"الأفكار معدية".. هل التأثر بأجواء المحيط يتحكم في مسار الإنسان؟

تعبيرية
تعبيرية

  "انتق جلاسك فإن الأفكار معدية"؛ لعل كثيرون قد لا يلتفتون للمعنى الحقيقي وراء هذه العبارة التي تحمل بين كلماتها حكمة كبيرة، تشير إلى أهمية اختيار الطريق الذي يقود الإنسان إما إلى مستقبل ناجح أو مظلم ومتعثر.

اضافة اعلان


قد لا يدرك البعض، أن مفتاح النجاح والإنجاز منه جزء أساسي هو كيفية اختيار علاقاتنا والمحيط الذي نتواجد فيه، لما له من تأثير كبير، فكما الأمراض معدية، فإن الأفكار أيضا كذلك، سواء كانت إيجابية أو سلبية. وغياب الوعي بأهمية من نصادق قد يقود لمتاهة من التخبطات والانجرار وراء الأفكار السلبية. 


لم تعلم ريم (22 عاما)، أن صديقتها تسحبها معها في طريقة تفكيرها، فقد اعتقدت أن عيش اليوم بتفاصيله من دون التفكير بالقادم، تجعل حياتها مريحة من دون أي تخطيط، لكنه في المقابل يحرمها من مستقبل ناجح، وهذا الذي أدركته مؤخرا بعد أن جلست معها والدتها وأخبرتها أن "تصحو على نفسها" وتعلم أن الصداقة لا تعني فقط "الضحك والمرح والطيش"، بل التشجيع والسير نحو الطموح والحلم.


حديث والدتها جعلها تمعن النظر وتعيد التفكير في صداقاتها، ووجدت أنها أصبحت تشبه صديقتها بنظرتها السلبية للمستقبل وفقدانها للأمل، وكمية الأفكار المحبطة التي تنشرها في كل مرة تتحدثان بها معا.


هذا الموقف، كان أشبه بالمنبه الذي جعلها تركز على من حولها وتعيد ترتيب أولوياتها، لتقرر أن تركز على دراستها وتحصيلها العلمي، والآن تحرص ريم على إحاطة نفسها بأصدقاء طموحين يسعون لمستقبل أفضل بطاقة محفزة.


بينما طارق (27عاما)، يعترف أنه ما كان ليحقق أي نجاح لولا دعم أصدقائه وتشجيعهم له، فقد كان شابا خجولا، مترددا قبل الإقدام على الخطوة الأولى، ولكن أصدقاءه كانوا ملهمين له بأفكارهم وإصرارهم وطاقتهم الإيجابية، رغم العثرات التي وقع بها، لتتبدل بذلك شخصيته وأفكاره.


ويعترف طارق، أنه كان شخصا مختلفا عن أصدقائه، ولكن هذا الاختلاف جمعهم في صغرهم وعلى مر السنين استطاعوا أن يغيروا تفكيره ويؤثروا به لتزداد بذلك ثقته بنفسه وإيمانه بقدراته.


ومن الجانب النفسي، تبين الاختصاصية النفسية عصمت حوسو، أن الإنسان يتأثر وهو "ابن بيئته"، لكن هناك أشخاصا يمتلكون مناعة نفسية عالية وبذلك يأخذون الإيجابي ويتركون السلبي، وآخرون يبقون متحجرين بأفكارهم وسلوكهم لا يقبلون التغيير.


وتبين حوسو، "إذا أردنا أن نقيم سلوك شخص، ما علينا سوى أن نرى كيف يفكر، فعندما تكون أفكاره إيجابية ينقلها لمحيطه والعكس صحيح"، مؤكدة بذلك أن الإنسان يعمل في الحياة على قانون التأثير وليس قانون التغيير وهذا الذي لا يعلمه الكثير من الناس.


وتفسر حوسو، أن الفرد يؤثر إيجابيًا او سلبًا على الآخرين ضمن قانون التأثير وبالتالي، الإيجابي لديه مرونة في ذلك، بينما السلبي يبقى أسيرا للأفكار المنفرة.


وتنوه حوسو، إلى أن التغير ممكن، عبر مساعدة الأشخاص السلبيين من خلال لفت نظرهم والتنبيه لما قد يخسرونه في علاقاتهم، وإن لم يحدث ذلك، فمن الأفضل الابتعاد عنهم وتخفيف التواصل والحوار معهم، كي لا يتأثروا بطاقتهم التي يبثونها. وظيفة الفرد تكمن بأن يحمي نفسه ضمن أشخاص إيجابيين يجدون الحل للمشكلة، ويواجهون التحديات ولديهم مرونة نفسية عالية.


وتذكر حوسو، أن خطورة الأفكار المعدية، تكمن في عدوى السلوك الجماعي وليس الفردي، وتزاد الخطورة أيضا أن كانت الأفكار لدى شخص مسؤول، ولديه سلطة أو رب العائلة، الذي قد يسبب أزمات نفسية وعقدا لأطفاله، وتتحول أجواء البيت لمكان مليء بالسم والطاقة السلبية.


ومن الجانب الاجتماعي يبين الدكتور محمد جريبيع، أن المحيط الذي يتواجد به الفرد لا يكون من اختياره، موضحا أن هناك نوعين من المحيط الذي يعيش به الفرد، الأول: صلة القرابة والدم، والثاني: اختياراته بالعلاقات الاجتماعية والإنسانية.


ويشير جريبيع، إلى أن الإنسان يميل للأشخاص الذين يشبهونه، ولكن الفرد في عقله الباطن يحتكم لمعايير تحركه تجاه هؤلاء الأشخاص من دون أن يشعر، لافتا إلى أن المحيط الاجتماعي، يحدد قيم الفرد وثقافته وسلوكياته.


ويؤكد، أن الإنسان يكتسب ثقافته وقيمه وعاداته وطموحه من البيئة حوله، فإذا عاش الإنسان ببيئة محددة والأشخاص الذين حوله جميعهم يعملون في قطاع معين، سيجد نفسه ضمن هذا القطاع، ولا شك في أن الأصدقاء والمعارف والعلاقات التي يرتبط بها الانسان، تحدد الكثير من سلوكياته وقيمه وطموحاته وبناء خططه للمستقبل من خلال خبرته مع من حوله.


ووفق جريبيع، جزء من الأفكار التي يتبناها الفرد يأخذها من المحيط الذي حوله، وليس فقط الأفكار وكذلك السلوكيات حتى في طريقة التحدث والمفردات المستخدمة.


"الأفكار معدية، لأن الفرد يتعلم وهذا جزء من الخبرة التي يكتسبها في الحياة" يقول جريبيع، فالافكار لا تأخذ فقط من المحيط أو الأشخاص، ففي بعض الأحيان تكتسب من الخبرة وممارسات الإنسان في الحياة، ومن خلال قراءاته، والفكرة قد تدفعه للسير في مكان ما، فالأفكار التي يأخذها الفرد يبني عليها سلسلة من القرارات.


ويلفت جريبيع، إلى أن الأفكار لا تؤخذ كما هي "جامدة"، بل يطور عليها الانسان، كما في التجارب التي حدثت في زمن ووقت مختلفين عن المكان والزمان الذي يعيش فيهما اليوم، حيث يكون التعامل وفقا للظروف الآنية.


"الإنسان يتأثر" يقول جريبيع، مؤكدا بذلك، أن الإنسان كائن اجتماعي متحرك ديناميكي، فما كان يؤمن به اليوم قد يتغير في الغد، والفكرة التي هو ضدها اليوم يكون معها غدا، لذلك، فإن قبول الفرد للفكرة يتغير مع الوقت.


ويختتم جريبيع حديثه: "إن التدفق المعرفي الذي نعيشه اليوم وسهولة الوصول للمعلومة أصبحت أسرع مما نتخيل وفيما مضى كنا نقول: إن هناك عوامل كثيرة تحكم التغيير ولكن لم نتوقع، أن نعيش في زمن يكون العامل التكنولوجي فيه هو الأساس في تغيير حياتنا بأكملها.. وبالنهاية كل شيء متاح بين أيدينا، لكن تبقى الأفكار هي خياراتنا".

 

اقرأ أيضاً: 

الأفكار والمشاعر والأجواء المحيطة "معدية" أيضا.. مختصون يفسرون