عمّان قصة ينسجها المغتربون بذكرياتهم

عمّان قصة ينسجها المغتربون بذكرياتهم
عمّان قصة ينسجها المغتربون بذكرياتهم

ديما محبوبه
 
عمان- "جبل اللويبدة" هو أول مكان يخطر في بال هلا عبد الرحمن، المقيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، فور أن تحط طائرة غربتها رحالها، في مطار الملكة علياء الدولي.

ففي ذلك الجبل ذكرياتها الأثيرة، ومعه تقيم هلا علاقة حميمة، والتي شغلت عمّان وجبالها وأحياؤها وقاعها، مساحة كبيرة من كتاباتها، تقول "أمشي في اللويبدة وعيناي معلقتان باتجاه شرفات بيوته القديمة، وأنفي يبحث عن عبق أزهار تلك الشرفات، وهناك أسلم على تلك الشرفات بفرح اللقاء المتجدد".

الهواء الذي تستنشقه هلا في اللويبدة وفي جبل عمان، خصوصا الدوار الأول ومقاهيه وما حوله، يعود بها إلى أيام المراهقة، "إذ لطالما تعودنا أنا وأصدقائي، بعد انتهاء محاضراتنا الجامعية الجلوس طويلا هناك، حيث تعود الصور والذكريات، كشريط مستمر لا ينقطع".

هلا تتذكر في سياق متواصل، عازف الناي الحزين في حديقة اللويبدة، حيث لا كلام ولا سلام، سوى صوت الناي الحزين.

وتتحدث عن التنوع اللافت في عمان، وعن ثقافاتها المختلفة وجنسياتها المتعددة وعاداتها المتباينة وتوجهاتها الفكرية الحيوية والخصبة. وتتحدث عن مكتبة شومان، التي قضت فيها الساعات الطويلة، "كل هذا وغيره، ينهمر دفعة واحدة لحظة وصولي عمان".

من جهتها، تشتاق شيرين الشياب التي تكمل تعليمها العالي في نيوزلندا، إلى "كل ما في عمان، من أحياء وإنارة وأزمة تخنق شوارعها".

تقول، "أتذكر بود ذلك الرجل الذي كان يوقظني منتصف الليل، أثناء جمعه العلب الفارغة من الشوارع".

الشياب تكشف أن زيارة مقهى جفرا وسط البلد، هو أول ما تفعله فور عودتها للديار، في الفسحة التي تنالها من الدراسة والتحصيل الأكاديمي المضني.

ومن مشاهد قاع المدينة، المحفورة في وجدان الشياب، كما تروي: العجوزان الجالسان حول طاولة خيزران، يلعبان طاولة الزهر، ويتجاذبان أطراف حديث لا ينتهي.

الشياب تحنّ إلى تلك التصرفات العفوية مع صديقاتها، وإلى شرائهن (الترمس) من شارع الرينبو، والجلوس على أرصفته، وارتفاع ضحكاتهن بدويّ الحياة المتجددة.

أما أول ما يفعله محمد أمين، الذي يعمل في دولة الإمارات في إجازته العمّانية، فهو النزول إلى مطعم هاشم وسط البلد، وتناول الحمص والفلافل، المتصاحب مع كاسة الشاي بالنعناع.

كما يجتمع أحيانا مع أصدقاء مرحلة الدراسة الجامعية في مقهى بلاط الرشيد، ليستعيدوا هناك أيامهم الحلوة. ومن عادات أيام دراستهم، كما يذكر، التسكع في شوارع وسط العاصمة، وزيارة "كشك أبو علي الثقافي".

أمين يضحك؛ عندما يتذكر مقارنته مع أصدقائه بين ضخامة مبنى البنك العربي، وصغر حجم كشك أبو علي الملاصق له تماما: "كنا نعزو هذا الأمر، إلى أن الاهتمام بالاقتصاد، أكثر بكثير من الاهتمام بالثقافة".

بينما يتحدث صاحب مطعم هاشم وسط البلد زياد الترك، عن تاريخ المطعم، الذي تم افتتاحه العام 1952، مبينا أن تميز المطعم، هو "حفاظه على مذاقه الأول منذ افتتاحه أول مرة".

الترك يشير كذلك، إلى أن أكثر ما يميز هذه الأكلات الشعبية، محافظتها على أصالتها وجودتها.

الترك يعبّر عن فرحه الكبير، حين يلحظ عودة زبائنه من الأردنيين المغتربين، الى مطعمهم الأثير، يقول "الكثير من المغتربين، يأتون في الإجازة الصيفية، يطلبون الأطباق الشهية التي تعودوا عليها منذ صغرهم".

ويبين أن هناك طبقات اجتماعية عديدة، دخلت مطعم هاشم، وأصبحت من زبائنه.

تلك الشوارع وهذه الذكريات، حملت ذاكرة الشاب محمد حمدالله، القادم من أوكرانيا، واستقرت به في مقهى بلاط الرشيد وسط البلد، وزحمة الأسواق، ومناداة البائعين للسلع التراثية من الفضيات والمناظر الخشبية، ومحلات "الدي في دي"، التي كانت سببا لسهرات طويلة مع رفاقه.

يقول حمدالله "عندما يزور المغترب عمان، لا يبحث عن الحداثة والعصرية، وإنما يمشي في شوارعها، ليجد الروح العربية البسيطة في أحيائها الشعبية".

من جهتها تحس زينب النجار، المقيمة في دولة الإمارات في كل عطلة صيفية (تنزل) فيها إلى عمان، أنها في بلد آخر غير الذي زارته العام الماضي، "جسور جديدة وتقاطعات تنبت من العدم، ومقاه تزداد باطراد، وأسواق تتناسل كل يوم".

النجار تستمتع، كما تورد، بجولاتها وأبنائها في المولات والنوادي الصيفية، وتهوى، كما تبيّن، مذاق بعض المطاعم "مثل ريم البوادي وتشيتشيه وليالي العمر".

اختصاصي الطب النفسي د.محمد حباشنة، يرى أن الإنسان بطبعه يرتبط بالمكان ارتباطا وجدانيا، وتتولد لديه حول بعض الأمكنة مشاعر الراحة والأمن، وربما عشقها.

ويقول "تتكون لدى الفرد ذكريات عن مكان ما، لا تنفصل عن خبراته الشخصية، كالمدارس التي تعلمنا فيها، والأحياء التي نشأنا ولعبنا وترعرعنا فيها، وفي الأماكن التي مشى فيها الأصدقاء".

وهناك مستوى يسمى مستوى الامتداد، ويبين حباشنة أنه مستوى يستثير ذكريات الفرد، بانفعالية مرتفعة أو باندماج نفسي غير متوقع.

حباشنة يعرّف في ختام مداخلته الاندماج، بأنه "طمس جميع الحدود والفواصل، بين ذات الإنسان والمكان الذي يقطن فيه".

[email protected]اضافة اعلان