الحسد بين الثقافة والأساطير والوعي الديني والتربوي

الحسد بين الثقافة والأساطير والوعي الديني والتربوي
الحسد بين الثقافة والأساطير والوعي الديني والتربوي

 

لبنى الرواشدة

عمان- تعليق الخرزة الزرقاء أو حذوة الفرس وإشعال البخور في المنزل وعمل الموالد الدينية من الطقوس الشرقية المعروفة التي يقصد منها رد العين الصايبة "عين الحسود" ودفع شر الحسد كما يظن البعض.

اضافة اعلان

ويبدي من يتمتعون بوعي ديني تحفظهم على هذه الطقوس وصحتها مع إيمانهم بوجود الحسد لتأكيد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوده وقدرة الحاسد على الأذى من خلال تمنيه زوال النعم عن الناس.

ويعرف الحسد بأنه تمني زوال النعمة عن المحسود ويعرف باسم العين أو الإصابة بالعين.

وتبدي الحاجة فاطمة "70 عاما" خوفها المستمر من العين والحسد قائلة إن العين الحاسدة "تفلق الصخر" وتسوق أمثلة كثيرة لبيوت ترى أنها هدمت بأكملها بسبب الحسد والعين.

وتضيف أنها لا تقتنع بالخرزة الزرقاء وغيرها من "الخزعبلات"، كما تصفها، وتؤكد أن ذكر الله والصلاة وقراءة المعوذات هي أفضل تحصين من عين الحسود.

وتتابع أن الوعي الديني انتشر الآن على خلاف الماضي حيث كانت النساء يقصدن بيوت من يدعون التدين ويقمن بشراء ما يسمى "بالحجاب أو الحرز" وهو عبارة عن ورقة مكتوب بداخلها آيات قرآنية تعلق في رقبة الطفل أو المرأة أو توضع تحت الوسادة او في اماكن مختلفة من المنزل ظنا منهم أنها تقيهم العين والشرور.

أما ماجدة بكر، وهي طالبة جامعية، فتفسر ارتداءها لعقد ذهبي يحتوي على عين زرقاء، قالت أنها قامت بشرائه، لأنه بدا لها جميلا وليس لقناعتها بدفع الخرزة الزرقاء للعين.

ويُفّرق في هذا المقام بين الحسد والغيرة فالحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير أما الغيرة هي تمني الشخص أن يرزقه الله كما رزق غيره سواء علما أو مالا أو أولادا وهذا ليس محرما.

ويوضح أستاذ علم الشريعة في الجامعة الأردنية الدكتور هايل عبد الحفيظ أن الاسلام دعا المسلم أن ينظر بحب لجميع الناس مسلمين وغير مسلمين ومن أعلى درجات الأخوة والحب الإيثار وأدنى علامات المحبة سلامة القلب.

ويبين أن الحسد يتنافى مع هذه المعاني العظيمة من حيث امتلاء قلب الحسود بالغل والكره والحقد على الناس وتمني الشر لهم مشيرا أن الحسد يتنافى مع سلامة القلب والايثار فالاسلام يحرص على بناء علاقة محبة بين أبناء المجتمع ويجعل هذه المسألة من علامات الايمان.

ويفرق عبد الحفيظ بين الغبطة والحسد فالغبطة ليست محرمة وهي تعني أن يتمنى الانسان أن يكون عنده ما عند غيره دون زوال النعمة عن هذا الغير.

ويعتبر عبد الحفيظ الحسد من أمراض القلوب الذي يعود سببه الى عدم الرضا عن قضاء الله وقدره معتبرا الانسان الحسود إنسانا عاجزا ومتكاسلا. فالأولى، كما يقول، هو أن يعمل الانسان ويجد في الحياة دون أن يراقب الغير.

ويؤكد أن الحسد صفة مكتسبة من البيئة والتربية التي يعيش فيها الإنسان داعيا الآباء والأمهات الى تربية أبنائهم على الايمان بقضاء الله وقدره.

ويرى أن هذه الصفة ترافق صفة الطمع فلو اكتملت للانسان أسباب السعادة لن يشعر بالسعادة.

وأكد ضرورة زرع قيم المحبة في نفوس الأطفال واجتثاث القيم السيئة والتي منها الحسد إذ تقول التربوية رويدة أبو راضي أن الإنسان إن لم ينشأ على القناعة والرضا ونشأ على الأنانية وعدم حب الخير للناس فستكون النتيجة بالضرورة إنسانا قلقا وحسودا وهذه صفة يتم اكتسابها من المحيط.

وتنصح أبو راضي الآباء والأمهات أن يعززوا صفة القناعة والرضا في نفوس أبنائهم وعدم التذمر.

وتتابع أن الطفل اذا سمع ورأى والديه يتحدثان عن الناس بحقد وعدم محبة فالنتيجة بالضرورة أن يخرج الطفل ساخطا ومتذمرا وكارها الخير للناس.

وتشير أبو راضي الى نقطة تصفها بالمهمة وهي ألا يحاول الوالدان لفت نظر الطفل الى أقرانه الذين يتفوقون عليه قائلين "شوف أخوك أشطر منك او شوف ابن الجيران أو ابن عمك أشطر منك".

وتضيف أنه من الضروري تعويد وتدريب الطفل على حب الناس والحث على العمل وعدم التخاذل والتكاسل فالحاسد انسان عاجز واتكالي.

من جانبه يرى المحلل النفسي باسل الحمد أن الحسد هو نوع  من التعبير عن عدم الثقة بالنفس وهو غضب مكثف تجاه الآخرين.

وتتكون هذه الصفة مع الوقت من خلال ضعف تقدير الانسان لذاته وانتقاصه من هذه القيمة أو المبالغة في تصوره لامكاناته وطموحه وينتهي الأمر بتكون شخصية غير منسجمة.

ويؤكد الحمد أن الانسان لابد أن يكون متكيفا مع ظروفه مهما صعبت ويحاول أن يحد من مراقبته للغير, مشيرا أن الحسد يعتبر نوعا من التعلم الاجتماعي، وهو يشكل فجوة معرفية اجتماعية بسبب عدم ادراك الانسان الحاسد أن المال أو العلم الذي يرزقه الله هو نتيجة للجهد والسعي في كثير من الأحوال.