"بعرف مصلحتك أكثر منك".. حينما تكون "تبريرا" للتدخل في حياة الآخرين

تعبيرية
تعبيرية

 "علشان مصلحتك.. أنا بعرف أكثر منك.. من خوفي عليك بحكي.. ما عندك قدرة على تدبير أمورك بحكمة"؛ تلك بعض من عبارات تتردد في العلاقات حيث يحاول من خلالها أشخاص تبرير تدخلاتهم في حياة الآخرين وإقحام أنفسهم في الكثير من التفاصيل التي لا تخصهم وليست في نطاق شأنهم. وتأتي هذه التدخلات أحيانا من باب الخوف على صاحب الشأن، كما يبرر أصحابها، لكنها تعتبر "قتلا للخصوصية"، إن لم يطلبها المعني بالأمر.

اضافة اعلان


"متى يكون التدخل في خصوصية الآخر يصب في مصلحته؟"، سؤال يطرح نفسه، خصوصا في العلاقات المتقاربة، أصدقاء، أقارب، إخوة وأخوات، وأحياناً الجيران.


ما عانت منه غدير، هو حالة من "الضياع" في علاقتها الزوجية بسبب تدخلات المحيطين بها عنوةً عنها، هي لم تطلب آراءهم ولا مقترحاتهم، ولكن الكثيرين حولها يتدخلون، ومنهم من يحادث زوجها دون علم ودراية منها، وعادةً ما يتم خلال هذه المحادثات نقل للكلام الذي قد "يزيد الطين له"، على حد تعبيرها.


"أنا لم أطلب منهم التدخل وبإمكاني حل مشاكلي في الوقت المناسب ولكن بحجة مصلحتي وخوفهم على حياتي جاءت تدخلاتهم عائقا وتشبيكا للمشكلات وزيادة حدتها"، هكذا تقول غدير التي تحاول ألا تبوح بأسرارها ومشاكلها لأي شخص كان حتى أقرب الأشخاص لها، وكذلك ينطبق الأمر على نفسها فهي لا تتدخل في شؤون الآخرين بتاتا.


هي قواعد تربوية، ولها آثار نفسية واجتماعية على العلاقات وما بين الأفراد، لذلك، يرى الأختصاصي التربوي والنفسي الدكتور موسى مطارنة أن الإنسان من حقه أن يحافظ على مساحته الخاصة وحريته ويجب عدم المساس بها إطلاقا، لأن لها آثارا على الشخص نفسه، وكلنا نعلم بأن "الإنسان ولد حراً"، فلماذا هذا التدخل في حياته وبشكل "مشوب بالحسد والمراقبة والأذى احيانا"، حتى وإن كان من نفس الأسرة، ليس من حق أحد التدخل في تلك المساحة الصغيرة التي يعلم فيها الشخص تفاصيل حياته ومشاكله.


ويبين مطارنة أن التدخل لا يقع في مصلحة الشخص دائماً، وعلى الإنسان ألا يتدخل في مشاكل وحياة الآخرين إلا عندما يطلب منه صاحب المشكلة ذلك، حينما يكون غير قادر على إيجاد الحلول لنفسه، ولكن لا يجب التجسس والبحث خلف مشاكل الآخرين، وهذا غير مقبول لا أخلاقياً ولا دينيا، إذ يعتبر نوعا من الاعتداء على الآخر، وعلى إحساسه واستقلاله بذاته.


ويعتقد مطارنة أن هذه الفئة التي تتدخل في حياة الآخرين بأي حجةٍ كانت، هم في الأساس أشخاص فضوليون، لا يمكنهم التخلي عن هذه الصفة، ويمكن اعتبار نسبة كبيرة منهم ضمن "المرضى النفسيين"، وما يصدر عنهم من تصرفات فضولية ما هي إلا إسقاطات أثرت على طبيعة حياتهم وعلاقتهم بالآخرين ممن يعيشون معهم في ذات المحيط، وأحياناً فضوليون لدرجة التدخل في حياة أشخاص غرباء لا تربطهم بهم أي علاقة.


اقتحام الخصوصيات بحجة المصلحة، قد تختلف أشكالها، ولكنها تصب في النهاية في قالب الفضول، وقد يرى الكثيرون ممن يقتحون تلك الخصوصية أنهم "أصحاب حق" كونهم يتدخلون بحجة المحبة للآخر، وأن تدخلهم أمر لا بد منه لمساعدتهم على تجاوز المحن والمشاكل التي قد يقعون بها بسبب "غياب الحكمة" كما يراها فضوليون.


الاستشارية الأسرية والنفسية الدكتورة خولة السعايدة تحدثت عن الكثير من الصفات التي قد تتولد لدى الإنسان من خلال حياته وبيئته التي يعيش بها، ومن ضمنها ذلك الفضول الذي يقوده إلى إقحام نفسه في حياة الآخرين والتدخل في الخصوصيات بل وفرض الرأي أحيانا.


وتعتقد السعايدة أن هناك آثارا قد تترتب على هذا الأمر وقد يكون من أبرزها انقطاع العلاقات نتيجة الضغوط على من يتعرض للتدخل من الآخرين في خصوصياته، وفرض الآراء عليه، عدا عن الحالة النفسية التي قد يشعر بها بأنه شخص محروم من اختيار مصيره أو هدفه في الحياة أحيانا.


الشعور الدائم للشخص من أنه غير قادر على اتخاذ قراره بنفسه فيما يخص حياته، أو أنه سيواجه العديد من الآراء والتدخلات، قد تدفعه إلى الخوف من خوض التجارب الجديدة تحسباً للكثير من الآراء والتدخلات حوله، حتى وإن كان الهدف منها "المصلحة"، وفق السعايدة. 

 

ويعبر وائل شديد، عن استيائه من هؤلاء الأشخاص المحيطين به، وما يزيد من انزعاجه أنهم عادةً ما يدافعون عن أنفسهم بأنهم قادرون على معرفة "الصح من الغلط" في بعض المواقف لديه".


يقول وائل إن "هناك أشخاصا في حياتنا مهما حاولنا إخراجهم من دائرة تفاصيلنا ومشاكلنا إلا أن حب الفضول لديهم كبير"، وأحياناً بحكم صلة الدم أو الصداقة، يصرون على التدخل، بل ويقدمون اقتراحات للحل من دون العودة لصاحب الشأن، ويقول "كل شخص لديه دائرة صغيرة من الخصوصية ليس لأحد قدرة على فهمها وليس لهم الحق في إقحام أنفسهم بها مهما كانت الظروف أو العلاقة التي تربطهم بنا".


"لو كان لديهم اعتدال نفسي وسلوكي لما تدخلوا في حياة غيرهم من الناس"، وفق مطارنة، مشيراً إلى أن هذا التدخل له آثار نفسية واضحة للطرفين، خاصة عندما يشعر الشخص أنه محاصر ومراقب من الآخرين في تفاصيل حياته، وأن خصوصيته تنتهك، ويشبهها بأنها تماماً مثل اقتحام المنزل، لذلك يصاب الشخص بحالة من الألم، خاصةً إذا ما كان هذا الانتهاك فيه أذى واضح وملموس.


وبالتالي، يعتبر هذا نوعا من الجروح الإنسانية العميقة التي تحمل ندوبا نفسية في الشخص، يشعر فيها بالقهر والظلم، وغياب الحرية في التعبير عن رأيه، من قِبل من يتدخلون بحجة أنهم يرون في رأيهم مصلحته، كما يقول مطارنة، وقد يسبب ذلك الإحباط، وقد تبدو آثار ذلك على المجتمع ككل.


ويشدد مطارنة أنه من الأهمية بمكان أن يحافظ الشخص على خصوصيته دائما، وعليه أن يكون حازماً وصارماً في الرد على من يتدخل، وأن لديه القدرة على حل مشاكله، إلا في حال طلب من غيره المساعدة، وعليه أن يعتد بنفسه، و"مثلما نحمي خصوصيتنا علينا ألا نفرض أنفسنا على حق الآخرين في ذلك".

 

اقرأ أيضاً: 

"الفضول السلبي".. استجواب يقتحم الخصوصية ويسبب ضجر الآخر

التدخل في التفاصيل ينتهك خصوصية الآخر ويتجاوز الخطوط الحمر

هل يتدخل مديرك في أدق التفاصيل في العمل؟ إليك بعض النصائح