الحبوب المهدئة: الرغبة في قليل من السكينة قد تتحول إلى كابوس إدمان

الحبوب المهدئة: الرغبة في قليل من السكينة قد تتحول إلى كابوس إدمان
الحبوب المهدئة: الرغبة في قليل من السكينة قد تتحول إلى كابوس إدمان

ديما محبوبه

عمان - تبدأ بالصراخ ويرتجف جسدها، لترى كل ما حولها سوادا. عيناها تقدحان شررا، وتود لو تحرق كل ما تطاله بنظرها. فجأة تتذكر وجود الحبة المهدئة، فتتناولها بسرعة لتدخل في مرحلة من الهدوء والكسل والخمول.

اضافة اعلان

هكذا تصف حنان الحالة التي تعتريها على فترات متباعدة، مبينة أنها لا تستطيع السيطرة على الغضب الذي ينفجر كبركان كبير داخلها، إلا بتناولها حبوبا مهدئة.

الطالبة الجامعية حنان (22 عاما) تبين أنها بدأت في تناول الحبوب المهدئة التي وصفها لها طبيبها عندما تعرض خطيبها لحادث سير أودى بحياته.

وتضيف أن خطأها الأكبر كان في تكرار الأدوية المهدئة الى ان اصبحت لا تستطيع العيش من دونها، وكان أهلها قد لاحظوا هدوءها المفاجئ بعد حالة الغضب غير المبرر، وبعد الضغط عليها اعترفت باستمرار تناولها للحبوب المهدئة.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة بلقاء التطبيقية د. حسين خزاعي يرى أن تناول الحبوب المهدئة في هذه الأيام أصبح "أشبه بالعادة اليومية عند الناس". ويبين أن هناك أشخاصا كلما واجهتهم مشكلة سارعوا إلى الحبوب المهدئة آملين في أن تساعدهم على التخفيف من توترهم.

ويرى أن "اللجوء الى الحبوب المهدئة هربا من واقع مؤلم يود الابتعاد عنه"، موضحا أن هناك اسبابا كثيرة تستدعي شعور الانسان بغضب جامح يفقده اعصابه.

ويربط خزاعي ثورات الغضب تلك بالظروف الاقتصادية والسياسية، والتفكك الأسري وفقدان الأصدقاء، والتهميش ان كان وظيفيا او أسريا، والحرمان، والضغوطات الحياتية التي لا يجد الإنسان حلولا لها لكثرتها وتراكمها شبه اليومي.

خزاعي ينصح بعدم تأجيل التفكير في الحل والمباشرة فيه، واصفا الشخص الذي يهرب من قضاياه ومصاعبه ويلجأ الى الحبوب المهدئة بأنه "انسان ضعيف في ذاته".

ويضيف أن الأهل والأصدقاء لهم الدور الأكبر في تفادي كل هذه المشكلات وحالات التوتر الكبير، وذلك من خلال المراقبة الجيدة لأبنائهم.

حنان تؤكد ان ملاحظة ذويها لحالتها وتصرفاتها كانت سببا أساسيا في علاجها و"تخليصي من السم الذي كان يسري في جسدي، وعودتي الى حياتي الطبيعية".

اختصاصيون يبينون "آثارا جانبية خطيرة للحبوب المهدئة"، مؤكدين أنه لا يمكن تعاطيها من دون وصفة، كاشفين كذلك عن أن معظم من يلجأون إلى هذه الحبوب، هم في حقيقة الأمر لا يحتاجونها، وأن اتباع نصائح بسيطة يساهم في التخلي عنها.

مدير المركز الوطني لتأهيل المدمنين د. جمال العناني يرى أن "الحبوب المهدئة والمسكنة باتت زادا أساسيا للعديد من الأفراد الذين يعانون آلاما جسدية أو نفسية أو حتى وهمية".

ويعدد بعضا من هذه الحبوب "كالفاليوم والبارزين والريفتوريل". ويؤكد انه من المفروض أن هذه الأنواع لا تصرف أو تستخدم إلا من قبل طبيب مختص، وأن يحدد هو اسباب استعمالها ومدة تعاطيها وكيفية الانقطاع عنها.

منذر، الموظف في دائرة هندسية بإحدى الشركات الخاصة، يؤكد أنه لا يعاني من مشاكل عائلية ولا مادية، الا انه يعترف بأنه "شخص مضطرب جدا عند التعامل مع الآخرين".

ويضيف منذر (27 عاما) انه بدأ في تناول نوع من الحبوب المهدئة اعتمادا على نصيحة من أحد أصدقائه، مشيرا إلى أن تعامله مع الآخرين بدأ بالتغير تدريجيا، ليصبح "رجلا اكثر أريحية واجتماعية".

ويبين منذر انه بعد استمراره على شرب هذه الأدوية أصبح لا يستطيع الابتعاد عنها، وبدأ يبحث عن حبوب ذات تأثير اكبر عليه، وعرف عندها انه بدأ في مرحلة الإدمان.

صديق آخر يعرف الحالة التي وصل إليها منذر أقنعه باللجوء الى العلاج والتخلص من تأثير الحبوب المهدئة عليه.

وترى اختصاصية التغذية د. ربا العباسي انه من المفروض ان يهتم الفرد بنفسه، ويبحث عما هو مفيد لجسمه، من دون تعرضه الى اضطرابات وآثار جانبية، كما يحدث لمن يتعاطى الحبوب المهدئة.

وتنصح بأنه عندما يتعرض الشخص لضغط عصبي، عليه أن يبدأ بتناول المأكولات التي يكثر فيها عنصرا الفسفور والكاليسيوم واللذان يكثران في فاكهة الموز والمأكولات البحرية.

وتضيف ان الخضراوات الورقية تعمل على تهدئة الأعصاب، عدا عن بعض المشروبات مثل نقيع اليانسون والنعنع، اذ ان اليانسون يحتوي على عنصر (المنتول) المهدئ.

العباسي تشير الى ان مثل هذه الأطعمة والأشربة يمكن ان تهدئ الشخص من دون أن تعرضه إلى مضار اخرى او ان تجعله مدمنا على المواد التي يستخدمها كوسيلة لراحة مبدئية ومعاناة طويلة الأمد.

العناني يبين أنه ومن خلال التعاطي المستمر لفترات طويلة وكميات اكبر مما هو محدد، يصبح المستخدم مدمنا عليها ادمانا جسديا او نفسيا.

ويضيف أن من مؤشرات الإدمان على هذه المواد، زيادة تعاطيه لها للوصول الى نفس المفعول الذي كان يصله من قبل، مؤكدا ان عدم امكانية الانقطاع التدريجي او الكامل عنها يكون مؤشرا كبيرا على الادمان عليها.

وينصح العناني من يلاحظ هذه المؤشرات مراجعة الطبيب المختص بأسرع وقت ممكن، وذلك لتقديم المساعدة الطبية عن الانقطاع عن هذه المادة.

ويلقي الضوء على ان متعاطي الحبوب المهدئة لسبب العلاج ومن ثم الإدمان عليها لا مساءلة قانونية عليه، اما من يبيع هذه الأدوية من دون ورقة تدل على انها من طبيب، فهناك اجراء قانوني يتخذ بحقه.

ويشير الى أن في الاردن عدة مراكز لمعالجة المدمنين على الحبوب المدمنة وغيرها من مواد تؤثر على العقل، مؤكدا أن جميع مراحل العلاج تتم بسرية تامة ويقدمها المركز الوطني لتأهيل المدمنين بشكل مجاني تماما.

ويحذر العناني من تعاطي جرعات كبيرة من المواد المهدئة، كونها تتسبب في هبوط كامل في الجهاز التنفسي قد يؤدي الى شلل في مراكز التنفس في الدماغ ما يؤدي الى حالة الوفاة.