الأمل والإرادة يسهمان في التخفيف من آثار ما بعد الصدمة النفسية

الأمل والإرادة يسهمان في التخفيف من آثار ما بعد الصدمة النفسية
الأمل والإرادة يسهمان في التخفيف من آثار ما بعد الصدمة النفسية


عمّان-الغد- يرى كثير من الاختصاصيين والخبراء النفسيين أن مشكلات ما بعد الصدمة النفسية هي نتاج عوامل اجتماعية وبيئية وفسيولوجية. والأخيرة مدفونة في أعماق الإنسان منذ ولادته، كغريزة الخوف على سبيل المثال، التي يستخدمها الفرد كوسيلة غرائزية تحميه من مخاطر الحياة وتساعده على البقاء.

اضافة اعلان

ويرى الخبراء والأطباء أن هذه الغريزة تخف كلما تقدم الإنسان في السن نتيجة لنمو الإرادة تدريجياً، وهو ما يطلق عليه مصطلح "النضج"، ويتمثل في كيفية موازنة الخوف مع الإرادة التي تتطور الشجاعة كجزء منها.

ومن أبرز المشكلات التي يواجهها الإنسان عند تعرضه لصدمة نفسية هي عدم انتصار الإرادة على غريزة الخوف، ما من شأنه أن يقلل الواقعية في فهم حراك الحياة.

اختصاصي الطب النفسي د.محمد الحباشنة يرى أن "مشاكل الحياة وضغوطاتها تؤثر على نفسية الإنسان وقد توّلد حالة الاكتئاب عند بعض الأشخاص كردة فعل على هذه الضغوط".

ويوضح أن ردة الفعل قد تتمثل في "الشعور بالحزن، والوحدة، والرفض، وقلة الحيلة في مواجهة أي أمر أو مشكلة".

وتتنوع، بحسب الحباشنة، الصدمات النفسية التي قد يتعرض لها الإنسان، فمنها ما هو ناتج عن فقدان شخص عزيز، أو بسبب خصومة مع حبيب أو رحيل صديق، أو الصدمة الناتجة عن الطلاق، أو سواها.

ويمر الشخص المصدوم بعدة مراحل، وفق الحباشنة، فالمرحلة الأولى وهي مرحلة "الإنكار، وعدم التصديق والرفض"، فيما تشبه الثانية "الاكتئاب الذي يظهر في قلة النوم، وقلة الطعام، وعدم القدرة على العمل والاستمتاع بالحياة".

أما المرحلة الثالثة، كما يتابع الطبيب النفسي، فهي "مرحلة الاستشفاء وهي عبارة عن التغذية الراجعة، والتعلم، والاستفادة من التجربة، واستذكار التجربة بما فيها من معاني الحزن والفرح، وإدخالها في النموذج العقلي".

ورغم إشارته إلى ما يسميه الحباشنة "الشخصية المؤذية لذاتها التي تعيش في جو مأساوي دائما وتستمتع بهذا الوضع"، إلا أن خبير مهارات الاتصال ماهر سلامة يرى أن "كل إنسان يدرك تماماً ما عليه فعله تجاه الأزمات ومصاعب الحياة، ولكنه عاجز عن تعزيز الإرادة والاقتناع بإنسانيتنا، وطاقتنا الكامنة التي من خلالها نستطيع أن نتغلب على أي مشكلة تواجهنا".

ويرد كل من الحباشنة وسلامة على حالة "هند" التي فقدت زوجها في حادث سير، إذ سيطر الحزن لزمن طويل عليها، "جعلني الحزن منعزلة عن العالم الخارجي بشكل كامل".

واحتاجت هند لجهود ذاتية جبارة، وفترة ليست قصيرة، وقدرة كبيرة على التكيف لتخرج من الحالة وتواجه الأمر الواقع وتتعايش مع مشكلتها بشكل عقلاني، كما تبوح.

 وينصح الاختصاصيون النفسيون الأشخاص الذين تعرضوا لصدمة نفسية وأدت إلى إصابتهم بالحزن والكآبة أو الانعزال عن العالم بأن يتحدثوا عن مشاعرهم وأحاسيسهم للأشخاص المقربين منهم سواء من العائلة أو الأصدقاء، وألا يكتموا مشاعرهم بداخلهم، ومن المهم أيضا الحديث عن الفقيد (إن كان سبب الحزن موت عزيز) وإشراك الآخرين في استعادة الذكريات الجميلة عنه، لأن من شأن ذلك أن يساعد على التعافي بصورة أسرع من صدمة الفقدان، كما تؤكد الخبيرة النفسية د. أمينة التميمي التي تدعو إلى ضرورة أن يكون المرء واقعياً في التعامل مع المشكلة، إذ يجب عليه أن يتعرف على الفرق بين ما يستطيع القيام به وما ينبغي عليه فعله.

كما تشجع الشخص المصدوم على محاولة مساعدة نفسه بالاهتمام بغذائه، وأخذ قسط كاف من الراحة، وممارسة الرياضة، لأن ذلك "يساعد على التخلص من الكبت الداخلي بالنفس".

وتتابع التميمي: "لا بأس بالبكاء، لأن للدموع تأثيرا مريحا للنفس". لكنها تستدرك بأن "الدموع وحدها لا تحل المشكلة، فالأمل والإرادة هما العنصران الأساسيان لكي تستمر الحياة بشكل طبيعي". وترد التميمي على حالة احمد الذي خسر كل أمواله في البورصة، وأصيب بانهيار عصبي داهمه لمدة شهرين، أنه استطاع التغلب على حالته بمساعدة أناس مقربين له، وعدم أخذ القرار السريع، وعلى الشخص التعلم كيف يتقبل نفسه كما هو، وهذه تعد وسيلة من وسائل التكيف.

ويعاني ما يقترب من مليون مواطن أردني من اضطرابات نفسية، وفق دراسة صدرت أخيرا وأعدها فريق وطني من أكاديميين واختصاصيين نفسيين أردنيين، وتضمنت مسحا شاملا لمؤسسات الخدمات الصحية النفسية في المملكة.

وبينت الدراسة أن المرضى النفسيين في تلك المراكز "بحاجة إلى رعاية صحية ونفسية متكاملة وعلاج، بشقيه الدوائي والنفسي، ومنهم من هو بحاجة أيضا للتأهيل الوظيفي والاجتماعي".

وأفادت الدراسة، التي ترأّس فريق عملها أستاذ الأمراض النفسية من جامعة العلوم والتكنولوجيا د. توفيق درادكة، بأنه يتوافر طبيب نفساني واحد لكل 100 ألف نسمة في الأردن، وهو ما رأت فيه الدراسة رقما "متدنيا"، إذا ما قورن ببعض دول الجوار ومعظم الدول الأوروبية.

ويشار إلى أن 450 مليون شخص في العالم يعانون من أمراض نفسية، منهم 145 مليون شخص مصابون بمرض الاكتئاب، فيما ينتحر سنويا زهاء مليون إنسان.