فالينتاين.. فالينتاين

موفق ملكاوي

على طريق المدرسة الثانوية في القرية تعرفنا على "عيد الحب" للمرة الأولى، وتعرفنا على مأساة "القديس فالينتاين" مع الإمبراطور "كلاوديوس" في روما القديمة.

اضافة اعلان

 ثم علمنا أن للورد دوره الرئيسي في هذا اليوم، فسرقناه من بيت "أم سمير".

 كان الوقت صباحا، ولم يدر في خلدنا أنها كانت تقف خلف ستارة النافذة تراقب حركاتنا وسكناتنا. خرجنا من حديقتها وقد دسسنا ورودنا في حقائبنا، ثم انطلقنا إلى مدرستنا.

خلال ذلك كنت أتحسس بعذوبة فائقة زهرتين اثنتين حظيت بهما من الحديقة.

عندما انتظمنا في الطابور الصباحي صدحت الإذاعة المدرسية بأسمائنا: فلان، فلان، فلان، وفلان.. عليهم التوجه الى الإدارة.

وقفنا أمام المدير المكرش بذقنه المتشعبة إلى أكثر من واحدة، بينما هو يمارس سلطته الفارهة على حواسنا، ويستعرض مرونة العصا في يده، وفجأة صرخ في وجوهنا:

- "يا حرامية، صايرين حبّيبة!".

كان عدد العصي التي تلقيناها كبيرا بحيث لم نستطع الاستمرار في عدها، فقد تساعد في ضربنا المدير ومساعده والأذنة، وعمال نظافة البلدية الذين كانوا يمرون صدفة في المكان.. كلهم تساعدوا وتعاونوا لإفهامنا أن ما قمنا به شيء فري ويجب المعاقبة عليه بقسوة لضمان عدم تكراره.

وقبل أن نغادره لم ينس المدير أن يخبرنا بأننا ممنوعون من دخول المدرسة إلى أن يأتي أولياء أمورنا لمقابلته.

لم نذهب مباشرة لبيوتنا، بل جلسنا بين شجر الزيتون ندخن ونثرثر، "ونهرش" آلام أطرافنا في انتظار "الحلّة".

هلّت أسراب بالمراييل الخضراء، ليحتشد المشهد بهن. انتقى كل واحد منا مريولا أخضر ورمى باتجاهه زهرته الجميلة.

كانوا موفقين باختياراتهم، اذ سرعان ما انحنت الفتيات والتقطن الزهور عن الأرض.

جميعهم كانوا موفقين.. باستثنائي، فقد نظرت "فتاتي" إليّ باستهزاء، ثم تقدمت من الزهرة وسحقتها بحقد تحت قدمها ماضية في طريقها من دون أن تنظر الى الخلف.

رحل الجميع إلاي، تاركينني وحيدا مع زهرتي الثانية، بانتظار فتاة أخرى أرميها لها.

عندما تقدمت من مكاني، ظننت أنها تبتسم لي، فاجتاحتني شجاعة كبيرة وقذفت الزهرة باتجاهها، نظرت إلي وابتسامة جميلة تغطي شفتيها، ثم تساءلت ببراءة:

- "هذي الي؟!".

هززت رأسي بالايجاب، فانحنت والتقطتها عن الأرض، ثم انضمت إلى زميلاتها. وفجأة انفجرن جميعهن بالضحك الصاخب.

ثبتت الفتاة عينيها في عيني ورفعت الزهرة الى مستوى وجهها، ثم بدأت تقصف أوراقها واحدة تلو الأخرى وهي تردد مع كل قصفة:

- "غبي، مش غبي، غبي ، مش غبي، غبي، مش غبي، غبي..".

وعندما أتمت لعبتها قذفت بما تبقى من الزهرة في وجهي، ومضت مع زميلاتها وقد علت أصواتهن بالضحك المحموم.

.. وفي البيت وَلْوَلتْ أمي كثيرا على "الجناية" التي اقترفتها. وعندما حضر أبي أوصته بأن "يربيني" جيدا.. وكان "القايش" حاضرا، فأخذت يد أبي تداعب جسدي، بينما أتراقص أنا تحت وطأة الضربات.

 وعندما انتهى خاطبني بجدية قائلا بأنه يفعل ذلك لأجل صالحي، ذلك لأنني سأتذكر هذا "القايش" كلما عنّ لي أن "أتسيّب".

 ثم أخبرني بأن من يسرق زهرة صغيرة مستعد لسرقة بنك كبير.

 أردت أن أشرح الأمر لأبي ببساطه، فقلت:

لكن يا أبي، انه "الفالينتاين"، و...

قاطعني بحدة ملوحا بـ "القايش" في وجهي، قائلا:

لا "فالينتاين ولا خبرتاين.. كله همالة".

هكذا كان الحوار مع أبي؛ مقتضبا، قصيرا، ولا يخلو من المصارحة والمكاشفة و"الشفافية". في حين أصبحت قصة الزهرات المسروقة هي الحدث الرئيسي في القرية، والتي تناقلها الجميع بتأويلاتهم وتعديلاتهم التي كان لا بد منها.

في السنة التالية كان لا بد لي من تجربة حظي مرة ثانية، ولكنني كنت أكثر حرصا هذه المرة، فبعد منتصف ليلة الفالينتاين نهضت من فراشي وتسللت خارجا.

توجهت الى بيت "أم سمير"، وقطفت جميع أزهار الجوري من حديقتها، ثم عدت مرتاحا الى بيتي، ووضعت الزهور في الماء كي لا تذبل.

حينها فكرت أنه بهذه الكمية الكبيرة من الزهور، فستكون فرصتي أكبر في الحصول على حبيبة.

[email protected]