أبو ذر الغفاري

جيل القدوة (16)

 

د. محمد مصطفى ناصيف

هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام..من بني غفار، ذو بصيرة وبصر بالحق.. كان أحد الذين يتمردون على عبادة الأصنام في الجاهلية ، ويذهبون للإيمان بإله خالق عظيم..وما كاد أبو ذر يسمع بظهور نبي يسفّه الأصنام وعبّادها، ويدعو إلى عبادة الله الواحد    القهار .. حتى حث إليه الخطى وشدّ الرحال.

اضافة اعلان

قدم مكة يتسمّع الأنباء من بعيد، وجمع نثارات الحديث هنا وهناك حتى تمكن من معرفة المكان الذي يستطيع أن يراه فيه، وذات صباح وجد الرسول جالساً وحده، فاقترب منه وقال: نعمت صباحاً يا أخا العرب، فأجابه النبي: وعليك السلام يا أخاه، قال أبو ذر: أنشدني مما تقول، فأجاب النبي الهادي ما هو بشعر فأنشدك.. ولكنه قرآن كريم، قال أبو ذر : اقرأ عليّ، فقرأ عليه النبي وأبو ذر يصغي..إلى أن خالط الإيمان قلبه..فهتف : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسوله فسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب، فأجابه: من غفار، فجعل النبي يرفع بصره تعجباً لما كان من غفار ثم قال: إن الله يهدي من يشاء لأن غفار مضرب الأمثال في السطو..إنهم حلفاء الليل والظلام، والويل لمن يسلمه الليل إلى واحد من قبيلة غفار، وفوراً أعلن إسلامه- الذي كان خامس خمسة فيه- سأل الرسول الكريم بم تأمرني يا رسول الله: فأجابه صلى الله عليه وسلم ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أنادي بالإسلام في المسجد الحرام.. ثم يدخل المسجد وينادي بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا  الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- وكانت هذه أول صيحة في الإسلام قرعت أسماع قريش ، وتحدّت كبرياءها ، فأحاط به المشركون وظلوا يضربونه حتى صرعوه.

عاد أبو ذر إلى قبيلته ليحدثهم عن هذا النبي ودينه الحق الجديد ، ولم يكتف بغفار بل ذهب إلى أسلم القبيلة المجاورة لعرض هذا الدين الحنيف.

وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن، ويهاجر الرسول الكريم إلى المدينة المنورة ليستقر بها مع المسلمين..التي تستقبل ذات يوم بعد غزوة الخندق صفوفاً طويلة من المشاة والركبان ويتقدمهم أبو ذر فنظر الرسول الرحيم إلى قبيلة غفار وهو يقول : غفار غفر الله لها، ثم إلى قبيلة أسلم ويقول أسلم سالمها الله، ليقلده رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع الأوسمة وأكثرها إجلالاً وعزاً عندما قال له " ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر" .

لقد مضى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خليفتيه في تفوّق كامل على مغريات الحياة، ودواعي الفتنة لها ويرحل عن الدنيا (من أعظم وأعدل وأورع وأروع) حكام البشرية قاطبة، ومن سوى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  تاركاً وراءه فراغاً هائلاً، وتستمر الفتوح في مدها، ويبلور معها مدّ الرغبات، والتطلع إلى مناعم الدنيا وترفها..ويرى أبو ذر الحذر أن الدنيا بزخرفها الباطل، وغرورها الضاوي توشك أن تفتن الكثيرين، وأن المال الذي جعله الله خادماً وطيداً للإنسان يوشك أن يتحول إلى سيد مستبد..وكأنهم نسوا أن قائدهم ورسولهم مات ودرعه مرهونة في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه.

وهكذا كان أبو ذر لكأنما خلق ليتمرد على الباطل أنى يكون.. وها هو قد رأى الباطل العقدي بعينيه..حجارة مرصوصة ميلاد عابديها أقدم من ميلادها، وكانت الكلمة الوحيدة التي تتردد على شفتيه " بشر الكانزين بمكاو من نار" ويصرخ في وجه الحافيّن حوله قائلاً: عجبت لمن لم يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه، وجملة غيرها كان يرددها لسانه في وقتها: "لا حاجة لي في دنياكم" التي قالها لسيدنا عثمان حيث أراد الذين يصطادون في الماء العكر من أهل الكوفة.. رفع راية الثورة ضد الخليفة عثمان فزجرهم بكلمات حاسمة "والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو حبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، وما رأيت ذلك إلا خيراً لي، ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورأيت ذلك خيراً لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورأيت ذلك خيراً لي " ذلك لأنه لا يريد غرضاً دنيوياً، وإنما يريد الله. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 281 حديثاً.

لقيه أبو موسى الأشعري يوماً ففتح له ذراعيه مرحباً بلقائه: مرحباً بأخي أبا ذر. دفعه عنه وهو يقول: لست بأخيك.. إنما كنت أخي قبل أن تكون والياً أميراً.. قال عنه الإمام عليّ كرم الله وجهه ورضي عنه: " لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر".

وقال له الرسول الكريم مرة: يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويحشر وحده، وبعد عشرين عاماً على هذا اللقاء.. مات أبو ذر الذي كان كريماً معطاءً بحيث لم يبق لديه مالاً، وليس لديه ما يكفيه، بالزبدة سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود (رضي الله عنهما) مات وحيداً في فلاة الربذة.. بعد أن سار حياته كلها وحيداً على طريق لم يتألق فوقه سواه.

***

بعض ما جاء في حقّه (رضي الله عنه) على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم:

* عن أبي ذر الغفاري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم، فقال عمر بن الخطاب كالغابط (الحسد المشروع): يا رسول الله أفنعرف ذلك له، قال: نعم فاعرفوه". (رواه الترمذي).

* عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر رأيت كأني وزنت بأربعين أنت فيهم توزنتهم"

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية