الانتحار يلقي بثقله على الشباب الغزّي.. الشاعر النجار آخر ضحاياه

الشاعر الفلسطيني محمد النجار
الشاعر الفلسطيني محمد النجار

لا ندرك على وجه الدقة من كان يقصد فولتير بحديثه عندما قال ذات مرة: "إنهم لا يضحكون ابتهاجاً وإنما تفادياً للانتحار"، لكن بوسعنا الآن أن نحدّق بوجوه أهل غزة، لندرك على الفور أن معظم شبابها يعيشون، بل ويضحكون أيضاً، من "قلة الموت" كما درج التعبير السائد.

محمد النجار، شاعر فلسطيني غزّي، أقدم صباح اليوم على وأد حياته بكلتا يديه بعد أن غبشت عيناه عن رؤية مغزى للحياة، في مدينة لا حياة لها. حيث ترك لنا قبل وفاته منشوراً كتب فيه ما يظهر في الصورة.






تدخل إلى صفحة محمد عبر فيسبوك، تجد بين سطورها خليطاً من النكات المعتقة بالواقعية البشعة، فتراه يُنكِّل بلسانه وبحِسِّ فكاهته الاحتلال ومعه كل متخاذل، كما يسخر من قساوة الصيف في مدينة تغفل عنها الكهرباء لأيام، لتدرك أن حياة محمد أقرب إلى أن تكون، كغيره من الغزيين: فيلماً وثائقياً يضجُّ بـ"البلاك كوميديا".

وتارة، ترى النجار يقتبس على لسان مظفر النواب: مو حزن لكن حزين، مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من تمضي السنين!، ثم يعود بك إلى العصر العباسي، يتذكر قصيدة "غير مجد في ملتي واعتقادي" لأبو العلاء المعري، وتحديداً البيت الثاني عشر منها، فيكتب على فيسبوك: تعب كلها الحياة فما أعجب إلّا من راغب بازدياد. 

وفي خضم تساؤلاته عن جدوى العيش، لا ينسى النجار أنه شاب غزي مجبول من المقاومة والثأر للبلاد، فيكتب: لا تحتاج كتبا لتثبت شرعية المقاومة، فالقاعدة بسيطة: إذا سكت الزمان عن المظالم، فقاوم ثم قاوم ثم قاوم.

الحزن يجثو على صدور محبيه


"لم أكن يوما إلا مغدقا في الود، غير فاجر في الخصومة". هي كلمات محمد النجار قبل وفاته بأسابيع قليلة، كتبها على فيسبوك، وكلام محبيه في رثائه أوفى دليل على مقصده.

كتب جورج أنطون بعد دقائق من خبر انتحار محمد : غفر لك الله يا محمد النجار إنْ كانَ صحيحًا ما صحونا عليه بفزع! ولعنَ مَن أوصلَ شبابنا إلى هذه الحال! نضحكُ من الألم، ومن اليأس، ومن الإحباط! لسنا مستهترين ولا حمقى؛ نحنُ موجوعون حدّ الضحك! 

أما مصطفى مطر فعلّق قائلاً: لقد فجّرت قنبلتك فينـا يــا صديقي، لقد قتلتنــا جدّا بقتلك نفسك.

ورَثت سمية صديق طفولتها محمد قائلة: كان بعدُ في الصف العاشر حين ألقى قصيدته الأولى في رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين. كان يطير حبا بأخته الصغرى "سلمى" وهي تنشد الأشعار كما لا يمكن لطفل أن يفعل ذلك! ويصطحبها معه من خانيونس إلى غزة في الأمسيات الشعرية.. قبل أيام فقط طار فرحا بها وهي تحرز 99% في الثانوية العامة.

أمّا أحمد النونو فتلقى خبر وفاة النجار بسخط وألم شديدين فكتب: وإن غزة مقبرة، سكانها أموات. طال الحصار .. وزاد المرض فينا .. كيف نقاتل وداخلنا قتال أشد ضراوة من عدونا! 


الانتحار بغزة بأرقامه المفزعة


قبل أسبوعين، أقدم المحامي الغزي يوسف النوري على الانتحار شنقاً، حيث وُجِد الشاب، وهو ابن المناضل الفلسطيني سمير النوري، متوفياً في منزله شمال غزة.

وبحسب أصدقاء المتوفي، كان النوري يعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية صعبة، وتعرض لعمليات نصب واحتيال من مؤسسات وشركات بالقطاع إضافة إلى ديون مادية تراكمت عليه، مما دفعه للانتحار.
 
وقبل عام من الآن، قدرت منظمة الصحة العالمية أن 360 ألف شخص، أي ما نسبته 20% من سكان غزة، يعانون من تحديات الصحة العقلية بسبب الحصار.
وأفادت التقارير بأن 61% من الأطفال الغزيين يعانون من اضطرابات نفسية كالخوف والقلق. 

كما أشارت إلى أن 51% من الأطفال لم تعد لديهم الرغبة في المشاركة في أي نشاطات، وأن 47% منهم لم يعودوا قادرين على أداء الواجبات المدرسية والعائلية، وأصبح 48%منهم يعانون من أمراض سوء التغذية.

بدورها، تقول الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة إن عدد حالات الانتحار هي 17، من أصل 404 محاولات انتحار حتى الأول من تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2020. في حين تشير “الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان” إلى أنها تلقت شكاوى بوقوع 30 محاولة انتحار حتى كانون الأول (ديسمبر) 2020.

اضافة اعلان

 

اقرأ أيضاً: 

من ينقذ الشباب الغزّي من وحل الانتحار؟ المحامي يوسف النوري آخر الضحايا

ارتفاع كبير بمعدلات محاولات الانتحار في غزة