الخطّابة: مهنة اندثرت واستبدلت بحرية اختيار الشريك والتعرف به قبل الزواج

الخطّابة: مهنة اندثرت واستبدلت بحرية اختيار الشريك والتعرف به قبل الزواج
الخطّابة: مهنة اندثرت واستبدلت بحرية اختيار الشريك والتعرف به قبل الزواج

بعض النسوة يمارسنها كهواية

 

 

جمانة مصطفى

عمان- عملها في أحد صالونات الشعر النسائية في منطقة أبو نصير، وتعاملها اليومي مع النساء اكسبها خبرة، ما جعل العديد من الأمهات يقصدنها للبحث عن عروس "حسب الطلب".

اضافة اعلان

ولا تحمل لميس (33عاما) الشكل التقليدي للخطابة بعينيها الثاقبتين ويديها الخبيرتين، وهي تقدم خدمة "جمع راسين في الحلال" تطوعا وبدون مقابل.

وعلى الرغم من كون لميس ليست "خطّابة" متفرغة أو محترفة، إلا أن زيجات العرائس اللواتي يتزين في صالونها وقت الخطبة والعرس، تؤكد نجاعتها في هذه المهمة بدوامها الجزئي.

وتؤكد لميس أنها لا تطلب أي مبلغ مقابل هذه "الخدمة" كما تسميها، إلا أنها لا تمانع من أن تأخذ "الحلوان" الذي تعطيه إياها أم العريس أو أخته في حال تمت الخطبة.

من جهته يرى أستاذ علم الاجتماع سالم ساري أن الخطابة سواء بشكلها التقليدي أو ما هو موجود لها من مقاربات ليس لها مكان في هذا الزمان، خصوصا مع ارتفاع نسبة التعليم وخروج المرأة إلى سوق العمل.

يقول "من المتاح أن يتعارف الشاب والفتاة ضمن إطار مجتمعي وبشكل مباشر، ولا أتصور أن من احترام العقل وحرية الاختيار يسمح باعتماد اسلوب الخطابة"، مشيرا إلى أهمية الاتصال اليومي والتفاعلي والعلاقات الاجتماعية المفتوحة بين الطرفين.

والسؤال الذي يبرز نفسه هو ما حاجة أي من الشاب والفتاة المقبلين على الزواج إلى "خطابة" في عصر يعد فيه رؤية الآخر كحد أدنى من الاختلاط مشهدا عاديا في المجتمع؟

تجيب على هذا السؤال الناشطة والباحثة في شؤون المرأة د.رفقة دودين التي تعتقد أن هذه المهنة وبرغم كونها مندثرة إلا أن ترسانة العادات والتقاليد الصارمة "التي تدفعنا إلى ترسيخ مثل هذه الطقوس الرديئة في البحث عن زوجات وأزواج".

وتعرب عن استغرابها من الأسلوب باعتباره مهينا للمرأة ولا يزال واردا في العقول.

تقول "استغرب من كل أعماقي حين يدق الباب فريق نسائي يجوب القرى والتخوم بحثا عن عروس بيضاء طويلة جامعية ذات حسب ونسب وكأنها لقية".

ولدى قدوم الفتاة للصالون تحادث لميس والدة العريس أو أخته بالهاتف حيث تحضر تلك بدورها على عجل "لتفحص العروس"، وتوضح لميس "كثيرا ما يكون الشاب مرافقا لأمه وينتظرها في سيارته بالخارج".

وتنوه دودين إلى هذه البداية بقولها "الخطوات الأولى تتم بطرق ملتوية لتضمن ماء الوجه الاجتماعي".

مشيرة إلى أن الشاب يتعرف بالفتاة في المجتمع بهدف التسلية، إلا أن المعايير تختلف تماما لدى الزواج.

وعلى الرغم من تحفظ العديد من الفتيات من الجيل الشاب على هذا الأسلوب التقليدي في الزواج، إلا أنه مقبول لدى الشبان خصوصا المغتربين ممن يقدمون للأردن لزيارة عائلاتهم وبهدف الزواج.

ويقول ساري تعليقا على زواج الشباب المغتربين بهذا الأسلوب "لا أعتقد أن المسألة مرتبطة بالفئة المغتربة بقدر ما هي مرتبطة بعقلية الشاب الذي لا يختار زوجته بنفسه".

مشيرا إلى أن العديد من الشباب الأردنيين لا يزال يفضل أن تختار له أمه شريكة حياته بينما يعد هذا التفكير غير وارد لدى البعض الآخر وبغض النظر عما إذا كانوا من المغتربين في الخارج أم لا.

إلا أن البعض يرى أن وجود الخطابة سواء بشكلها التقليدي أو كيفما استحدثته لميس ومن يحذو حذوها يثير تساؤلا حول مدى حاجة الشاب لمن يختار عنه قرينته.

احدى السيدات اللواتي زوجت ابنها عن طريق لميس والتي فضلت عدم ذكر اسمها ترى أن خبرة صاحبة الصالون في التعامل اليومي مع الفتيات مهمة ولها دورها في اختيار الفتاة المناسبة تقول "بعد أن بحثت في العديد من البيوت ولم أجد الفتاة المناسبة بدأت أصاب بالإحراج من سؤال الناس عن فتيات للزيجة، فنصحتني احدى صديقاتي باللجوء إلى لميس الخطابة".

وبالفعل تم اختيار العروس من بين ثلاث فتيات وتم عقد القران في آب الماضي، وهنا تعبر السيدة عن سعادتها بـ"كنتها الجديدة" التي تصفها بأنها "ملكة جمال".

وتستهل الخطابة أم معين الصفدي (54عاما) حديثها بالمثل الشعبي الشائع "يا بخت من وفق راسين بالحلال" وتنتقل منه للتحدث بفخر عن زيجاتها، مشيرة إلى أن هذه الهواية بدأت لديها بعد أن زوجت صغرى بناتها.

تقول "كل زيجاتي والحمد لله ناجحة، والحقيقة أنني أشعر بسعادة خصوصا وقت العرس، أو إذا كانت الفتاة كبيرة في العمر وتوقف العرسان عن طرق بابها".

فهل تسهم عاشقات التزويج من الهاويات لمهنة الخطابة بشكل أو بآخر في توفير فرص الزواج للفتيات ممن تخطين متوسط سن الزواج، خصوصا مع ارتفاع أعداد الفتيات اللواتي تزيد أعمارهن عن ثلاثين عاما من غير المتزوجات إلى أكثر من  87 ألف لم يسبق لهن الزواج بحسب دراسة أخيرة أجرتها حمعية العفاف.

من جهته يشير مدير عام الجمعية مفيد سرحان أن الجمعية  قامت بإجراء دراسة حول ظاهرة تأخر سن الزواج "العنوسة"، حيث اشارت الارقام الى ان متوسط عمر الزواج لدى الشباب يصل الى ثلاثين عاما ولدى الفتيات يقارب الـ"29" عاما.

ويبدو من قراءة المشهد أن العائلات التي تقصد الخطابة للبحث عن عروس هي في الغالب من العائلات المحافظة التي لا يعد الاختلاط فيها بين الجنسين من الأمور الواردة.

في هذا الصدد تقول دودين "يحدث ذلك في المجتمعات التي لا تتقبل أن يلتقي الشاب بالفتاة أمام الأهل".

وهو الرأي الذي يؤيده ساري الذي يربط وجود الخاطبة بالمجتمعات المغلقة التي لا تزال تعيش على الأفكار المتوارثة والتي لم تنقل أبناءها إلى جيلهم.

يقول "لدى اقبال الشاب على الزواج تتكرر على مسمعه عبارات مثل: أنا لم أر أمك إلا يوم العرس، الحب الحقيقي بعد الزواج، انظر فلان وفلان تزوجا بهذه الطريقة...إلخ".

"الخطابة" مهنة اندثرت ولا تزال تلفظ أنفاسها الأخيرة في مجتمع قرر الانفتاح على نفسه، ومع جيل يؤمن بقدسية حرية الاختيار.

تقول دودين "أن يظل إنساننا سلعة للعرض والطلب فتلك طامة كبرى تجعلنا لا نقوى على الجحيم ولا نصلح للجنة".