القرضاوي: المجاهرة بالذنوب الصغيرة تحولها إلى كبيرة

القرضاوي: المجاهرة بالذنوب الصغيرة تحولها إلى كبيرة
القرضاوي: المجاهرة بالذنوب الصغيرة تحولها إلى كبيرة

رئيس اتحاد العلماء المسلمين يوضّح أن هناك ذنوبا يموت صاحبها وهي تتزايد ليوم القيامة!

عمان -الغد - مع اقتراب نهاية شهر رمضان (شهر التوبة والغفران) يقدم القرضاوي حلقة خاصة عن التوبة وشروطها وحيثياتها. ذلك في سياق الحلقة اليومية الرمضانية التي تنشرها الغد، بالتزامن والتنسيق مع قناة "أنا" الفضائية (ويحررها الزميل مصطفى عبد الجواد من القناة نفسها).

اضافة اعلان

فقد أكد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن التوبة تعد فريضة على كل مسلم، وأنها لا تكون باللسان فقط، وإنما يجب أن يتبعها عمل، موضحًا أن التوبة تبدأ بالندم على الذنب، والعزم على عدم العودة إليه، ثم يأتي الشق العملي بأن يبتعد عن المعصية وينتقل إلى الطاعة.

وأوضح القرضاوي أن من الذنوب ما هو متعدٍ، من ناحية الزمن والمكان، بحيث إن الشخص يموت وتبقى ذنوبه في زيادة إلى يوم القيامة، مثل من يؤلف كتابًا يضلل به الناس أو ينشر الفواحش، فكلما طبعت أو بيعت نسخة من هذا الكتاب ازدادت ذنوبه.

ووصف القرضاوي يوم القيامة بأنه يوم الأنانية المطلقة، فالكل يهتم بنفسه فقط، ولذا فإنه يجب على الإنسان أن يتوب عن ذنوبه في حق العباد وأن يرد المظالم إلى أهلها؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاححة.

وتطرق القرضاوي إلى تقسيمات الذنوب، موضحًا أن هناك من قسمها إلى ذنوب الجوارح وذنوب القلوب ، وذنوب متعدية وأخرى قاصرة، وذنوب ترك المأمور وفعل المحظور، وأخيرا ذنوب كبائر وأخرى صغائر.

* تحدثتم فيما أسميتموه "فقه السلوك" عن التوبة والإخلاص والزهد والورع، فهل هذه الأشياء ضرورية في حياة الإنسان؟ 

هذه الأشياء التي تتحدث عنها، من التوبة والذكر والمراقبة والمحاسبة والزهد والورع والرجاء والخوف والتوكل على الله والإخلاص لله سبحانه وتعالى، هي لباب الدين، بل هي حقيقة الدين، فكل عمل من الأعمال الظاهرة لا تدخل فيه هذه الأعمال الباطنة، أو أعمال القلوب، لا قيمة له، فإذا صليت، أو زكيت، أو حججت، أو اعتمرت، أو صمت، أو قدمت ما قدمت من القربات، ولم تكن وراء ذلك نية صادقة، وإخلاص لله تبارك وتعالى، فهذا كله قشر بلا لب، يرد على صاحبه كما ترد العملة الزائفة، ولهذا يقول الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". ولهذا اهتممنا بهذا النوع من الفقه، وسميناه أو سمي من قبلنا "فقه السلوك"، فهناك فقه المعاملات، أو الفقه الذي يُعنى بظاهر الأمر، وهناك الفقه الذي يُعنى بالسلوك الحقيقي مع الله عز وجل، والتوبة ركن أساسي من أركان السلوك.

توبة نصوحة

** إذا كانت التوبة هي ركن أساسي من أركان السلوك، فما  تعريف التوبة؟

أحيانًا يبدأ رجال التربية الروحية في كتبهم بالتوبة، وأحيانًا يبدأون قبلها بالعلم، والإمام الغزالي له كتاب اسمه "منهاج العابدين"، أي الطريق الذي يسير فيها العابدون حتى يصلوا إلى رضوان الله، وقد جعلها محطات أو عقبات، لابد أن تجتازها حتى تصل لنهاية الطريق، فكان العلم أول عقبة، تليه التوبة، كما أن التوبة وردت في باب المنجيات من كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي، فالتوبة أمر مهم، والتوبة لغة تعني الرجوع، فتاب أي رجع، فالإنسان قد يشرد عن الله ـ عز وجل ـ بالمعاصي والخطايا، ثم يعود إليه، وهذه العودة إلى الله بعد الشرود، تسمى التوبة.

** عادة ما توصف التوبة بأنها "توبة نصوح" والحق سبحانه وتعالى أمر بها حين قال (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا)، فما دلالة هذا الوصف؟

أولاً يجب أن نبين حكم التوبة، فالأمر بالتوبة يدل على أنها فريضة، وعلى الناس جميعًا أن يتوبوا، وكل المؤمنين مأمورون بالتوبة (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، ومعنى هذا أنه لا يستغني أحد عن التوبة أيًّا كانت منزلته، فهناك من يتوب عن الشرك، كما قال الله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) وهناك توبة من النفاق، وتوبة عن الكبائر، وتوبة عن صغائر المحرمات.

وهناك توبة من الغفلات، حيث يقولون: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلات، والغفلة عن الله ـ عز وجل ـ تعني الانهماك في أمور الدنيا وإن لم يرتكب زنًا ولم يشرب خمرًا، ولكن يرى هذه الغفلة نوعًا من الذنوب، فكما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكل إنسان مطلوب منه أن يتوب، حتى أعظم الخلق قربة من الله ـ عز وجل ـ وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" وبعضهم يقول كنا نعد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المجلس الواحد سبعين مرة أو أكثر، وأحيانًا مائة مرة "رب اغفر لي وتب علي"  فهو يتأول قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً).

توبة الخواص

** بخصوص هذه السورة أحيانًا البعض يتوهم أن الاستغفار يكون بعد المعاصي فقط؟

عموم الناس يستغفرون بعد المعاصي، ولكن كما قلنا هناك درجات، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ وصف المحسنين في كتابه فقال: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فهو قائم الليل داعيًا لله، ومتضرعًا إليه، وفي آخر الليل يستغفر؛ لأن المؤمن إذا ارتقى يشعر دائمًا أنه مقصر مع الله ـ تبارك وتعالى ـ ولهذا يستغفر الله، مما قد يكون غفل عنه، ولم يدركه، ولم ينتبه إليه.

أما بالنسبة للتوبة النصوح، فنصوح تعني الخالصة، ومعنى توبة نصوح أي توبة صادقة خالصة لا تشوبها شائبة؛ لأن بعض الناس يظن التوبة كلامًا باللسان، وبعض العوام حينما يقع في معصية، يأتي ويقول: سيدنا الشيخ توبني، أي أريد أن أتوب على يديك، فيقول له الشيخ قل: توبت إلى الله، ورجعت إلى الله، وندمت على معصية الله، وعزمت على طاعة الله، وعلى ألا أعود إلى المعاصي أبدًا، ويظن أنه بهذه الكلمة قد تاب، لكن التوبة ليست كلامًا باللسان، فهي لها عناصر شرحها الإمام الغزالي في "الإحياء" وتحدث عنها ابن القيم وغيره، واطالوا الحديث فيها، ففيها عنصر معرفي، وعنصر شعوري أو وجداني، وعنصر عملي، ويقسم  الإمام الغزالي عناصر أو مقامات التوبة إلى علم وحال وعمل.

* ما المقصود بذلك؟

المقصود أن هناك أركانًا ثلاثة للتوبة: ركن معرفي، يتعلق بعلم الإنسان، بخطر الذنوب عليه في الدنيا والآخرة، وأنه إذا غفل عنها يمكن أن تحيط به وتهلكه، فتأتيه صحوة إلهية، فربما يقرأ كتابًا أو يسمع درسًا، فيعرف أنه في غفلة وخطر، وهذه البداية، فإذا أدرك هذا الأمر وأثر في نفسه وفي مشاعره، وفي انفعالاته، وفي وجدانه، يحدث أمران: ندم وحسرة وحزن على ما وقع فيه من ترك مأمور، أو فعل محظور، ويأسف غاية الأسف لذلك، والقرآن حدثنا عن نفسية جماعة تابوا، فقال (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) فهذه نفسية الإنسان النادم على ذنبه، فهو يحترق من الداخل، ويغسل ذنوبه بدموعه، فهذا هو الندم ومن لم يدركه هذا الندم لم تحدث له توبة؛ لأنه لا يزال يحس بحلاوة المعصية، وإذا جاءت فرصة ثانية يرجع إليها.

أما الأمر الثاني فهو العزم الصادق على التغيير، وأن يغير حاله من المعصية إلى الطاعة، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن محالفة الشيطان إلى معاداة الشيطان، فهذا العزم مهم حتى لا يعود أبدًا للمعصية، والعلماء يقولون: كما لا يعود اللبن إلى الضرع لا يعود إلى المعصية، وحتى لو زلت قدمه بعد ذلك، فإن المهم هو أنه في هذه الساعة يصمم على ألا يعود.

الركن الثالث هو ركن عملي، فبعد الندم والعزم لابد أن يكن هناك أثر عملي، وهو أن يبتعد فعلاً عن المعصية، وينتقل إلى الطاعة، فإذا كان تاركًا للصلاة يبدأ في الصلاة، وإذا كان يغتاب الناس يترك الغيبة، وإذا كان يشرب الخمر يدع الخمر، وإذا كان يجلس مع أهل المخدرات يترك هؤلاء.. وهكذا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "واتبع السيئة الحسنة تمحوها"، وعليه أن يحاول أن تكون الحسنة من جنس السيئة بقدر الإمكان، فلو كان يغتاب الناس يتكلم عنهم بالخير، ولو كان يتكلم كلامًا تافهًا، يبدأ في قراءة القرآن وذكر الله ذكرًا كثيرًا، أو يسبحه بكرة وأصيلاً، وهكذا فإن "الحسنات يذهبن السيئات".

يوم الأنانية المطلقة

* العلماء يذكرون "رد المظالم" ضمن أركان التوبة إذا كان الذنب متعلقًا بحق من حقوق العباد، فهل يتساوى في ذلك كون المظلمة مادية أو معنوية؟

المطلوب هو رد الحقوق المالية؛ لأن الحقوق المالية لا مسامحة فيها، والعلماء يقولون: حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاححة؛ لأن يوم القيامة هو يوم فردي، والفردية والأنانية فيه أبلغ وأوضح ما تكون (لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً)، (يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)

* وصف جديد ليوم القيامة، بأنه يوم الأنانية؟

هو يوم الأنانية المطلقة، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، وأحب الناس إليك وأعز الناس عليك، لا تفكر فيه، فلذلك يجب أن يرد الإنسان الحقوق إلى أهلها، حتى أن أعظم ما يتمناه المسلم لنفسه، وهو الشهادة في سبيل الله لا تسقط حقوق العباد، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما في صحيح مسلم، قال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"؛ لأنه يتعلق بحقوق العباد.

وجاء رجل فسأله: إذا قتلت في سبيل الله يا رسول الله تكفر عني الخطايا؟ قال: "تكفر عنك الخطايا" ثم سار الرجل خطوات، فقال له الرسول: "ماذا قلت آنفًا؟" قال: قلت لك كذا وقلت لي كذا، فقال الرسول: "يكفر عنك خطاياك إلا الدين أخبرني جبريل بها الساعة"، فالديون فيها تشديد.

فهذه الحقوق يردها الإنسان إلى أصحابها إذا كانوا أحياءً، ولو ماتوا يعطيها لورثتهم، وإذا لم يكن عندهم ورثة أو لا يعرفهم، فمثلاً لو أن تاجرًا ظل طوال عمره يغش الناس وجمع الملايين، ففي هذه الحالة يتصدق بها عنهم، فهذا الأموال ملك من غشهم، وإذا كان لا يملك شيئًا يرد به الحقوق إلى أهلها، فعليه أن ينوي كلما جاءه شيء زائد عن حاجته الأصلية يرده إلى الورثة أو يتصدق به، فإذا مات وهو لم يسدد هذا، أو عجز عنه، فالله أعلم به، وما دام صادق النية فالله أهل أن يرضي عنه خصومه يوم القيامة.

أما الحقوق الأدبية فبعض الناس قال: يذهب ويطلب منه السماح، حتى بعضهم قال: لو كان زنى ببنته أو بامرأته يطلب منه السماح، لكنه هنا قد يعرض نفسه للقتل، كما أنه لو أخبر شخصًا أنه سبه أو اغتابه فإن ذلك ربما يوغر صدره، والصحيح والأقرب للصواب أنه في هذه الأشياء، يستغفر فيما بينه وبين الله ويتوب فيما بينه وبين الله ـ عز وجل ـ ويدعو لمن ظلمه؛ لأنه ليست هناك فائدة من أن يذهب ويقول أنا سببتك، فما الفائدة من ذلك؟ لا استفادة لهذا أو لذاك، والأفضل أن يدعو له وأن يستغفر له فيما بينه وبين الله، ويمدحه أمام الناس أيضًا، جزاء على ما فرط منه.

يُذنب ويستغفر

* العبد إذا أصر على ذنب أو معصية، بحيث يتوب منها ثم يعود، ثم يستغفر ويعود وهكذا، هل لهذا الاستغفار فائدة؟

من شروط التوبة ألا يكون مصرًا على الذنب، وأن يعزم على ألا يعود إلى المعصية أبدًا.

* هو يعزم ولكن كنفس بشرية يعود؟

المهم أنه في ساعة التوبة لا تكون في نفسه نية للعودة إطلاقًا، هذا بالنسبة للتوبة، لكن الاستغفار هو ذكر لله تبارك وتعالى، فذكر الله لا يُمنع، والقرآن يقول في التائبين (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فهذه صفة التائبين.

أما المستغفر فحتى ولو كان يرتكب الذنب، ويقول اللهم اغفر لي، فلا مانع من هذا الاستغفار، فالاستغفار مطلوب قبل الذنوب، وأثناء ارتكاب الذنب، وبعد ارتكاب الذنب، والاستغفار مطلوب من المؤمن في كل حال من الأحوال.

* لكن ماذا نقول فيما ورد من أن المستغفر من الذنب وهو مصر على المعصية كالمستهتر بربه.

هذا الحديث ورد عن ابن عباس، ولكن ضعفوه.

الذنوب الأشد

* المعاصي أقسام عدة، ومن هذه الأقسام: ترك مأمور أو إتيان محظور، والكثير من الناس يتوهم أن ترك المأمور به أقل خطرًا من إتيان المحظور؟

لا، هذا ليس هو الصواب، فلا شك أن ترك المأمور أشد خطرًا؛ لأن حقيقة الدين ما هي؟ امتثال لما أمر الله به، فلكي تكون مسلمًا لابد أن تصلي وتصوم، وتزكي، وتحج، وهذه الأركان هي عمل، فترك هذه الأركان يعني أنك لم تعمل شيئًا للإسلام، فإذا تركت الصلاة، ومنعت الزكاة، وأفطرت رمضان، ونويت ألا تحج، فماذا بقي لك من الإسلام؟ ولذلك كانت معصية إبليس هي ترك المأمور؛ لأنه أمر بالسجود فلم يسجد، "فأبى واستكبر وكان من الكافرين"، بينما معصية آدم فعل المحظور؛ لأنه نهى عن الأكل من الشجرة، فأكل من الشجرة، فلذلك كان ترك المأمور أشد خطرًا وأبعد أثرًا في نفس وحياة الإنسان.

* الحاكم الذي يصوم ويصلي ويحج، ويفعل كل هذه الأشياء، ولكنه لا يحكم شرع الله، هل هذا أكثر جرمًا أم الحاكم الذي يحكم شرع الله لكنه يأتي ببعض المعاصي، كشرب الخمر أو غير ذلك؟

لا هذه قضية أخرى؛ لأن شخصًا سيرته الشخصية جيدة، لكن في عمله مع الشعب سيئ، هذه جهة منفكة، وليسوا كبعض، لنفرض أنه كل سنة يذهب ليعتمر في رمضان ويعمل كذا ولكنه لا يطبق الشريعة، هذا مفسد من شر عباد الله، لذلك جاء في بعض الأحاديث "يوم من وال عادل خير من عبادة ستين سنة"؛ لأنه يمكن في اليوم العادل أن يرد من الحقوق وينحي من المظالم ويأمر بالخير للناس ما يكون أفضل من عبادة ستين عامًا.

* العلماء يقسمون الذنوب إلى: ذنوب قاصرة وذنوب متعدية، فما معنى ذلك، وما الأخطر؟

قطعًا الذنوب المتعدية أشد خطرًا؛ لأن الذنوب القاصرة هي المقصورة على صاحبها، فهو يزني في السر، أو يشرب خمر وحده، أما الذنوب المتعدية فهي مثل من يضلل الناس بكتب تبعد عن الإسلام، وتدعو إلى الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتغري الناس بمبدأ فاسد مثل الشيوعية أو الانحلالية، هذا أشد خطرًا من غير شك من الذنوب القاصرة.

وحتى الذنوب المتعدية هي أيضًا درجات، واحد يفسد في دائرة صغيرة، وآخر يفسد في بلد بأكملها، وثالث يفسد في الكرة الأرضية بأكلمها، فلا يمكن أن تكون ذنوب هتلر مثل ذنوب حاكم آخر، فكم أفسد في الحياة، وكم سفك من الدماء، كذلك بالنسبة لهؤلاء الصهاينة الذين أخرجوا الفلسطينيين من ديارهم، وانتهكوا حرماتهم، وشردوهم في الآفاق.

وهناك تقسيم آخر للذنوب هو: ذنوب الجوارح وذنوب القلوب، وذنب سيدنا آدم كان ذنب جارحة "أكل" إنما ذنب إبليس كان من ذنوب القلوب هو "الكبر" (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ) فرفض أمر الله وقال (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ)، مغترًا بنفسه (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، ولذلك كانت ذنوب القلوب وخطايا القلوب أشد خطرًا، و"لا يدخل جنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، و"البغضاء هي الحالقة" و"من عمل صالحًا، وأشرك مع الله آخرين رياءً، يقال له اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، ليس لك عند الله شيء"، وكل هذه من خطايا القلوب.

* بالنسبة للذنوب المتعدية هل ترون أن الإفساد الذي يتم من خلال الإعلام، أو من خلال الأفلام والمسلسلات، يدخل في هذا الجانب أيضًا؟

هذا أيضًا فيه تعدٍ مكاني، وتعدٍ زماني، فهناك إنسان يعمل ذنبًا في حدود نفسه، أو في حدود أسرته، أو في حدود بلده، أو في حدود القارة، فهذا بعد مكاني. وهناك أيضا تعدٍ  زماني، فذنبه يظل بعده، ويموت هو ولا تموت ذنوبه، فإنسان ألف كتبًا لتضليل الناس، فكلما طبعت هذه الكتب وقرأت، كانت عليه ذنوب، أو آخر عمل فيلمًا فيه انحلال وفساد، فكلما عرض هذا الفيلم كانت عليه ذنوب، ولذلك بعض أخواتنا من الفنانات التائبات، حاولن أن يجمعن أفلامهن السابقة من السوق، ويدفعن فيها مبالغ، ولكن من الصعب هذا الأمر.

الصغائر والكبائر

** القرآن قسم الذنوب، إلى كبائر وصغائر ولمم، كيف نفرق بين هذه الأقسام؟

الذنوب تنقسم إلى كبائر، وصغائر، بنص القرآن (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)، (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً) فهناك كبائر وصغائر، وبعض العلماء يقول إن الذنوب كلها كبائر؛ لأننا إذا نظرنا إلى المعصي وهو الله ـ عز وجل ـ فلا يصح أن نعتبر معصية الله أمرًا صغيرًا، وكما قال بعضهم: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى كبرياء من عصيت.

ولكن هذه نظرة عاطفية؛ لأن طبيعة الأشياء أن يكون فيها كبير وصغير، كما قال الله عن كتاب يوم القيامة (يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) فهناك كبائر وصغائر، والكبائر اختلفوا في تحديدها، فبعضها جاء في حديث السبع الموبقات المعروفة: "الشرك، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات"، وجاءت في القرآن أشياء كثيرة مثل: افتراء الكذب على الله، وفي الحديث أيضًا "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، وبعضهم قال من كان فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، مثل السرقة، والزنا، والقذف، يعتبر من الكبائر؛ كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً) فهذه تعتبر من الكبائر، وما دون ذلك من الصغائر، ولكن هم أيضًا ذكروا أن الصغائر قد تدخل عليها أشياء فتجعلها كبيرة أو تقربها من الكبيرة، مثل أن يفرح بها، أو أن يجهر بها "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"  أو أن يصر عليها، حيث قالوا: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.

اللمم اختلفوا في تفسيره، هل هو الصغيرة؟ أم اللمم يشمل الكبيرة ولكنها المعصية يلم بها المرء لمامًا، مرة أو مرتين، وهو مستقيم في حياته، فيعتبرون إذا كان ذلك مرة أو مرتين لا يؤثر في مجموع حياته، والبعض يقول إن اللمم هو الصغيرة.

* أحد الكُتاب، يزعم أن من اللمم أن يقبل الشاب الفتاة داخل الجامعة، فهل هذا يدخل في اللمم؟

نحن وإن فسرنا هذه الأشياء بالصغائر، فلا يجوز أن يجاهر بها، فالمجاهرة بالصغيرة تحولها إلى كبيرة، وكذلك الإصرار يحول الصغيرة لكبيرة، ولذلك نحن رددنا في بعض الحلقات على الذين قالوا إن التبرج من الصغائر التي تكفرها الصلاة، والصيام، وقلنا إنه حتى لو افترضنا أنها صغيرة، لكنه مداوم عليها، فالذنب الذي يداوم عليه لا يكون من الصغائر، فأحيانا يقع إنسان في هذا وهو مستحٍ، وذلك يختلف عمن يفعل ذلك متبجحًا ومجاهرًا، ويعتبر هذا من مستلزمات العصر، أو من لوازم المدنية.