سيدات يبتكرن مكياجا وتسريحة شعر للعزاء

سيدات يبتكرن مكياجا وتسريحة شعر للعزاء
سيدات يبتكرن مكياجا وتسريحة شعر للعزاء

 

ديما محبوبه

عمّان- تراتيل قرآنية لمقرئ نبراته لها وقعها على مستمعيها، ورائحة القهوة السادة التي تعبق بالمكان، يرافقها طبق التمر الذي يدور على المعزين.

اضافة اعلان

صمت رهيب يسيطر على الحضور، مفسحا المجال لنحيب امرأة ثكلى أو بكاء طفل تيتّم قبيل ساعات، وأصوات معزين تعالت بالمواساة، ووجبات إفطار وغداء وعشاء تكفّل بها الجيران تجيء وتروح، صور لم تغادر بعد كثيرا من بيوت العزاء الأردنية.

فما أن تعلن عائلة ما نبأ خبر وفاة فرد منها حتى ينتقل الخبر بسرعة البرق إلى محبّي المرحوم وأقربائه وأصدقائه وجيرانه الذين يسارعون إلى أداء الواجب كلٌّ حسب قدرته وعلى طريقته.

إلا أن رياح التغيير لم تترك هذه البيوت؛ فقلبت موازين العادات والتقاليد فيها، ففي بيت أم السعيد المتواضع الذي سرعان ما انقلبت ديكوراته لاستيعاب أكبر عدد من الأشخاص، انقسم فيه المعزون إلى مجموعات، وكل أخذ يحضر من أرشيف ذاكرته قصصا وحكايات عن الموت مما زاد من حزن أم السعيد الموجوعة.

في حين راحت مجموعات أخرى تتحدث عن الأزمة الاقتصادية والظروف المعيشية الراهنة، وخاضت مجموعات ثالثة بقضايا اجتماعية مؤرقة مثل الزواج والطلاق والجريمة وغيرها.

وفي هذا السياق يرى أستاذ علم الاجتماع والتنمية في جامعة مؤتة د. حسين محادين أن المصاحبات الاجتماعية للموت في أيامنا هذه تغيرت، عازيا ذلك إلى "إيقاع الحياة المتسارع الذي جعل للموت اسما حركيا"، من خلال ارتفاع نسب حوادث السير وجرائم القتل وعدم احترام البعض لأحزان غيرهم، إضافة للتنشئة الاجتماعية.

اختصاصي التراث الأردني ورئيس منتدى جماعة درب الحضارات الثقافي في الأردن نايف النوايسة يشير إلى "الفجوة الكبيرة بين ما كان سابقا وما نعيشه الآن"، موضحا أن الناس كانوا يعبرون عن أفراحهم وأتراحهم بطريقة "صادقة وعفوية".

وكان قديما الحزن والعزاء يدوم أكثر من ثلاثة أيام ويمتد إلى 40 يوما من الحزن والحداد وكان جميع أفراد القرية يشاركون فيه، ومن الواجب على المواسين طهي الولائم وما يسمى بِـ"أكل المجبرين".

ومن الصور المشروعة في التعزية، وفق أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية د. أحمد العوايشة زيارة أهل المتوفى والدعاء له بالرحمة والمغفرة، ولأهله بالصبر وتحمل المصاب، مبينا فضل قضاء حوائج أهل المتوفى وإعداد الطعام.

في حين يذهب أستاذ علم النفس في الجامعة الأردنية د. مروان الزعبي إلى أن حالة "التقمص الوجداني" هو ما يحدث مع المعزين لأهل المتوفى، وتكون من خلال مشاركتهم البكاء والعويل، وذكر كل من ماتوا في السابق وكيف عاش من بعده وتجاوزوا المحنة؛ لاعتقادهم أن ذلك يخفف من وقع المصيبة. 

وبهذه الطريقة ومن دون قصد، كما يقول، يقوم بالفضفضة ليس لمساعدة المنكوب في محنته وإنما من أجل تخفيف توتره.

ولا يحدث هذا الانفعال كله في حال عدم وجود صلة قرابة بين المواسي والميت، في رأي الزعبي الذي يؤكد أن المواسي مر في هذه التجربة وإحساسه يكون ناتجا عن تذكره لما مضى.

الركن الذي خصص في بيت أم السعيد لتقبل التعازي من النساء تحلقت فيه مجموعة من السيدات حول بنات أم السعيد لمواساتهن، كانت "الطلة المناسبة في العزاء" هي الغاية التي قصدنها من وراء ذهابهن إلى "الكوافيرة" قبل الالتحاق بركب المعزيين.

ربة المنزل أم علي تشير إلى أن النساء كن يقصدن بيوت العزاء لمواساة أهل المتوفى ومشاركتهم الأحزان ودعمهم، لافتة إلى أن الحال تبدل بحضورهن بأبهى صورة وأجمل طلة بعد "وضع ماكياج مخصص للعزاء".

والموقف الذي أثار استياء أم علي وفق قولها "ذهاب ابنة أختي عندما توفي والدها قبل حضور المعزيين إلى صالون التجميل؛ لتقوم بتصفيف شعرها وتقليم أظافرها وطلائها بلون قاتم مناسب للعزاء".

ظاهرة تصفيف الشعر قبل الذهاب إلى العزاء ظاهرة أخذت بالانتشار، وخصوصا في "الطبقات الراقية"، بحسب أحد العاملين في صالونات التجميل النسائية، الذي بين أن "معظم من يأتين للصالون ويرغبن بتصفيف شعرهن هن من أقرباء الميت من الدرجة الأولى وفي عمر 40 عاما ويزيد".

وطلب الزبونة التي تريد الذهاب لعزاء، كما يشير، ينحصر في عمل سشوار للشعر مع الحرص أن لا يظهر بأنه صفف في صالون".

ولا ضير من بعض أحمر الشفاه بارد اللون، موضحا أنها ستصبح هناك موديلات للشعر والمكياج لمثل هذه المناسبة.

وطريقة العزاء عند الرجال عصف بها التغيير أيضا، كما يقول العشريني مراد بأن "المباهاة والاستعراض هما سيدا المشهد في هذه المناسبة".

والرجال، كما يقول، أصبحوا يتفاخرون بنصب بيوت للعزاء مفروشة ومجهزة بأفخم الأثاث، بالإضافة إلى تشغيل عمال لتقديم الخدمة للمعزين، وإقامة وجبة غداء للحضور في ثالث أيام العزاء، واستئجار مقرىء، ووضع أكاليل الزهور على القبور وغيرها الكثير.

محادين يقر بأن الاستعراض في العزاء وإقامة الولائم يجعل الأمر يخرج عن "الوظيفة الإيجابية للتعزية".

وفي الريف، كما يقول، ما يزال الأهالي يحرصون على الطهي لأهل المتوفى واستضافة المعزين، مشيرا إلى أن أهل المدينة الذين يحترمون الوقت ويحتسبون عائداته وكلفته الاقتصادية كجزء من "ثقافة الرقم"، يجعلهم "يلتزمون بالتعزية العادية".

وفي حال كان المتوفى قريبا لمسؤول أو متنفذ، وفق قول محادين فإن "الحسبة" مختلفة، من خلال التعزية والمواساة وحجمها الأكبر في الصحف وبالولائم المقدمة.

من جهته يؤكد د. العوايشة أن بعض مظاهر العزاء "لا علاقة لها بالدين الإسلامي"، وفيها الكثير من التكلف والعديد من البدع كـ"الونيسة" التي تذبح ليلة الوفاة لتؤنس الميت في قبره، وعن حكمها يقول "غير جائزة وهي اعتقاد مخالف للشرع"، لافتا إلى "عدم جواز استئجار مقرئ للقرآن ووضع أكاليل الزهور على القبر كونه من البدع وفيه هدر للأموال".