حتى لا تسرقنا الغفلة!

الاطمئنان في رحاب رمضان

 

د. عبدالله فرج الله

وحتى لا نقع في شرك الإهمال، ومصيدة التقصير، وفخ التأجيل والتسويف، في هذه الرحاب العظيمة الكريمة، فلا أضر على العبد السائر في مثل هذه المواسم، من غفلة تطغيه، وإهمال وتقصير ينسيه،وتأجيل وتسويف يرديه..فأخطر ما يصيب السائرين داء التسويف والتأجيل، حذر منه الأولون من سلفنا الصالح، يقول أمير المؤمنين علي– رضي الله عنه- : " فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غدا أو بعد غد، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف، حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون"، وقال آخرون:"إياك والتسويف! فإنه بحر يغرق فيه الهلكى".. و"أوسع أبواب جهنم باب يسمى باب المسوفين"..ويقول الشاعر:

اضافة اعلان

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حصاداً        ندمت على التفريط في زمن البذار

يقول عبدالله بن المعتز:

نسير إلى الآجال في كـل سـاعة          وأيامنا تطوى و هـن مـراجـل

ولم نر مثل الموت حقـاً كأنــه           إذا ما تخطته الأمــاني بــاطـل

وما أقبح التفريط في زمـن الصبا          فكيف به والشيب في الرأس شامل

ترحل عن الدنيا بزاد من التقــى          فـعـمرك أيـام تــعد قـلائل

فالسائر بحاجة ماسة، في مثل هذه المواسم، إلى رسائل تذكره، ومواعظ تزجره، ومجالس ترفعه، وإخوان يعينونه، وهمة متوقدة، وعزيمة صادقة..

فـ "يا همم العارفين بغير الله لا تقنعي، يا عزائم الناسكين لجمع أنساك السالكين اجمعي، لحب مولاك أفردي، وبين خوفه ورجائه أقرني، وبذكره تمتعي، يا أسرار المحبين بكعبة الحبِ طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروة المروى اسعي وأسرعي، وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي، ثم إلى منى نيل المنى فارجعي، فإذا قرب القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي، لقد وضح الطريق،ولكن قل السالك على التحقيق، وكثر المدعي".

"رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش،وقائم حظه من قيامه السهر،كل قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلا بعداً، وكل صيام لا يصان عن قول الزور والعمل به لا يورث صاحبه إلا مقتاً ورداً، يا قوم أين آثار الصيام، أين أنوار القيام".

فيا "من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته الشفاعة؟!".

وذكر يحيى بن أبي كثير – رحمه الله– أنه كان من دعائهم:"اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً".

أتى رمضان مزرعة العبــاد       لتطهير القلوب من الفســاد

فأد حقــوقه قولاً وفعــلاً         وزادك فاتخـــذه للمعــاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها         تأوه نادماً يـــوم الحصـاد

والتسويف يقطع الأعمار، ويضيع الأوقات، ويفسد الحياة، يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله- في وصف من سبق، من سلف أمتنا:"..أحكم القوم العلم فحكم عليهم بالعمل،فقاطعوا التسويف الذي يقطع أعمار الأغمار، وانتبهوا.. فانتبهوا الليل والنهار.. أخرجوا قوى العزائم إلى الأفعال.. فلما قضوا ديون الجد.. قضت علومهم بالحذر من الرد.. أقدامهم على أرض التعبد... إذا أثر عندها النصب راوحت بين أرجل الرجاء.. قلوب كالذهب ذهب غشه.. أنفاسهم لا تخفى..نفوسهم تكاد تطفى لون المحب.. غماز دمع المشوق نمام..".

رحاب تقول لك ولي ولجموع المسوفين، من السائرين الغافلين، على لسان ابن القيم- رحمه الله-: "عجباً لراحل عن قليل.. غافل عن زاد الرحيل.. لا يعتبر بأخذ الجيل.. وإنما هو تأخير وتعجيل.. أين النزيل أزيل.. أين القويم أميل.. أين المطمئن اغتيل؟!

إن الليالي لا تبقى على حال ...   والناس ما بين آمال وآجال

كيف السرور باقبال وآخره   ...   إذا تأملته مقلوب إقبال

تيقظوا فالأيام دائبة.. وتحفظوا فالسهام صائبة.. واحذروا دنياكم فما هي مواتية.. واذكروا أخراكم فها هي آتية.. أما رأيتم الدنيا فقد أبانت خدعها ومكرها.. إذا بانت من جمعها مكرها.. أين الارتياد للسلامة غدا؟! أين الاستعداد قبل الندامة أبدا؟! كأنكم بالمسير عن الربع قد أزف.. وبالكثير من الدمع قد نزف.. وبالمقيم قد أبين مما ألف.. وبالكريم قد أهين لما تلف.. يا طالب الدنيا دنا فراقها ... تزويجها أسرع أم إطلاقها".

"إخواني شحم المنى هزال.. وشراب الآمال سراب وآل.. ولذات الدنيا منام وخيال.. وحربها قتل بلا قتال.. تيقظ لنفسك واذكر زوالك.. ودع الأمل ولو طوى الدنيا وزوى لك.. فكأنك بالموت قد حيرك وأبدى كلالك( ضعفك).. ونسيك الحبيب لأنه أرادك له لا لك.. وخلوت تبكي خلالك في زمان خلا لك.. وشاهدت أمرا أفظعك وهالك.. تود أن تفتديه بالدنيا لو أنها لك.. فتنبه من رقاد الهوى لما هو أولى لك.. وأحذر أن أعمالك أعمى لك.. وأفعالك كالأفعى لك"..