جحود الأبناء "سهم قاتل" يصيب قلوب الآباء

يمنح الآباء مشاعر الحب والدفء والحنان لأبنائهم لصنع حياة سعيدة ومستقرة - (أرشيفية)
يمنح الآباء مشاعر الحب والدفء والحنان لأبنائهم لصنع حياة سعيدة ومستقرة - (أرشيفية)

ربى رياحي

عمان- تستيقظ المسنة ذات الثمانين عاما على شعاع الشمس المسترسل من نافذة حجرتها الصغيرة الخالية من الأثاث، يلامس وجهها المليء بالتجاعيد يحاول أن يمسح عنه مرارة السنين وقسوتها ليبث فيه أملا جديدا في الحياة، فيطاردها شعور رهيب بالغربة ربما لأن جدران هذه الحجرة باردة لا تشبه جدران بيتها الدافئة الحانية، التي تحتضن أجمل ذكريات عاشتها بحلوها ومرّها مع زوجها وأبنائها، ذكريات ما تزال محفورة في ذاكرتها المنهكة وقبل أن تنهض من سريرها المتهالك بتثاقل، تبدأ في استعادة شريط الذكريات الحافل بالمواقف الطريفة المضحكة تستحضر شقاوة أبنائها ومناوشاتهم التي لا تنتهي فتشعر بسعادة غامرة تزلزل قلبها المتعب الذي أصبح موطنا للحزن والقهر.اضافة اعلان
 بعد ذلك تتوجه إلى مطبخها الضيق المظلم بخطوات بطيئة وظهر منحن، بات عاجزا عن حمل أوزان ثقيلة من الآلام والهموم لتشرع في تحضير أشهى أنواع الأطعمة وألذها، ثم تجلس منتظرة قدوم أحد أبنائها ليشاركها الطعام ويؤنس  وحدتها القاسية المؤلمة تترقب بشوق ولهفة رؤية أبنائها، الذين أنستهم مشاغل الحياة أن لهم أما تحبهم وتخاف عليهم تشتاق لمجالستهم والحديث معهم، لكن قلوبهم المتحجرة المفتقرة للحنان تصر على الجفاء والجحود، وما يؤلم حقا أن تلك الأم المسكينة عندما تسأم الانتظار وتيأس من زيارة أحد أبنائها، تبدأ في خلق الأعذار والمبررات لتضمد بها جراحها المتكررة التي تأبى أن تبرأ وتلتئم، وسبب ذلك أنها لا تجد قلبا حانيا يخفف ألمها.  
ورغم الخيبات الكثيرة التي تتجرع مرارتها هذه الأم المنكسرة إلا أنها تصر على إعداد أشهى المأكولات في كل يوم، موقنة يقينا تاما أن مشاعر الحب والدفء والحنان التي منحتها لأبنائها لن تذهب سدى، وأنه سيأتي يوم وتجني فيه ثمرة تعبها لكن شعورها بالأمل الذي كان ينعش روحها المرهقة بات يتبدد ويتلاشى رغما عنها، ربما لأن  مدة هجر أبنائها لها قد طالت ولم تعد تحتمل غيبتهم.
 لذلك أخذت تعتريها رغبة شديدة في رؤيتهم والاطمئنان على أحوالهم، علّها تطفئ نيران أشواقها الملتهبة وتروي قلبها المتعطش للمسة حنان من أبنائها القساة، الذين تجردوا من إنسانيتهم واختاروا بملء إرادتهم التخلي عن أمهم التي أفنت عمرها في تربيتهم وضحّت براحتها وسعادتها من أجلهم، فكانت المكافأة التي استحقتها هي إنكار أبنائها لجميلها، وإخراجها من بيتها الذي يعني لها الملاذ والمأوى، فقط لأن الطمع قد تسلل إلى أعماقهم محاولا انتزاع الرحمة من ذواتهم.
فأي حروف أو كلمات تترجم هذا الفعل الشنيع المجحف الذي ارتكبه هؤلاء الأبناء بحق أمهم العجوز، أمهم التي احتضنت أوجاعهم ومسحت دموعهم وقاسمتهم أفراحهم، معتبرة كل اللحظات السعيدة التي مروا بها انتصارا ونجاحا لأمومتها، فهي لا تريد من هذه الحياة سوى أن ترى عيونهم فرحة مستبشرة،  تتطلع لصنع حياة سعيدة ومستقرة يغلفها الدفء والحنان.
 إن جحود الأبناء لآبائهم بمثابة السهم القاتل الذي يخترق قلوبهم وأرواحهم ليمزقها دون الشعور ولو للحظة بالرحمة أو الشفقة، ومهما حاولت تلك الأم الطيبة أن تبرر جفاء أولادها لها وانقطاعهم عن زيارتها، فإنها حتما لن تستطع أن تقنع الناس بالحجج الواهية والأعذار السخيفة التي اختلقتها لتوقف ألسنة المحيطين بها عن الكلام الجارح الذي استهدف أبناءها المجرمين، فهي كأم لا تسمح لأحد أن يمس أبناءها بسوء أو ينتقص من قيمتهم حتى لو كانوا مخطئين في حقها، فهذا لا يهمها بقدر ما يهمها أن تبقى صورتهم في أعين الناس جميلة ومحترمة بعيدة كل البعد عن نظرات التقصير غير المبررة، والتي لا تعني سوى الجحود الذي اجتاح أعماق هؤلاء الأبناء القساة وتوغل في عقولهم، ربما لأنهم تخلوا عن حنانهم وطيبتهم تجاه أمهم المضحية التي حفر الزمان على ملامحها مرارة من الصعب محوها.
 وكلما كانت الأيام المحملة بالجفاء والهجر تمر على هذه الأم المقهورة، كان شعورها بالألم يزداد ويكبر تاركا خلفه جروحا وندوبا تأبى الرحيل، وعندما ملت الانتظار الذي لم يجد نفعا وغادرها الأمل الذي كان يخفف أوجاعها ويضمد جراحها، قررت أن تذهب هي بنفسها لزيارة أولادها والاطمئنان على أخبارهم وكانت أول زيارة من نصيب ابنها الكبير الذي لم تره منذ فترة طويلة،  تذكرت معاملة زوجته السيئة لكن حنينها واشتياقها لرؤية ابنها كان أشد وأكبر من كل تلك السخافات، اعتقدت هذه الأم المسكينة أن غيبتها الطويلة قد غيرت تصرفات زوجة ابنها القاسية المهينة وأصبحت أكثر احتراما، إلا أن ذلك لم يحدث بل على العكس تماما قابلتها هذه المرة بجفاء لم تعهده من قبل، لمحت في عينيها نظرة استغراب وكأنها تريد أن تقول لها لماذا جئت بعد كل هذه المدة. حاولت الأم أن تبتلع حزنها فأخذت تنظر إلى أحفادها الصغار بلهفة وحنان أراد أحدهم الاقتراب منها لكن صوت أمه المليء بالغضب منعه وشل حركته، صرخت في وجه أولادها وأمرتهم أن يذهبوا إلى غرفتهم، ودت الأم العجوز لو أن تخرج كل الحنان المقموع في روحها لتصبه في قلوب أحفادها، لكنها تراجعت خشية من ردة فعل زوجة ابنها الحادة العنيفة ودعتهم بنظرات دافئة يغمرها الحب.
 ثم خرجت بعد ذلك من بيت ابنها بخطوات بطيئة منكسرة تأبى الرجوع إلى صقيع وحدتها، فعزمت على زيارة ابنها الصغير علها تجد عنده الدفء الذي لم تشعر به منذ زمن طويل، قرعت الجرس بقلب يغلفه الشوق انتظرت أن يفتح لها أحد الباب لكن دون فائدة، لمحت خيالا يتحرك خلف نافذة الباب حاولت أن توهم نفسها أن لا أحد في الداخل وأن الخيال الذي رأته ليس حقيقيا، متجاهلة كل الأصوات المنبعثة من البيت وفجأة ودون سابق إنذار اخترق قلبها المتعب سهم جديد ضاعف من حزنها وألمها، فهي جاءت لتمتع عينيها برؤيتهم وتطمئن على أحوالهم وليس لتتلقى طعنات الغدر القاتلة، أحست وهي تتقبل قسوة أولادها أن روحها تختنق لكن شعورا خفيا بدأ يتسلل إلى أعماقها الحزينة، فأراحها وخفف أوجاعها حينها شعرت بالشفقة على أصحاب القلوب القاسية الذين أفقدهم الطمع موهبة الحب وأنساهم أبجدية الحنان.