حمام "نور الدين الشهيد" بدمشق: رواد يغتسلون بالماء والتاريخ

حمام "نور الدين الشهيد" بدمشق: رواد يغتسلون بالماء والتاريخ
حمام "نور الدين الشهيد" بدمشق: رواد يغتسلون بالماء والتاريخ

رنّه العامر
 
دمشق- "دخول الحمام مش متل طلوعو"، مثل عامي ما تزال تتداوله الألسن حتى وقتنا الراهن، ليدلل على أن من يدخل الحمام لا يخرج مثلما كان، وهذا ما تؤكده الحمامات الشعبية أو ما يعرف بـ"حمام السوق"، من خلال الخدمات المميزة التي تقدمها، والتي تعد أحد المعالم التاريخية والسياحية المهمة التي تميزت بها سورية عبر العصور.

اضافة اعلان

منذ ظهورها، مثلت هذه الحمامات، وإلى يومنا هذا، مقصداً شعبياً له مزاياه الخاصة وطقوسه الاحتفالية، إذ يجد فيه قاصده ملاذاً للتحلل من متاعبه الجسدية وضغوطاته النفسية، ومكاناً للاغتسال والاستجمام، ونادياً اجتماعياً مصغراً يلتقي فيه الأحبة لتجاذب أطراف الحديث والترفيه عن الذات، وما يؤكد نجاحها هو استمرار وجودها وحفاظها على مظهرها وتصاميمها الشرقية الأصيلة.

مدير دمشق القديمة أمجد الرز يشير إلى أن الحمامات الدمشقية تعد من أشهر الحمامات في الشرق كله، بروائع الفن الإسلامي، وطرز عمارتها وزخارفها ونقوشها، حيث أبدع المعماريون في بناء هذه الحمامات، فرصعوا جدرانها بالقاشاني، وفرشوا أرضها بالرخام، وعقدوا على أطراف قبابها عقود الجص النافرة، كما أقاموا نظاماً هندسياً بارعاً لتزويدها بالمياه الساخنة.

ومن هذه الحمامات، حمام "نور الدين الشهيد"، الذي يعد من أقدم الحمامات الدمشقية، ويتميّز عن غيره من حيث الزخرفة وطريقة بنائه والمساحة التي بني عليها، إضافة إلى موقعه المميز في وسط سوق البزورية، قرب خان أسعد باشا.

بدوره يشير أحد أبناء صاحب حمام نور الدين الشهيد، إلى أن الحمام، تعود ملكيته إلى العهد الأيوبي، حيث بني العام 565 هجري (1170 ميلادي)، أثناء ولاية الشام للحاكم نور الدين، وكان يرتاده الزبائن، وهو يمثل إرث أجداده، إضافة إلى كونه أحد المعالم السياحية المهمة لبلده.

ويدير الحمام أفراد عائلة الحمامي ، ويروي أحد أفراد العائلة أ الذي بدا محباً لمهنته، بأن الكثيرين من مالكي الحمامات الشعبية قاموا بتغيير مهنتهم بحجة الدافع المادي، غير أنه يأبى فعل ذلك حفاظاً على مهنة الأجداد.

ويشير إلى أنه تم إغلاق الحمام لمدة خمسين عاما، واستخدم حينها مستودعا لمحلات البزورية، لكنه قام بترميم الحمام العام 1979 بإشراف مديرية الآثار والمتاحف، رغبة منه في المحافظة على هيئته ونمطه القديم ودعم أساساته، لما يحمله هذا الحمام من طابع أثري مهم.

وينقسم الحمام، إلى ثلاثة أقسام، الأول "البراني"، الذي يضم المشالح والبهو، وتزينه بحيرة في وسطه، وهو القسم المخصص لاستقبال الزبائن وتغيير الملابس والاستراحة بعد الحمام، حيث توجد المصاطب الحجرية الملاصقة لجدرانه، والتي يجلس عليها الزبائن بعد أن ينتهوا من الاستحمام، ويشربوا الشاي وهم ملتحفون بالمناشف، أما القسم الآخر فهو (الوسطاني) وهو أعلى حرارة من البراني، ويستريح فيه الزبون للتخفيف من أثر التغيير في درجة الحرارة والاستعداد للانتقال إلى القسم الثالث، والذي يشار إليه بـ "الجواني"، والذي يتميز بدرجة حرارته المرتفعة، ويضم عادة الأجرار الخاصة بالمياه الساخنة، وهناك صنابير الاستحمام والمقصورات الدافئة.

يقتصر حمام نور الدين الشهيد على الرجال فقط، ومن الأعمار كافة، ويبدأ عمله من الثامنة صباحاً وحتى الثانية عشرة ليلاً، يستقبل خلالها عدداً كبيراً من الزوار، منهم السياح الأجانب والعرب، ويلقى إقبالاً كبيراً، فحمام السوق يتميز بكونه مريحا للأعصاب، فضلا عن أنه يمثل صفحة من صفحات أبناء الحارات الدمشقية القديمة، الذين يأتون إليه لاسترجاع ذكرياتهم التي دونتها الأيام على سطور هذه الصفحة، فعلى تلك المصطبة نفسها، وبجوار ذاك الجدار، يأتي رجال كبار في السن ليتذكروا أيام زمان بكل تفاصيلها الاجتماعية، هاربين من ازدحام حياة اليوم، والتي تكاد تقضي على هذه التفاصيل.

أما أحد العاملين في حمام نور الدين منذ نحو عشرة أعوام، أحمد غزالة، فيعد الحمام مهنته الوحيدة التي يعتاش من خلالها، لكونه أصبح جزءا من حياته، سواء من خلال علاقات الصداقة التي كونها مع زبائن الحمام، أو من خلال الحمام ذاته، الذي يعتبر جزءا من تاريخ لا يمكن نسيانه.

ويشير الابن الأصغر لعائلة الحمامي إلى أن الحمام كان يعتمد على الزبل ونشارة الخشب والزيتون، من خلال المراجل البخارية "الشويدرات"، التي تم استبدالها في الوقت الراهن بالمراجل التي تعمل على الكهرباء والمازوت.

وتعتمد مهنة حمام السوق في دمشق القديمة على التميز والمنافسة، من خلال تقديم الخدمات والمحافظة على سمعة الحمام، ومن الخدمات التي يقدمها حمام نور الدين الشهيد، الحمام البخاري، ومساج للاسترخاء، إضافة إلى إدخال قسم حديث هو "الساونا".

وفيما يتعلق بالأسعار، يشير الابن الأصغر لعائلة الحمامي إلى كونها مناسبة لجميع شرائح المجتمع، ومن حيث زيادتها تختلف الأسعار بحسب غلاء أسعار الكهرباء و"المازوت".

ويبين أن الحمامات التي تم افتتاحها حديثا لا تؤثر على حمام نور الدين الشهيد التاريخي، حيث يعتبرها "منتجعا سياحيا" لا يحمل في طياته أي روح للحضارة.

أحد زبائن حمام نور الدين الشهيد، طارق العاسمي، يشير إلى أنه اعتاد المجيء إلى الحمام مع أصدقائه، لما يحس به من راحة وطمأنينة بعد الاستحمام وسط البخار.

ويشير الرز إلى أن عدد الحمامات في مدينة دمشق يبلغ 65 حماماً، يعمل منها 12 حماماً فقط، مضيفاً أن مديرية مدينة دمشق القديمة تقوم بتسهيل إجراءات الترميم والترخيص للحفاظ على هذه المهنة.

ومن ذلك الحمام الذي تم ترميمه مؤخرا "حمام الناصرية"، والذي يعود إلى العهد المملوكي في القرن الرابع عشر الميلادي، بعد أن تعرض للتخريب مرات عدة، إلى أن تم افتتاحه في بداية هذا العام 2010.

صاحبة حمام الناصرية للسيدات، الذي تم افتتاحه منذ حوالي شهرين تقريبا، وفاء حمامي، تؤكد أن الخدمات التي يقدمها الحمام مميزة عن باقي الحمامات، إضافة إلى كون الحمامات المخصصة للنساء قليلة، مقارنة بالرجال، ولكون العديد من السياح القادمين من عدة بلدان، يحتارون بإيجاد مكان لانتظار نسائهم ريثما ينتهون من حمام السوق، الأمر الذي سرع في عملية ترميم وافتتاح الحمام، الذي يباشر عمله منذ الثامنة صباحا ولغاية الرابعة مساء.

وتقول وفاء حمامي، إنه تمت مراعاة جميع احتياجات المرأة والعمل على توفيرها في حمام الناصرية، وتوفير الجو المناسب للقيام بالمناسبات، من حفلات خطبة وتلبيس العروس، إضافة إلى بعض المأكولات المعروفة في الحمام، من المجدرة والفتات والمخللات.

[email protected]