هل اقتربنا من حقبة السيارات الطائرة؟

09f34610-24b6-11ee-941e-23d1e9ab75fa
السيارات الطائرة
حقبة جديدة من الرحلات الجوية أوشكت على البدء. في 12 يونيو/حزيران عام 2023، أصدرت إدارة الطيران الفيدرالي الأمريكية شهادة صلاحية طيران خاصة لنوع من السيارات الطائرة أنتجته شركة أليف إيرونوتكس Alef Aeronautics تسمح لها بالطيران في عدد محدود من المواقع لأغراض العرض والبحث والتطوير.اضافة اعلان

مصطلح "النقل الجوي المتقدم" (الذي يعرف اختصارا بـ AAM) هو مصطلح عام يشير إلى طائرات الركاب أو طائرات الشحن التجاري التي تستخدم فيها نظم آلية متطورة. وعادة ما توصف بسيارات الأجرة الطائرة أو الطائرات عمودية الإقلاع والهبوط، وتعتبر من الناحية النظرية وسائل نقل أسرع وأكثر أمانا. فليست هناك بنية تحتية أو ازدحامات مرورية تبطئ حركتها. وعلى الرغم من أن السيارات الطائرة ما زالت حلما، إلا أن اعتراف إدارة الطيران الفيدرالي بسيارة أليف يمثل نقطة تحول في مستقبل النقل الجوي.

لكن ربما يظل هناك العديد من التحديات التي يجب اجتيازها قبل أن تصبح واقعا ملموسا في المدن حول أنحاء العالم – وليس أقلها الضوضاء المتواصلة التي تنتج عن إقلاع السيارات الطائرة وهبوطها ومجرد مرورها.

كان مؤسسو شركة أليف قد بدأوا في تطوير الفكرة في عام 2015، وصمموا النموذج المبدئي لها في عام 2019، والذي أطلقوا عليه اسم Model A. هذه السيارة المطابقة لمعايير القيادة على الطرق سوف تتسع لراكبَين وتصل سرعة قيادتها على الأرض إلى 200 ميل (حوالي 322 كم) وسرعة طيرانها إلى 110 أميال (177 كم).

السيارة الصغيرة والأنيقة مصممة لتبدو كأي سيارة عادية، ولن تكون بحاجة إلى ممر إقلاع لتطير في الجو، بل وسوف تتسع لها الأماكن التقليدية المخصصة لصف السيارات. المقاربة المبتكرة المتبعة في تصميم Model A تركز على سهولة التشغيل وعلى البنية في الوقت ذاته، حيث تزعم الشركة أن تقنية السيارة التي لها حق ملكيتها تسمح لها بالإقلاع العمودي وتحولها إلى طائرة ثنائية السطح أثناء طيرانها، حيث تتحول الأبواب إلى أجنحة – كل ذلك في محاولة إلى تغيير طرق التنقل اليومي بشكل دراماتيكي.

بيد أنه حتى الآن، عدد صغير فقط من المستثمرين هم الذين شاهدوا Model A أثناء قيامها برحلة طيران توضيحية عام 2019، وفقا لموقع الشركة على الإنترنت.

ولكن يبقى هنالك عدد من التحديات التقنية. "بعض المكونات التي نحتاج إليها ببساطة غير موجودة في العالم في الوقت الراهن"، كما يقول جيم داكوفني المدير التنفيذي لشركة أليف إيرونوتكس، مضيفا: "على سبيل المثال، لتفادي الإجهاد التفاضلي، نحتاج إلى أنظمة مراوح دفع عالية التخصص". كما أن قيود الحجم والوزن والسعر سوف تحدد متى ستصبح تلك السيارات الطائرة متاحة للاستخدام العام، وما إذا كانت ستكون آمنة للركاب.



السيارة الطائرة Model A التي أنتجتها شركة أليف

تأمل الشركة التي تتخذ من ولاية كاليفورنيا مقرا لها في البدء في تصنيع السيارة الطائرة عام 2025 أو بداية عام 2026، وإن كانت قد شرعت بالفعل في قبول طلبات الشراء المسبقة (حاليا يبلغ السعر 300 ألف دولار للسيارة الواحدة، ولكن أليف تأمل في أن تتمكن من تخفيض التكلفة إلى 35 ألف دولار). وتعتبر Model A سيارة طائرة خفيفة للغاية "ومنخفضة السرعة"، وهو تصنيف قانوني كان مخصصا في الأصل لعربات الغولف والسيارات الصغيرة التي تعمل بالكهرباء، كما أن الهيئة الوطنية لسلامة مرور الطرق السريعة وضعت إرشادات صارمة للغاية لاستخدامها.

يقول داكوفني: "إنها نموذج أولي رائد. عندما حلت السيارات محل الخيل، أثير العديد من التساؤلات بشأن سلامتها وبشأن ما سيحدث للمدن...الكثير من الناس أرادوا العودة إلى الخيل. إذا ما صُنعت كما ينبغي، سوف تكون السيارات الطائرة أكثر أمانا".

لكن الهدف في نهاية المطاف هو أن تكون Model A سيارة، وضمان أن السيارة آمنة عند الطيران – بجعلها خفيفة وانسيابية – ربما سيؤدي في واقع الأمر إلى أن تصير أقل أمانا عند السير على الأرض. يقول داكوفني: "الجزء الأصعب هو عملية التحول: فنحن لا نعرف ماذا سيحدث عندما تنتقل السيارة من الأرض إلى الجو". الوضع المثالي هو أن يصبح هناك انتقال فوري للتحكم من الأرض إلى الجو، ولكن العراقيل القانونية والمتعلقة بالسلامة معقدة.

من سيقود السيارات الطائرة؟ وهل سيحتاج الركاب إلى رخصة؟


النقل الجوي في المناطق الحضرية سوف يكون بالأساس من مسؤوليات هيئة الطيران المدني الرسمية في بلد ما – مثل هيئة الطيران الفيدرالية بالولايات المتحدة. وسيكون لتلك الهيئة كامل السلطة القانونية على عمليات المجال الجوي في كل بلد، وصلاحية إصدار تراخيص للأنواع الجديدة من الطائرات بعد إجراء فحوص أمان صارمة. دور المدن في ضمان السلامة هو تطبيق المعايير التي تضعها تلك الهيئات.

وطبقا لتقرير خطة العمل الصادر عن هيئة الطيران الفيدرالية الأمريكية، سوف تخضع عمليات السيارات الطائرة في البداية للأطر والقواعد المطبقة حاليا. يعرب التقرير عن بعض المخاوف ولكنه لا يعالجها بشكل كامل: الضوضاء، التلوث، الأمن، الاستدامة والتكلفة.

من سيقود تلك السيارات الطائرة؟ هل سيحتاج الركاب إلى الحصول على رخصة؟ كيف ستؤثر نقاط الإقلاع والهبوط والسيارات التي تطير على ارتفاعات منخفضة على الحياة في الأحياء السكنية؟ وأي سلطة قضائية ستكون مسؤولة عن حوادث التصادم التي تحدث في الجو؟




لن تكون السيارات الطائرة حلا سحريا للاختناقات المرورية في مدن مثل لوس أنجليس

السرعة التي ستسير بها تلك السيارات قد تؤدي إلى وقوع تصادمات، إما بين السيارات وبعضها أو بالمباني، ومن ثم فإن التخطيط العلمي الدقيق للمسارات أمر في غاية الأهمية. التصور الذي وضعته هيئة الطيران الفيدرالية يتضمن "سيارات أجرة طائرة" تعمل ضمن ممرات محددة بين المطارات ونقاط الإقلاع والهبوط التي ستكون موجودة في وسط المدن. لكن حتى الآن، ليس هناك شروط معينة لعملية تخطيط مسارات السيارات الطائرة.

وهناك مشكلة أخرى هي الضوضاء. تصميم السيارات الطائرة بحيث تكون هادئة شيء صعب، لا سيما عندما تكون هناك عمليات نقل جوي تجاري على نطاق واسع تتضمن المئات من عمليات الإقلاع والهبوط كل ساعة. مراوح الدفع التي تعمل بالكهرباء وغيرها من عناصر تصميم السيارات الطائرة من الممكن أن تخفض من التلوث السمعي، وينبغي على مخططي المناطق الحضرية أن يأخذوا في الاعتبار مستويات الضوضاء التي ستصدر عند نقاط الإقلاع والهبوط، ولكن ربما تكون هناك حاجة إلى قواعد وتشريعات حكومية صارمة للتحكم في مستويات الضوضاء. وربما يكون من الممكن الاستفادة من القواعد الموجودة بالفعل، كالمعايير المطبقة على الطائرات والمروحيات التقليدية.

وقد تعاونت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" مع هيئة الطيران الفيدرالية وباحثين جامعيين وغيرهم من رواد صناعة الطيران لتطوير أدوات برمجية تتنبأ بالضوضاء الناتجة عن النقل الجوي المتقدم، في محاولة لمساعدة الشركات المصنعة على تصميم سيارات أهدأ.

وسوف تسعى حملة النقل الجوي المتقدم التي أطلقتها الوكالة إلى البحث في استجابة البشر للمستويات المنخفضة من الضوضاء، أو الحد الأقصى لما يطلق عليه "الضوضاء ذات الموجات العريضة" (يعني ذلك المصطلح الصوت الذي لا يستطيع المستمع تحديد مصدره)، وكيفية التنبؤ بالصوت التي سيحدثه عدد كبير من تلك السيارات في وقت واحد.




هناك حاجة إلى التغلب على عدة مشكلات - من بينها الضوضاء - قبل أن تصبح فكرة السيارات الطائرة قابلة للتنفيذ

كانت شركة Arup البريطانية التي تقدم خدمات تصميمية وهندسية واستدامية للبيئات الحضرية قد أجرت حلقة نقاش تتناول إمكانيات – ومشكلات – سوق النقل الجوي المتقدم. يقول بايرون ثيربر، مدير مشروعات Arup بمدينة سان فرانسيسكو الأمريكية: "فرص المدن في تأكيد سيطرتها تأتي من خلال رخص المشروعات.

وكما هو الحال بالنسبة للمطارات، فإن السلطات المحلية لديها صلاحية وضع القواعد المنظمة للعمليات المرخصة للنقل الجوي التجاري، ويشمل ذلك قواعد تتعلق بتحديد أوقات معينة من اليوم يُحظر فيها الطيران، والعدد الأقصى لنقاط الإقلاع والهبوط في منطقة سكنية ما، والأسعار". بعبارة أخرى، بإمكان المدن تحديد أماكن وأوقات عمل سيارات الأجرة الطائرة.

وربما ليس مستغربا تكرار الإشارة إلى لوس أنجليس التي تشتهر بازدحام مرورها كواحدة من أوائل المدن التي قد تتبنى السيارات الطائرة. لكن إلى أي مدى تستطيع تلك السيارات المساعدة في تحرير مدينة مثل لوس أنجليس من اختناقاتها المرورية؟

يقول ثيربر: "من الأشياء التي ينبغي وضعها في الحسبان هو أن النقل الجوي الحضري لن يحل مشكلة الازدحام المروري. في واقع الأمر، من غير المرجح أن يقترب عدد السيارات الطائرة في الجو من عدد السيارات على الأرض على الإطلاق – ولو حدث ذلك، لصار هناك ازدحامات مرورية في الجو".

هل تصبح أسعار السيارات الطائرة في المتناول؟


السيناريو الأكثر ترجيحا هو استخدام سيارات الأجرة الطائرة في المناطق المكتظة مثل وسط لندن أو مدينة نيويورك في أوقات ذروة التنقل. ولربما سيكون بمقدور الأشخاص شديدي الثراء فقط تحمل نفقات تلك السيارات في البداية، كما كان الحال بالنسبة للطيران التجاري في أوائل عهده.

وقد يؤدي تصنيع تلك السيارات على نطاق واسع إلى تخفيض نفقة إنتاجها ومن ثم جعلها في متناول المزيد من الأشخاص – لا سيما إذا ما قدمت المدن حوافز للشركات لتشجيعها على تزويد المناطق التي يقطنها أصحاب الدخول المنخفضة بتلك الخدمة.

في عام 2021، تعاقدت هيئة النقل بمدينة لوس أنجيليس مع شركة Arup لصياغة تقرير عن الاعتبارات المتعلقة بإطار السياسات العامة، مع التركيز بشكل خاص على رأس المال والتمويل. يشدد التقرير على أنه ينبغي النظر إلى السيارات الطائرة بوصفها خدمة ممولة من قبل السلطة المحلية وبوصفها سلعة عامة. وبمجرد إثبات جدوى الفكرة، وإجراء اختبارات دقيقة وتقليل مخاطر الأمان، سوف يتم تشغيل خدمات النقل الجوي المتقدم وتصبح أشبه بمرافق أخرى كالمكتبات والمدارس والمطارات والطرق، ليس بصفتها تقنية من شأنها إرباك النظم القائمة، ولكن كخدمة ينتفع بها المجتمع بأسره.