وفيات كورونا تفرض إرثا ثقيلا على الأطفال

نادين النمري عمان- "قولي لهم ما رح أرجع، هيك أحسن بتعودوا" هي الجملة الأخيرة التي قالها رائد لزوجته قبل أن يدخل في غيبوبة صناعية بعد تدهور وضعه الصحي إثر إصابته بفيروس كورونا. معاناة طويلة عاشتها عائلة رائد (اسم مستعار) وهو أب لثلاثة أطفال مع المرض وهي معاناة العديد من الأسر الأردنية التي فقدت معيلها. فبحسب دراسة حديثة نشرتها "امبيريل كوليج" في لندن يقدر عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم بسبب الوباء نحو 7300 طفل وطفلة، كاشفة عن صعوبات اجتماعية ونفسية واقتصادية لحقت بغالبية الأطفال نتيجة هذا الفقد. تقول (نسيم) اسم مستعار أيضا، وهي زوجة رائد "لزوجي قصة طويلة مع المرض بدأت العام 2013 مع فشل كلوي تام تطلب زراعة كلية جديدة". تبرعت نسيم بكليتها لزوجها وتمكن من العودة إلى حياته بشكل طبيعي مع بعض التحديات الصحية البسيطة، ومع بدء الحديث عن انتشار فيروس كورونا في الأردن باتت الأسرة أكثر خوفا وتحوطا من إصابة الزوج بالفيروس نظرا لتاريخه الطبي الذي يضعه ضمن الفئات "الأكثر اختطارا". رغم حرص العائلة الشديد وتجنب أي مخالطة اجتماعية لكن رائد أصيب بالفيروس في مكان عمله بعد إصابة زميله في المكتب، في ذات اليوم الذي حصل به رائد على النتيجة الإيجابية تدهور وضعه الصحي مساء ليدخل إلى المستشفى تاركا أطفاله الذين تتراوح اعمارهم بين 14 و7 أعوام. في حديثها تشير (نسيم) إلى تعاطف كوادر المستشفى مع حالة زوجها خصوصا بعد علمهم بأنها تبرعت بكليتها له قبل سنوات، هذا التعاطف دفع بالكادر للسماح لها بزيارة زوجها في المستشفى يوميا مع اتخاذ الاحتياطات بارتداء الملابس الواقية. لم تتجاوز اقامة رائد في المستشفى أربعة أيام ليتوفى لاحقا، تقول نسيم "خلال فترة اقامة زوجي في المستشفى حاولت تحضير أطفالي لإمكانية وفاة والدهم، لكنهم لم يكونوا جاهزين أبدا لذلك صدمة كبيرة حلت على الأطفال ما زاد منها الإجراءات المتعلقة بالوقاية من الوباء". وتوضح، "لم اصب أنا أو أطفالي بالمرض لكن الوضع الوبائي في حينه خلال شهر آذار (مارس) جعل جميع المحيطين بنا يخشون زيارتنا للمواساة بمن فيهم بيت الجد، كان لذلك أثر سلبي نفسيا على الأطفال وجدت نفسي أمام أسئلة لا أعرف الإجابة عنها، كان يفترض بي تخفيف الحزن عنهم في وقت كنت أعاني من جرح كبير". وتتابع، "خلال أزمة أسرتي شعرت فعلا بأهمية الدعم النفسي وهي خدمات غائبة. ربما كنت بحاجة لمن يساعد أطفالي في الخروج من الحالة التي عانوا منها، أو من يساعدني على التعامل معهم في تلك الفترة، ورغم مضي الوقت لكني ما زلت أعاني من ذات المشكلة". وقالت، اليوم "نتلقى من الضمان الاجتماعي ثلث الدخل الذي كان يحققه زوجي قبل وفاته فقط. ذلك فرض علينا تقليص النفقات بشكل كبير. لا استطيع أن أقول أنني نادمة على ترك عملي سابقا لأنه لم يكن لدي حينها أي خيارات أخرى لكن بكل تأكيد الآن نحن بحاجة إلى دخل إضافي". تختلف حالة منار (اسم مستعار) عن حالة (نسيم)، فمنار لم يكن زوجها يعاني من أي أمراض قبل إصابته بالفيروس، وتصف وفاة زوجها بالفيروس بـ "الصدمة الكبيرة"، وتقول "أصيب كلانا بالفيروس كانت الأعراض في بدايتها بسيطة لي ولزوجي لكن فجأة تدهور وضعه الصحي وتم وضعه على جهاز التنفس الاصطناعي لعدة أيام ليتوفى بعد ذلك". لدى زوج منار صالون حلاقة للرجال لكن عمله تدهور مع بداية الجائحة بعد قرار إغلاق صالونات الحلاقة والتجميل، وأصيب بالفيروس نهاية العام 2020 ليتوفى مطلع العام الحالي. تقول منار، "لما توفي لم نكن نملك أي قرش، وحاليا أعيل خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين 5- 17 سنة براتب يخضع لبرنامج استدامة فلا أحصل سوى على 75 % من الراتب". تعيل منار خمسة أطفال بدخل شهري يبلغ 450 دينارا فقط وهو ما يشكل أقل من ثلث دخل العائلة قبل وفاة زوجها، مشيرة إلى أن "أولادي مسجلون بمدارس خاصة كان والدهم دفع القسط قبل وفاته. أما الآن فلم أسجلهم بمدرستهم ولا بالحكومية لأني فعلا مش عارفة شو أعمل انقلهم لمدارس حكومية ولا اخليهم بالخاصة". وتلفت منار إلى اشكالية التعليم عن بعد وتقول "طب إذا تحول التعليم عن بعد أنا كيف بدي اشتغل وأولادي يدرسون، مشيت حالي بصعوبة بالفترة الماضية بس حاليا رح يكون الوضع صعبا"، لافتة إلى المعاناة التي ما تزال تعيشها مع أطفالها خصوصا الأصغر سنا، فهم غير متقبلين لفكرة وفاة والدهم، وتقول، "أنا لا استطيع مساعدتهم لأني شخصيا بحاجة لدعم ومساعدة وفقدت القدرة على الفرح أو الحزن. أشعر أنها أيام ثقيلة يجب أن تمر". تشكو منار غياب الدعم النفسي لعائلتها والعائلات المشابهة لحالتها، وتقول "نحن نعيش في وباء صعب كان من المفترض أن تخصص الدولة اهتماما للوضع النفسي والصحة النفسية للأسر التي فقدت معيلها نتيجة الوباء هذه الخدمات غائبة تماما". وتتساءل "لم لا يتم التعامل مع العائلات التي فقدت معيلها بسبب الوباء معاملة كتخصيص دعم اقتصادي ونفسي للأسر خصوصا ان التغيرات كانت مفاجئة على الأسر سواء من الناحية الاقتصادية أو النفسية". وتضيف، "حتى برامج الدعم التي اطلقتها الحكومة تم رفضي بها لأني مسجلة بالضمان الاجتماعي، علما بأن زوجي غير مسجل وأنا حاليا يخصم من دخلي من برنامج استدامة بدلا من دعم أسرتي". حالتا نسيم ومنار تعكسان حالات آلاف العائلات والأطفال الأردنيين ممن فقدوا معيلهم، وفي حالات أخرى فقد الأطفال أمهاتهم، ومع معاناة الفقد وجدت هذه العائلات نفسها وحيدة مع ضعف خدمات الدعم النفسي أو الدعم الاقتصادي لها. وفي هذا السياق تقول المديرة التنفيذية لمجموعة القانون لحقوق الإنسان "ميزان" المحامية ايفا أبو حلاوة إنه في حالات الطوارئ والأزمات يتطلب وضع خطة للتعامل مع المتضررين منها، في الجائحة كان هناك تركيز على الجانب الخاص بالصحة الجسدية لكن كان هناك ضعف في خدمات الصحة النفسية المقدمة رغم أن الجائحة كان لها أثر كبير على الحالة النفسية للأشخاص. وتبين، "الدعم الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لا يقتصر على الدولة فهناك دور لمؤسسات المجتمع المدني ومن الضروري في هذا الشأن بناء شراكات حقيقية بين المجتمع المدني والحكومة لتسهيل مهمة المجتمع المدني في تقديم هذه الخدمات". من جانبه قال أمين عام المجلس الوطني لشؤون الأسرة محمد مقدادي إن "هناك حاجة لتعزيز توفير الخدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأسر الأكثر عرضة للخطر بما فيها الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم بسبب الجائحة". وأضاف، "دائما نؤكد ضرورة توفير الخدمات النفسية للأطفال في الأسر المعرضة للخطر، فمسألة فقدان أحد الوالدين لأطفال صغار يشكل صدمة نفسية اجتماعية لهؤلاء الأطفال وهذا مدعاة لتوفير تدخل نفسي اجتماعي لهذه الأسر بطريقة منظمة ومستمرة". اما الجانب الآخر وفقا لمقدادي، فهو الصدمة الاقتصادية التي ستعيشها العائلة نتيجة لفقدان أحد المعالين أو كلاهما وهذا أيضا يتطلب برنامج دعم اقتصادي منظم لهذه الأسر يضمن الحماية لها كبرامج الدعم النقدي أو الحوالات النقدية لعائلات الايتام، مشيرا إلى الحاجة لخطط استراتيجية شمولية لكافة الجوانب تضمن مساندة الأسر والفئات الأكثر تضررا من التداعيات النفسية والاقتصادية والاجتماعية. من جانبها تقول العين السابق وعضو مؤسسة درة المنال سوسن المجالي، "في الشق المتعلق بالدعم الاقتصادي فإن الجائحة تؤكد أهمية وجود نظام حماية اجتماعية فاعل لتقديم الدعم للأسر، لكن في ظل الوضع الحالي فإن الدعم المتاح أقل بكثير من حجم الحاجة، وفي الشق المتعلق بالدعم الاجتماعي للأسف هناك تقصير بالدعم النفسي خلال الجائحة، مشيرة إلى أن هذه "الخدمات لم تكن متوفرة بشكل مناسب حتى قبل الجائحة، وهي أكثر غيابا في الأزمات وحالات الطوارئ ككارثة البحر الميت وتفجيرات عمان". ويوضح مدير عام معهد العناية بصحة الأسرة إبراهيم عقل ان "المعهد قام بعدة مداخلات أثناء الحظر والإغلاقات والحظر الجزئي"، مبينا انه "مع الإعلان عن بدء الإغلاقات أطلق المعهد 10 خطوط مساندة ودعم كل خط مختص في مجالات متعددة في مجال الدعم التفسي، والتأهيل لكافة أشكال الإعاقات، مشيرا إلى أن الأكثر تأثرا والأكثر معاناة العائلات التي لديها ابناء من ذوي الإعاقة حيث كنا نقدم لهم جلسات تأهيل عن بعد عبر الاتصال التلفزيوني". ولفت عقل إلى أن المعهد قام بتشبيك بعض الأسر لتقديم الدعم لكن حجم الدعم المطلوب كان أكبر بكثير من حجم المتوفر، وفي البعد الاقتصادي خاصة زيادة المتعطلين عن العمل فإن أسرا كثيرة باتت بحاجة لدعم رغم أن أوضاعهم كانت جيدة سابقا. وكانت مدونة منشورة على موقع البنك الدولي تحت عنوان "الأطفال: الجائحة الخفية 2021" حذرت من "الآثار الاقتصادية والإنمائية والنفسية على هؤلاء الأطفال على مر الأجيال، وهي إرث ثقيل من وفيات كورونا". ويمثل الأطفال الذين فقدوا معيلهم محنة خفية لا يكاد يلحظها أحد. وبحسب تقديرات البنك الدولي فإنه خلال الأشهر الأربعة عشرة الأولى للجائحة مر أكثر من مليون طفل بمحنة وفاة أحد مقدمي الرعاية الأولية، ومنهم آباء أو أجداد حاضنون. ودعت المدونة الى إعطاء أولوية للموارد الفنية من أجل نمذجة وتحديد ومتابعة وتقييم برامج رعاية الأطفال المتأثرين باليتم المرتبط بجائحة كورونا ووفاة مقدمي الرعاية. وشددت على ان الاستثمار في رأس المال البشري للأطفال اليوم ضرورية لتأمين مستقبلهم ومستقبل مجتمعاتهم وبلدانهم. ولهذه الاستثمارات معدلات عائد مرتفعة تتراكم على مر السنين، ومن جيل لآخر. وتحتاج الأعداد المتزايدة للأطفال الذين أصبحوا أيتاما بسبب جائحة كورونا إلى دعمنا ومساندتنا. ودعت إلى مساندة عمليات التطعيم للحيلولة دون مزيد من الوفيات لمقدمي الرعاية في المستقبل وإيقاف مد حالات التيتم، في إطار مؤسسي بسبب ضرره الملحوظ على النمو النفسي والبدني والعقلي.اضافة اعلان