السلف الصالح في رمضان: اجتهاد بسائر الطاعات

كان السلف الصالح يحفظون صيامهم من الضياع في القيل والقال وكثرة السؤال -  (تصوير: محمد أبو غوش)
كان السلف الصالح يحفظون صيامهم من الضياع في القيل والقال وكثرة السؤال - (تصوير: محمد أبو غوش)

كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يهتمون برمضان اهتماماً بالغاً، ويحرصون على اغتنامه في الطاعات والقربات، تائبين إلى الله من الخطايا في كل حين، فما من مجال من مجالات البر إلا ولهم فيه اليد الطولى، وخاصة في مواسم الخيرات، ومضاعفة الحسنات، فقد ثبت أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم.اضافة اعلان
يقول عضو الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين د.عامر القضاة إن حال السلف مع الطاعات، يتمثل في أقوالهم:"تعال بنا نؤمن ساعة"، "الدنيا ساعة فاجعلها طاعة"، هذه بعض أحوال السلف، يتعاهدون النفس ويروّضونها لتستقيم على الطاعات على مدار العام، أمّا إذا أقبل شهر الخير وهلّ هلال رمضان فحالهم عجيب.. نفس مقبلة مندفعة تستثمر ثواني الأيام والليالي فلا يدعون فيها للهو مكانا ولا للعبث مجالا، كانوا للعلم روادا، وفي الجهاد إقداما، وفي العبادة أئمة.
ويضيف القضاة: أدرك السلف الصالح عظمة رمضان، فكانوا مع الصيام فرسانا، ومع القيام رهبانا، جعلوه شهرا للجهاد فأكرمهم الله بأعظم الانتصارات، أما مجال الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففتحوا مضماره على أرحب الوجوه، ممتثلين الحديث النبوي:"لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
وإذا كان قيام الليل هو دأب الصالحين وتجارة المؤمنين وعمل الفائزين فإن سلفنا الصالح أدركوا هذه المعاني العظيمة، فنصبوا أقدامهم في محراب الإيمان، يمضون نهارهم بالصيام، ويحيون ليلهم بالقيام، ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم فيشكون إليه أحوالهم ويسألونه من فضله؛ فنفوسهم قائمة بين يدي خالقها عاكفة على مناجاة بارئها تتنسم من تلك النفحات وتقتبس من أنوار تلك القربات وترغب وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات.
ولم يصرف الانشغال للصيام والقيام السلف الصالح عن الجود والإنفاق في سبيل الله، أسوة برسول الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان إنّ جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ" فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة".
وتمثّل هذا المعنى الإمام الشافعي رضي الله عنه، فقال: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصّوم والصلاة عن مكاسبهم.
ويلفت استشاري الفقه الإسلامي د. مصطفى إسعيفان إلى نماذج مشرقة من اجتهاد السلف الصالح في رمضان، منها: أن مالك بن أنس كان إذا دخل رمضان يفر من الحديث ومجالسه أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف، كما كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العباد وأقبل على قراءة القرآن.
وكان ابن عمر رضي لله عنهما يصوم ولا يفطر إلاّ مع المساكين، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل.
وقد كان للسلف في كل باب من أبواب القربات أوفر الحظ، وكانوا يحفظون صيامهم من الضياع في القيل والقال وكثرة السؤال، لذا تجد كثيراً منهم قد لازم المسجد ليحفظ صيامه وينقطع عن الناس ويتفرغ للعبادة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي.
وقال ابن القيم رحمه الله: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.
وخلاصة رمضان السلف: الإمساك عن تعاطي جميع المفطرات الحسية والمعنوية، وفعل ما يرضي الله، يحتسبون نومتهم كما يحتسبون قومتهم، يتنافسون في الطاعات والقربات، ويفرون من مقاربة المعاصي والسيئات، يحفظون صيامهم من جميع المفطرات، يعملون بكتاب الله وسنة رسوله، ويوصي بعضهم بعضاً بألا يكون يوم صوم أحدهم كيوم فطره، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك، ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
ومن اهتمام السلف بالصيام، وحرصهم على هذه العبادة أنهم كانوا يُمرنون أطفالهم عليه، ويُسلونُهم باللعبِ حتى لا يشعروا بطول النهار، عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غداةَ عاشوراءَ إلى قرى الأنصارِ التي حولَ المدينةِ من كان أصبحَ صائماً فليتمْ صومَه، ومن كان أصبحَ مفطراً فليتمْ بقيةَ يومهِ، فكنا بعد ذلك نصومُه ونُصَوّم صبيانَنا الصغارَ منهم..ونذهبُ إلى المسجدِ فنجعلُ لهم اللعبةَ من العُهن، فإذا بكى أحدُهم على الطعامِ أعطيناهم إياه، حتى يكونَ عند الإفطار".
ويلفت القضاة إلى أن السلف الصالح أغلقوا كلّ أسفار العلم والبحث إلا ما كان بحثا في كتاب الله، فنهلوا من معينه الذي لا ينضب، بشكل موجز فإن خلاصة حالهم: قرآن وجهاد، تلاوة وتطبيق، دعوة وإرشاد.