صحيح جداً، حيث تنتشر فكرة الهجرة الآن بين العرب كما لم تحدث من قبل، وإن نجح بضعة آلاف بالوصول الى “النعيم الأوروبي” كما يتخيلونه، فإن مئات الآلاف أيضاً فشلوا بالوصول، فضلاً عن ملايين من الناس يحاولون أو يفكرون بذلك على مدار الوقت !
فالحديث الأكثر رواجاً بين الناس المستقرّين في حياتهم وأعمالهم هو عن الحصول على فيزا “الشنغن”، ومن ثم الشروع في تلفيق أسباب ما لهجرة طويلة، وقلة من الشباب العرب الذين لا يخططون لذلك الآن.
وهذا يقود للسؤال لماذا أصبحت “المجتمعات العربية” بيئة طاردة ؟ وهل تعرض العربي لخذلان شديد في السنوات الأخيرة من “قوميته” التي لم تنجح في إثبات كل الشعر الذي قيل فيها، ولم تحم أبناءها من الموت على أطراف المحيطات الغريبة والأرصفة البعيدة، وتكشَّفت عن هوية هشَّة وقليلة الحيل، أمام مجتمعات تحترم الإنسان وتوفر له كل ما يلزم من أجل حياة كريمة، ومن أجل انسانية عزيزة.
أم ان “القومية” هي نفسها تعرضت لخذلان من “العربي” الذي تجاذبته هويات فرعية أخرى، وانحاز للطائفية والمذهبية والقُطرية، بل ولقوميات معادية، مديرا ظهره لكل ما هو عربي وقومي؟
الأمر معقد، فالهجرات القائمة الآن بعضها قسري وهو تهجير وليس هجرة، كما مع اللاجئين السوريين، لكن بعضها الآخر هو هجرة طوعية لآلاف من الناس الذين يتركون بيوتهم ووظائفهم، فهم لا يهاجرون من الفقر أو البطالة، ومنهم سوريون أيضاً، غادروا تحت يافطة اللاجئين، رغم أنهم مقيمون أصلاً في الكويت أو دبي أو عمّان، وحين تستمع لهؤلاء يردد أغلبهم عبارة واحدة “ أريد أن أضمن مستقبل أولادي”، ويتبعها ببعض الشتائم للعرب وحياتهم !!
لا أحد ضد حق الناس في البحث عن الحياة التي تحترم انسانيتهم، لكنَّه يحزُّ في النفس أن كل الشعب العربي صار يفكر بالهجرة، وأن بلادنا صارت منفرة الى هذا الحدّ، وأن عروبتنا صارت تُشتم من أهلها، وصارت عرضة للسخرية والتقليل من شأنها.
ولو أن أبواب الهجرة فتحت على مصراعيها، ولم يعد خطر الغرق أو الموت في الشاحنات يتهدَّد الناس، وصار الوصول مضموناً وآمناً، فهل سنصحو على مدن عربية فارغة تماماً ؟ هل سينهار الوطن العربي ويختفي في كتب التاريخ ؟!