"الأم البديلة" تزرع الحب والثقة في نفوس الأيتام وتمكنهم الاعتماد على النفس

رنة العامر

عمان- تقسو الحياة أحيانا على العديد من الأشخاص لتحرمهم من مصدر "الحنان والعطف" وتعوضهم بأم لم تنجب إلا أنها تحمل مشاعر الأم الحقيقية وقدرتها على احتواء الأبناء في كنفها، هكذا تبدأ "الأم البديلة" نسرين قزاقزة حديثها.

اضافة اعلان

وتبين قزاقزة (33عاما) أنها مسؤولة في دار الأيتام عن اثني عشر طفلا تعتني بهم، مضيفة أن "كل حياتي ووقتي معهم" فهي تعاملهم مثل أمّ حقيقية وتعيش معهم في بيت واحد، ذاكرة أنها تحاول أن تجعلهم يعيشون في جو عائلي هادئ يسوده الأمان.

وتقول قزاقزة إنها بدأت تحس بغريزة الأمومة تجاه هؤلاء الاطفال، لدرجة أنها أجلت فكرة الزواج حيث تشعر بأن هؤلاء الأطفال أبناؤها، معلقة "إن حدث لأحدهم سوء أشعر بالقلق والخوف حتى يسترد صحته وأطمئن عليه".

وتوضح أنها طوال المدة التي تكلفت فيها برعاية الأطفال منذ حوالي ثمانية أعوام "أحاول أن أمنحهم حنانا زائدا تعويضا لهم عن حنان الأم الذي افتقدوه لأن التعامل معهم بحنان يمنحهم الدفء العائلي الذي سلب منهم.

وتضيف "نحاول باعتبارنا أمهات بديلات أن ندمجهم مع المحيط الخارجي من خلال القيام بعدة رحلات أو زيارات خارج الجمعية"، بالاضافة إلى مشاركتهم أكبر قدر من الأنشطة لدفعهم لحب الحياة وتجاوز الصعوبات.

من جهتها اختارت نور دولات أن تعمل أمّا بديلة في إحدى الجمعيات الخيرية لمدة 24 ساعة في اليوم.

تقول دولات (28 عاما) "أشعر أن الابتسامة قد انطفأت عن وجوه هؤلاء الأطفال، واشتدت عليهم المحن والظروف القاسية، لذلك فهم بحاجة إلى الحنان والعيش في جو عائلي مستقر لا يؤثر سلبا على حياتهم الاجتماعية ومكانتهم بين الآخرين".

وتبين دويلات أن ما تقوم به عمل إنساني، مستشهدة بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "من مسح رأس يتيم لم يمسحها إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات".

وتسعى دويلات من تربيتها للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و 12 عاما أن تجعل منهم رجالا وأمهات يفتخرون بأنفسهم في المستقبل ليواجهوا الحياة بكل صعابها.

وتشرح عن آلية عملها قائلة "طوال اليوم أشرف على نظام حياتهم اليومي وأتولى رعايتهم كي أوفر لهم حياة طبيعية، أما في الأعياد والمناسبات فنقوم بشراء ملابس جديدة وهدايا".

في هذا الإطار يشير اختصاصي علم النفس د. محمد حباشنة إلى أنه لا يوجد ما يعوض الطفل عن حنان أمه وحضنها الدافئ، ويرى أن مسمّى الأم البديلة ظهر كوظيفة اجتماعية جديدة احتلت مكانها داخل مؤسسات رعاية الأيتام، لتكون بديلا عن الأم الحقيقية التي حرم منها هؤلاء الأطفال.

ويوضح حباشنة أن المختصين وضعوا عددا من المواصفات يجب توافرها فيمن تتقدم لتولّي هذا الأمر منها: أن تتمتع بالصبر وقدرة التحمل والصدر الرحب والخبرة الواسعة في مجال تربية الأطفل ورعايتهم بمختلف مراحل نموهم، وأن تكون ذات ضمير حي وتحرص على أن ينشأ الأطفال تنشئة سليمة وصحية نفسيا وأخلاقيا.

ويؤكد أن العمل الذي تبذله الأمهات البديلات يعتبر بديلا جزئيا عن الأم الحقيقية، وغالبا في دور الأيتام توزع الرعاية على عدة أفراد حتى يعوضوا مكان الأم، ويعرب حباشنة عن ضرورة توفر ما يسمى "الشخص المفتاح" لدى المؤسسة التي تقوم برعاية الأطفال الأيتام وهو الذي يقدم واجبات الرعاية التي تحاكي واجبات الأم البيولوجية لاسيما أن مواصفات الأمهات تختلف من شخص لآخر.

وتتفق الأم البديلة قزاقزة مع ما ذهب إليه حباشنة في أن الأم البديلة لا تعوض حنان الأم الحقيقية ودورها البيولوجي إلا أنها تحاول قدر الإمكان التعويض عن الحنان الذي فقده الطفل ومساعدته للانتقال لحياة أفضل تحقق لهم الأمان الأسري. وتكمل أنها يتملكها الفرح عندما ترى أحد أبنائها ينجحون أو يجتازون مرحلة دراسية أو عمرية جديدة.

وتقول بيان (10 أعوام) التي أخذها عمها إلى دار الأيتام بعد وفاة والديها "لم أشعر أقط بأنني فتاة يتيمة"، مكملة "فقد وجدت نفسي بين أم تودعني أثناء ذهابي إلى المدرسة بابتسامة لطيفة ولمسة حنونة وعندما أواجه مشكلة في المدرسة أو الدار ألجأ إلى مديرة الدار فهي أمي في هذه الحياة"، كما تشكر الله على وجود أمهات قدمن لي وإلى العديد من أخواتي في السكن الحنان والامان والرعاية.

ويؤكد حباشنة على دور الأم البديلة "الحاضنة" في زرع الحب والثقة في نفوس الأطفال الأيتام لما لذلك من دور في إعطاء الثقة بالنفس لليتيم، حتى يتمكن من الانطلاق والاعتماد على النفس مستقبلا.

ويشيد بمهمة تلك الأم فهي فكرة مناسبة من الناحية النفسية والسلوكية، باعتبارها البديل المتوفر والمنطقي للطفل.