"المعوقون": خجل الأهل "إعاقة" أخرى تحرم الضحايا من الشمس والعلاج

يشير خبراء إلى أن خوف بعض أفراد الأسرة من نظرة المجتمع الاستفزازية، يدفعهم لإخفاء طفلهم المعوق-(أرشيفية)
يشير خبراء إلى أن خوف بعض أفراد الأسرة من نظرة المجتمع الاستفزازية، يدفعهم لإخفاء طفلهم المعوق-(أرشيفية)

ديما محبوبه

عمان- يغض المجتمع، غالبا، المعوقين، على الرغم من أنهم يمثلون شريحة لا يمكن تجاهلها، حتى مع محاولات الإخفاء والتستر التي تزاولها بعض الأسر، نتيجة الخجل وعدم الاعتراف بوجود صاحب إعاقة بين أفرادها، وربما تعمد إلى إخفاء هذا الفرد أو معاملته كمجنون، أو حتى نبذه، ما يفاقم من سوء حالته.
ولأن الخجل والخوف من معرفة المحيطين بوجود معوق، هما سمة سائدة في البيوت، فإن الإحصاءات الحقيقية عن عدد هؤلاء الأفراد، تظل ناقصة باستمرار.
لكن إذا حدث وتكشف المستور، فقد يكون الاكتشاف فاجعا للغاية، تماما كما حدث مع فتاة الكرك (نجوى)، التي تعرضت لإخفاء قسري أدى إلى مضاعفات كبيرة طاولت جسدها وروحها في آن معا.
ففي يوم المرأة العالمي، استقبلت الأمهات والنساء خبرا تقشعر له الأبدان، حيال ما جرى لابنة التسعة عشر ربيعا، التي ربطت في زريبة ماشية قريبة من منزل العائلة لأعوام عديدة، وفق مصادر مطلعة على ما جرى من تحقيق لاحق حول قضيتها.
والحال أن نجوى لم تكن تنعم بحياة رغدة ومريحة، بعيدا عن أهلها وأعين الفضوليين من الناس، بل كانت خلال تلك المدة تتعرض للضرب المستمر من أفراد في أسرتها بسبب صراخها، وكانت أسنانها تتساقط وتنزف من دون أن يهتم بها أحد.
ولأنها تعاني من تخلف عقلي، ولعدم وجود من يرعاها، إضافة إلى ضربها وإهانتها فقد رصد الطب الشرعي خلال تشريحها 12-14 جرحا قطعيا رضيا، حددت بفترة زمنية تراوحت بين 24 ساعة إلى بضعة شهور، إضافة إلى 20-25 رضة وحرقا وكسرا، وندب وإصابات أخرى متفرقة، وكذلك 6 كسور بالضلوع اليمنى، و8 باليسرى، ملتئمة بطريقة غريبة، كونها لم تعالج، ما أدى إلى التحام الكسور على نحو مشوه.
ويبين المصدر أن الأطباء الشرعيين، خلال التشريح، وجدوا في البطن والصدر تقيحا وصديدا ناتجا عن التهابات داخلية غير معالجة بسبب الإهمال.
ولأن ولادة طفل معوق يؤثر على أفراد الأسرة جميعا، يبين اختصاصي علم النفس د. محمد حباشنة أن هذه الولادة تجعل الشخص المقابل يعيش صدمة كبيرة لا يستوعبها، ولا يصدق ما حدث، خصوصا الوالدين، اللذين يمران بجملة من الضغوط النفسية والانفعالية، وتقع على كاهلهما أعباء مادية مترتبة على هذه الإعاقة، إضافة إلى رحلتهما الطويلة بين البرامج التربوية والعلاجية، التي ينصح بها الاختصاصيون، ما قد ينعكس سلبا على العلاقة بينهما، وعلى دور كل منهما، ويؤثر بالتالي على مستوى تفاعل الأسرة وتكيفها مع المحيط الاجتماعي.
وبعض أفراد الأسرة يعانون، في مثل هذه الحالة، وفق حباشنة، من اضطرابات نفسية وقسوة في المشاعر، إضافة إلى الخوف من نظرة المجتمع الاستفزازية، فيلجأون إلى إخفاء هذا الطفل، ومن الممكن إهماله، خصوصا أن المعوقين عقليا، تحديدا، يصدرون أصواتا قوية وعالية، تسبب الحرج للأهل، فيبدأون بالتعامل بالقسوة والضرب، وإهانة هذه الروح الطاهرة، التي لا تعي ما يحدث، لكنها تعاني من ألم حاد ونكران الذات.
أما أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة د.حسين محادين، فيبين أن الأصل في الأشياء هو قيمة الإنسان العالية، التي كرمها الله تعالى، غير أن بعض الأسر قد تستحوذ عليها نظرة سلبية تجاه أبنائها غير المكتملين إما عقليا أو عضويا.
ولعدم إدراك الأهالي ولجهلهم، فإن تصرفاتهم وسلوكياتهم الخاطئة والمهينة للروح الإنسانية قد تسيطر عليهم، وفق محادين.
وردود فعل الأسرة نحو طفلها المعوق، كما يقول محادين، تبدأ من فترة الحمل، وقبل خروج الطفل إلى النور، حيث تساور الأم المخاوف والشكوك، بمجرد إخبارها أن ابنها الذي تحمل به قد يكون معوقا، فتتحسب لمواجهة مشكلات الولادة، وتتخوف حول مصير هذه الولادة، هل ستكون طبيعية أم لا، كما تزداد مخاوفها إذا كانت قد تعرضت لخبرات سابقة، في هذا المجال.
بشكل عام، تمر ردود فعل الأسرة تجاه طفلها المعوق بعدة مراحل، فإما أن تكون الأسرة عاقلة ومؤمنة، فتعمل على امتصاص الصدمات، أو أن تكون غير ذلك، فتنتهك حق الحياة الكريمة لهذا الفرد، بحسب محادين.
ويؤكد وجود عديد من العائلات التي لا تقترب من هؤلاء الأبناء، حتى إنها تتعمد إخفاء أن لديها أية إصابة مرضية، ما يجعل عدد المعوقين غير موثوق تماما.
وصدمة الوالدين جراء وجود طفل معوق في الأسرة، في رأي حباشنة تكون كبيرة، حيث يسود الإرباك والقلق، ويأتي التعبير عن الصدمة بعبارات عدم التصديق، والجهل بكيفية التصرف في مثل هذا الموقف، ما يزيد من حدة الضغط النفسي على الأهل.
بدوره، يبين المطران سليم الصائغ، في محاضرة له بمنتدى شومان، بعنوان "مركز سيدة السلام واستراتيجيات العمل"، أن الأرقام التي يُصَرّح بها في المملكة حول المعوقين لا تعكس حقيقة الواقع.
ويشير إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية للعام 2002، التي تؤكد أن نسبة المعوقين في الأردن تصل إلى 8، 9 % من السكان، في حين أظهر تعداد السكان للعام 2004 أن نسبتهم تصل إلى 23، 1 %، وهي نسبة يرفضها كثيرون، لسببين، هما إخفاء الأهل للطفل المعوق، وصعوبة الوصول إلى تعريف موحد للمعوق.
وتعداد التنمية الاجتماعية لسنة 2002، وفق الصائغ، يبين أن عدد المعوقين في الديسة ورم وفينان يبلغ 85 حالة، أما لجان سيدة السلام فسجلت 178 حالة في اليوم الطبي المجاني للمحافظة، الذي نظمته في السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004.
اما عن إمكانية معرفة العدد الحقيقي للأشخاص المعوقين، فيقترح رئيس الاتحاد الآسيوي للمكفوفين، رئيس جمعية الصداقة للمكفوفين أحمد اللوزي، أن الحل يكمن باتخاذ قرار حكومي بفحص جميع المتقدمين لتجديد هوياتهم الشخصية، ومن خلال ذلك يتم الكشف عن الشخص المعني، ومعرفة مدى سلامته أو إصابته بإعاقة معينة.
وهذا الأمر كفيل بكشف عدد المعوقين في المملكة، من وجهة نظر اللوزي، الذي يذهب إلى أنه يمكّن الجهات المعنية من معرفة مدى احترام هذا المعوق والاطمئنان عليه، من خلال مظهره العام، ويمكن عند ذلك اتخاذ ما يلزم من إجراءات إذا وجدت أي إهمال بحقه.

اضافة اعلان

[email protected]